بقلم قاسم حسين


ساعتان في الدراز

قاسم حسين

Kassim.Hussain@alwasatnews.com

كانت البداية يوم الجمعة الماضي، حيث وصلنا خبر وفاة أحد أبناء عمومتنا، وتم الإعلان عن التشييع صباح السبت، وتم الاتصال بالعائلة لمعرفة الأرقام الشخصية لاستصدار رخصةٍ للدخول للمشاركة في واجب التشييع.

ولم يتسنَّ لي المشاركة في اليوم الأول لعدم معرفة الوقت بالتحديد، لكن أحد أقاربنا من الإمارات وصل مبكراً وتوجّه إلى الدراز، لكنه مُنع من الدخول، على رغم الشرح المطوّل لأفراد نقطة التفتيش بالظرف، وأنه مسافرٌ وجاء من بلدٍ بعيدٍ لأداء الواجب، وقيل له: ممنوع الدخول للجنسيات الأخرى… وهكذا عاد.

العائلة نقلت الفاتحة إلى مأتم سار، كما تعمل عوائل الدراز في حالتَي الأفراح والأتراح منذ عشرة أشهر. وفي عصر اليوم الأخير، انتقلت إلى داخل الدراز، حيث استقبلت المعزين في مأتم صغير، يحمل اسم الملا أحمد، يزيد عمره على مئة عام. ولفت نظري أحدهم إلى وجود منبرٍ صغيرٍ قديمٍ جداً، يحتضنه منبر حديث مصقول، وأن المأتم يفتح أبوابه للقراءة يومياً من دون انقطاع، مثله مثل مأتم مدن بالمنامة.

حين وصولي لنقطة التفتيش، تم إيقافي، وقال لي رجل الأمن: ارجع! قلت له: عندنا فاتحة لابن عمي واليوم ختامها، فقال: ارجع! قلت له: عندي رخصة، فطلب مني البطاقة السكانية، فأعطاها لزميله ففحص ملفاً يحتوي على الأسماء، ثم أشار عليّ بالدخول.

بعد الانتهاء من مجلس العزاء، توجّه الحضور للمقبرة الواقعة قريباً من جامع الدراز الذي كانت تقام فيه صلاة الجمعة قبل عشرة أشهر، فهذا هو الوداع الأخير كما تقتضي الأعراف. قبور بسيطة، ممتدة على مد البصر، وفي طرفها الجنوبي قبور بعض الشبان أقيمت فوقها قبابٌ مذهبة صغيرة. تشعر بالوحشة تملأ هذا المكان الذي يودع فيه الناس أحبابهم في التراب.

بعد انتهاء مراسم التوديع، عدت إلى السيارة، لتأخذني في جولةٍ يقودني فيها فضولي الصحافي، لمعرفة هذه المنطقة التي سدت أغلب منافذ دخولها وأُبقِي على مدخلين فقط، حيث يواجه المواطنون رحلة معاناة يومية، وخصوصاً كبار السن والطلبة والمرضى، مع التأخير بسبب طول الطوابير.

كم قطعنا هذه الشوارع الداخلية والأزقة الضيقة، في تغطيات للمناسبات الجميلة أو لتقديم التعزيات. اليوم تتجوّل فيها كغريب، لا تشعر بأنك تمشي داخل قطعةٍ عزيزةٍ من أرض الوطن، أكثر البيوت بسيطة، وتتداخل فيها حظائر صغيرة أو دواليب زراعية. كانت الطرقات شبه خالية، والشمس تقترب نحو المغيب، وسيارات قليلة تتحرك هنا أو هناك. تشاهد أطفالاً قليلين على دراجاتهم الصغيرة، وخمسة أو ستة من الصبية الصغار يلعبون الكرة بأقدامٍ حافيةٍ في ساحة رملية.

في بعض الأزقة تشاهد نساءً عجائز متلفعات بالسواد، خرجن توّاً من أحد المآتم النسائية، بعضهن يتوكأن على عكاز، وبعضهن وقفن يقضمن آخر الأحاديث قبل أن يدخلن منازلهن. تمرُّ في هذه الجولة السريعة على البرادات، حيث يدخلها قليل من المشترين، أغلبهم أطفال، بينما تلاحظ بسهولةٍ همود الحركة في المحلات الأخرى، كمحلات الأجهزة والبوتيكات والمطاعم وسواها.

في هذه المنطقة، تلاحظ بسهولةٍ كثرةً من المساجد والمآتم، فبين كل مأتمٍ ومأتمٍ هناك مأتمٌ آخر، تختلف مساحاتها بين صغير متواضع وآخر كبير ومزخرف. الحضانات والمدارس مغلقةٌ في هذه الساعة من النهار، لذلك لا تعرف حجم الحركة كل يوم، وأوضاع الناس في ذهابهم وإيابهم، غير ما يصلك من شكاوى وقصص المعاناة.

على جدران بعض البيوت والروضات، تقابلك آيات قرآنية أو شعارات تربوية كتبت بخطوط عربية جميلة.

في نهاية الجولة، تمرُّ على ساحل أبوصبح، حيث أشاهده لأول مرة منذ أكثر من عامٍ أو عامين. عدد كبير من السيارات يمتد على طول الساحل، وشباب يلعبون أو يتريضون. في آخر الشارع قبل الخروج تشاهد رجلاً أجنبيّاً يمارس رياضة الجري.

آخر ما يكحل عينيك ما كتب على جدار مدرسة الدراز، حيث تقرأ عبارةً من حرفين تختزن كل هذا الإرث البحريني الجميل: «أغلى بلد»… وأغلى أرض… وأطيب شعب.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5339 – الخميس 20 أبريل 2017م

Advertisements

حالة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: