بقلم عصمت الموسوي


إذا فسد الملح

عصمت الموسوي

في واحدةٍ من قضايا الفساد المتهم فيها الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، والتي أعيد التحقيق فيها بعد فترةٍ من إخلاء سبيله وبراءته من قضية قتل المتظاهرين، وكذلك بعد انتهاء فترة عقوبته في قضية القصور الرئاسية، قضية تبدو صغيرة ولم يلتفت إليها الناس كثيراً، سُمّيت في الصحافة وفي التحقيقات بـ «هدايا الأهرام». وملخصها أن الرئيس وزوجته وابنيه جمال وعلاء وزوجتيهما، وبعض الشخصيات النافذة من أعضاء حكومته، تلقّوا هدايا من مؤسسة الأهرام الصحافية قبل سنوات من اندلاع ثورة 25 يناير، وقد أحيلت إلى المحكمة الجنائية المختصة حديثاً لفحص أدلة الثبوت، والهدايا التي نشرتها صحيفة «المصري اليوم» عبارة عن أقلام ذهبية، وربطات عنق فاخرة، وأطقم ألماس ومجوهرات وأحزمة جلدية وعطور من ماركات عالمية بلغت قيمتها 580 مليون جنيه.

وفي حين تستعد أسرة مبارك لإعداد فريق قانوني للدفاع عن نفسها، قالت عائلة مبارك أنها تلقت تلك الهدايا بحسن نية، في حين سدّد علاء مبارك جزءًا من هذه المبالغ، بيد أن السؤال هو: ما هي هدايا مبارك المقابلة للصحافيين؟

قبل أن أجيب على هذا السؤال أقول: إن الإعلام العربي معتاد على تلقي الهدايا على رغم أن ذلك يعد من الممنوعات في الصحافة الديمقراطية الحرة، حيث تسمّى رشى، ويخشى منها على نزاهة الصحافي وحياديته؛ لكن المعتاد أيضاً هو أن هدايا الصحافة تنزل من فوق إلى تحت، فالحاكم هو الذي يهدي وهو الذي يملك الأرض وما عليها، وهذه أول مرة نرى الصحافة هي التي تُهدي!

بيد أن الأمر سيان، فأموال الزعيم من خزينة الدولة، وكذلك أموال الصحيفة القومية، أي أن كلاهما يغرف من نفس الصندوق! هدايا الصحافة العربية للأنظمة السياسية معروفة منذ القدم، وهي إسباغ المشروعية على الحكم والدفاع عنه، وإقناع الرأي العام بوجهة النظر الرسمية فقط وتسفيه ما عداها .

وكان يمكن لملف «هدايا الأهرام» أن يطوى وينسى في الأدراج، لولا وجود جماعات كثيرة ومؤسسات وأفراد تضرّرت مصالحها في السابق، ولم تستطع الوصول إلى حقوقها أو تجهر بالشكوى في ظل تلك البيئة السياسية ورموزها التي أحكمت سيطرتها عبر تحالف السلطة والإعلام، والسلطة والمال، وصارت هذه الجماعات اليوم متخصصةً في ملاحقة قضايا فساد المرحلة السابقة والرئيس وأعوانه؛ ولأن كل قضية تجر أخرى خصوصاً في ظل فتح كل الملفات وإحالتها إلى القضاء والنيابة العامة والتحقيقات.

وأختتم بالقول إن فساد الإعلام دائماً يترافق مع صوت مجلجل ومدوي حتى وإن حاول البعض التخفيف من دويّه. الإعلام الذي يفترض أن يلتزم الحياد والنزاهة والموضوعية ومواثيق الشرف، وأن يكون وسيطاً محايداً بين الناس والحكومة، يدفع الملايين للرئيس من أجل ماذا؟ فالصحف القومية تحديداً تابعةٌ وممتثلةٌ ومطيعةٌ، ولم تخرج يوماً عن نهج الدولة الرسمي، فلماذا تحتاج لرشوة الرئيس وعائلته ووزرائه؟

تحول رؤساء تحرير الصحف المصرية القومية في عهد حسني إلى أصحاب ملايين وجاه، يمتطون السيارات الفارهة ويمشون على السجاد الأحمر. استولوا على منصب رئاسة التحرير ومجالس الإدارات ونقابة الصحافيين ومنعوا أي تغيير فيها، حتى إن من يترشح منافساً لهم يوصف بالمجنون، وحملوا شعاراً: «الكبير كبير مش عايزين تغيير»!

صار الواحد منهم لا يترك المنصب إلا إلى القبر، إلى أن سقط مبارك فجرى التغيير الإعلامي في اليوم التالي مباشرةً. كان الرئيس يشتد به بهذا الإعلام المنحاز، فيبقي كل شيء على حاله، وتلك كانت هدايا الرئيس المقابلة، وقد جرى تحميل جزءٍ كبيرٍ من مسئولية ما جرى في مصر لهذا الإعلام، فلو أنه كان إعلاماً حراً ومستقلاً وناصحاً وشفيفاً وحاضراً في الحياة السياسية والاقتصادية، ومدافعاً عن الحقوق والحريات، هل جرى كل هذا الدمار وانتشر كل هذا الفساد؟ وإذا فسد الملح بماذا تُملح؟
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5339 – الخميس 20 أبريل 2017م

Advertisements

حالة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: