ساق الطفل المكسوره


ساق الطفل المكسورة

محمد عبدالله محمد

Mohd.Abdulla@alwasatnews.com

حين أسكنُ أنا وأنتَ وأنتم وأؤلئك وهؤلاء كانت هناك حياة أخرى. تحت بيوتنا قد يكون هناك مَنْ يرقد منذ مئات أو آلاف السنين. تحت أسواقنا ومجالسنا ومحلات الترفيه التي نضحك فيها الأمر كذلك. فهذه الأرض لم تبدأ بنا ولن نستطيع أن نُنْهِيها حتماً. هذه دورة حياة تتجدد باستمرار.

دعونا نمدّ الرقاب ونُمعِن النظر أكثر إلى حيث البعيد. ففي المحيط الأطلسي التي تتمدد على أزيد من مئة وستة ملايين ونصف المليون كيلومتر تقع جزيرة بركانية لا تزيد مساحتها عن الـ 410 كيلومترات اسمها سانت هيلانا هي عبارة عن أرخبيل صغير من ثلاث جزر متباينة في طبيعتها.

وربما يذكر الفرنسيون هذه الجزيرة أكثر من غيرهم لأن نابليون بونابرت نُفِيَ إليها ومات فيها قبل 196 عاماً. ويذكرها البحرينيون أكثر من غيرهم، كَوْن ثلاثة من قادتهم السياسيين قد نفاهم الإنجليز إليها قبل 61 عاماً وهمعبدالرحمن الباكروعبدعلي العليوات وعبدالعزيز الشملان.

إلاّ أن هذه الحوادث هي جزء من تاريخ طويل وأعمق من المآسي التي شهدتها هذه الجزيرة، التي تبعد عن أقرب يابسة بألفَيْ كيلومتر. وللعلم، فإن هذه الجزيرة كانت ومازالت خاضعة لبريطانيا. فعلى رغم مجلسها التشريعي إلاّ أن قضايا الدفاع والخارجية مازالت في تصرّف لندن.

أتيتُ على ذكر هذه الجزيرة، كي أتناول شيئاً من التاريخ الذي يعني نصف العالم اليوم. قبل أسابيع كتب إيْوِنْ غالاوي تحقيقاً نشره في nature البريطانية تحدث فيه عن جزيرة هيلانا وعلاقاتها بالعبيد، الذين كانوا يُجلبَون عنوة من إفريقيا باتجاه الأميركيين للعمل كسُخرة في المزارع والبيوت.

بداية تجب الإشارة إلى أن البريطانيين وفي العام 1807م أصدروا قانوناً حظروا بموجبه تجارة الرقيق. وأخذوا يُرسلون دوريات في البحر لمكافحة هذا الأمر معترضين القوارب التي كانت تجوب الخطوط البحرية القادمة من إفريقيا باتجاه الأميركيتيين، لكن هذه الخطوة ظلت محل جدل في صدقيتها.

في كل الأحوال فإن إيْوِنْ يشير إلى أن الإنجليز كانوا يعترضون السفن المحمّلة بالعبيد لينقلوا مَنْ فيها من البشر المخطوفين إلى تلك الجزيرة. والحقيقة أن السجلات الإنجليزية حدّدت 36 ألف رحلة جُلِبَ خلالها 12 مليون إفريقي للعمل كَرِقٍّ في الأميركيتيين، وهو رقم «جدلي» بامتياز.

فالذي عُرِفَ في تاريخ الرقيق أن العدد وصل إلى 40 مليون إفريقي تم اختطافهم من أرضهم عُنوة والإتيان بهم للعمل كسخرة في العالم الجديد، وذلك خلال ثلاثة قرون. وربما أشار إيْوِنْ إلى رقم 12 مليون كما هو مُدوّن لدى الإنجليز لا أكثر، دون أن يراكم ذلك الرقم مع ما هو موجود لدى البرتغاليين أو الإسبان أو الفرنسيين، الذين تمادوا كثيراً في عملية الرق والاستعباد لمواطني إفريقيا.

أعود إلى عملية «تحرير» العبيد التي يقول الإنجليز أنهم قاموا بها. الكاتب يذكر نصاً ورد إليه من العام 1849م لأسقف أنجليكاني يُدعى روبرت جراي يصف فيه إحدى السفن المملوءة بالعبيد جرى إنزالهم في جزيرة سانت هيلانا إذ قال: «لم أر مشهداً أكثر بؤساً من هذا» ثم يصف أحوالهم.

فبعضم كانوا أمواتاً، وآخرين على وشك الموت. ومَنْ حالفه الحظ كي يعيش بربع أو نصف حياة فوجهه كان شاحباً وملابسه رثّة. وقد أحصِيَ منهم خلال عملية «التحرير» الممتدة 10 آلاف «كثير منهم أطفال» لقوا حتفهم ليُدفنوا في وادٍ صخري، أغلبهم بدون توابيت ولا مراسم دفن «آدمية».

وفي نصّ آخر يعود إلى 156 سنة كَتَبَ أحد الشهود قائلاً: «أصابت النحافة أذرعهم وأرجلهم، حتى صارت وكأنها عصا سير، كما توفي الكثير منهم أثناء انتقالهم من السفينة إلى القارب، لم يكن هناك وقت كاف للفصل بين الأحياء والأموات» بينما قرّر آخرون الانتحار وبعضهم أصابه الجدري والدوسنتاريا، لذلك، كانت الأرقام تشير إلى وفاة ثلث العبيد المحررين والبقية اشتغل سخرة.

كانت تلك «المذابح» غير المباشرة قد طَمَرَ ذكرها الزمن. ولم تُكتَشف إلاّ في العام 2006م عندما صرَخَ عاملٌ برئيسه الذي كان يعمل مخطِطاً لبناء مطار في الجزيرة بأن أسفل الصخور توجد ساق بشرية مكسورة، تعود لطفل صغير أتى به القَدَرُ كي يُدفن هناك على أثير رِقّ والدته المسكينة.

يشير إيْوِنْ غالاوي إلى أن فريقاً من 15 فرداً قام بالتنقيب في تلك المنطقة التي تضم 8000 جثة. وحين استخرجوا 325 من بقايا العظام ظهر لهم أن نصفهم كانوا ليافعين لم تزد أعمارهم عن الـ 18 عاماً، وأن أكثر مجموعة ديمغرافية كانت الأعمار فيها 12 عاماً. وهو ما يعكس حجم المأساة التي كانت قائمة، والتي تعيد الاستفهام بشأن شعار «تحرير العبيد» الذي يقول الإنجليز أنهم رفعوه.

كان جزءًا من الأبحاث التي قامت وماتزال في الجزيرة هو معرفة الحمض النووي لأؤلئك البؤساء. وقد تبيّن أن الكثير من الرق الذي كان يُجلَب يعود أصوله إلى مدغشقر والكاميرون ونيجيريا وغانا وموزمبيق. وكانت سفن شحن العبيد تأتي من موانئ في وسط وغرب إفريقيا والتي تتماثل جغرافياً اليوم مع أنجولا والكونغو.

الحقيقة أنها صورة مأساوية تكتشفها لنا العلوم الحديثة والتنقيبات الجارية. وعلى رغم رغبة العلماء اليوم في معرفة قضايا الهوية والتكيّف الثقافي في مجتمعات الرقيق إلاّ أن ذلك لا يستر حجم المأساة التي حصلت في السنوات الغابرة. والتي خلّفت وراءها صرخة هائلة من اليُتم والترمّل والنياح.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5297 – الخميس 09 مارس 2017م

Advertisements

حالة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: