بقلم قاسم حسين


بناة النهضة وصنّاع مجد الأمم

قاسم حسين

Kassim.Hussain@alwasatnews.com

ما أحوج هذه الأمة، وهذا الشعب، للعمال الماهرين الكادحين، لتنهض من هذا السبات الشتوي العميق.

هذه الشريحة الماهرة، التي تعمل وتدير الآلات وتبتكر، وتصنّع وتنفذ الابتكارات. ما أمس الحاجة إليها وما أضيع الأمة التي تستضعفها وتنتقص حقوقها وتقتر عليها. هذه الأيدي الماهرة التي تحرث وتزرع، وتكدح وتصنع، وتحوّل الأفكار إلى واقع وصناعات.

بمثل هذه الأيدي الماهرة نهضت الأمم التي خرجت من الحروب والنكبات، وبنت نهضتها على أسس من العلم والتطوير واكتساب المعرفة ومراكمتها. وبمثل هذه الأيدي نهضت اليابان، الخارجة مدمرة من الحرب العالمية الثانية، حيث كانت تلحق بكل بيت ورش صغيرة، يطوّر فيها اليابانيون مهاراتهم، ويبتكرون ويبدعون. منها بدأت ثورة إنتاج الترانزستور، التي كسرت الحواجز بين القارات، حتى وصل العالم إلى عصر الحاسوب والأجهزة الذكية التي دخلت كل بيت، وبدأت تغيّر كامل أوضاع العالم، ثقافياً وفكرياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، بكل سلاسة ودون ضجيج.

لسنا بحاجةٍ إلى فلسفة أو منطق، أو كتب فقه إضافية أو موسوعات تاريخية، تفصّل المفصّل، وتعيد شرح المشروح، فلدينا من كل ذلك فائضٌ يكفينا لمئتي عام قادمة، ولكننا محتاجون إلى أيدٍ ماهرة، تصنع لنا حبة الدواء التي نستوردها بأغلى الأثمان، وتحوّل الأقمشة إلى ألبسة تستر عرينا الجسدي والحضاري، وتحوّل الخشب إلى كراسٍ وأبوابٍ، وخام الألمنيوم إلى مطابخ ونوافذ وشرائح تدخل في صناعة السيارات والطائرات، وإلا سنبقى أمةً من الطفيليين تعيش على ما يرميه لها الآخرون من زوائد وفضلات.

هذه الأيدي الماهرة، هي التي يمكن أن تسهم في استقلال الأمة الاقتصادي والسياسي، وهي التي يمكن أن تخلق القيمة المضافة على المواد الخام من بترول ومعادن، التي نبيعها منذ سبعين سنة بأثمان بخسة ونكون رهائن لتقلبات السوق وسياسات الغرب، فيعيدها الصناع المهرة سلعاً رأسمالية بعشرين أو ثلاثين أو خمسين ضعفاً.

لسنا بحاجةٍ إلى تخريج المزيد والمزيد من أصحاب الشهادات الأكاديمية النظرية العليا، في سوق متغيّر سريع، ينتهون إلى محرقة البطالة لسنوات، حيث تتحطم آمالهم وتتقوض حياتهم، بل بحاجةٍ إلى التوسع في المعاهد التقنية والصناعية، وزيادة ورش الكهرباء والإلكترونيات والأجهزة الدقيقة، ونفسح المجال لأصحاب المهارات.

لا تغرنكم حياة الرفاهية أو الرفاهية النسبية التي نعيشها الآن، فهي حالة مؤقتة كاذبة، سرعان ما سيزول عنها زيفها بمجرد توقف حنفية النفط. ونحن نعيش الآن عالةً على الأمم الأخرى، لا نملك قرارنا السياسي ولا الاقتصادي، تابعين أذلاء.

ليس فخراً أن نجلب أفخم الصناعات، ونتباهى بأحدث الموبايلات، وآخر موديلات السيارات، ما دمنا عاجزين عن صناعتها، فضلاً عن فك رموزها أو إصلاح أعطالها.

ليس فخراً أن يعلن تاجر بحماسة شديدة، عن شراكة جديدة مع صيدلية أجنبية لتقديم منتج جديد فاخر، ليقوم بتوزيعه في أسواقنا، لأننا سنبقى أسرى الشركات الأجنبية للأبد. وليس فخراً أن يتباهى تاجرٌ بسيارة أنتجها الفرنسيون أو اليابانيون أو الكوريون، ويتحدّث عن باب السيارة الذي يفتح بسهولة وانسيابية، وفتحة السقف المدهشة، والمقصورة الداخلية ذات الفخامة الهادئة التي ستجذب عقول الزبائن الباحثين عن الرفاهية والأمجاد!

في يوم العمال الماهرين الكادحين المجتهدين، كم نحن بحاجةٍ إلى أيديكم ومهاراتكم وقوة عملكم وجهودكم لتنتشلنا من هذا التصحر، وتخرج بلداننا من مستنقع التخلف والتبعية والهوان.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5350 – الإثنين 01 مايو 2017م

Advertisements

حالة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: