بقلم قاسم حسين


ليتوانيا جميلة… لكنّ الحقيقة أجمل!

قاسم حسين

Kassim.Hussain@alwasatnews.com

من أغرب وأعجب القضايا التي حدثت نهاية الأسبوع، الإطاحة برئيسة هيئة السياحة في ليتوانيا، بسبب استخدام صورٍ لمناظر جميلة في فنلندا وسلوفاكيا، من أجل الترويج للسياحة في ليتوانيا!

الخبر في حدّ ذاته مضحكٌ ويثير السخرية، فكيف تنشر صوراً لبلدان أخرى للترويج للسياحة في بلدك؟ وهل يفعل ذلك شخص متزن عقلياً؟ فكيف بالمسئولة عن السياحة نفسها في البلاد؟

وكما هو متوقع، أثارت هذه الحركة الغرائبية موجةً كبيرةً من السخرية عبر البلاد، شارك فيها حتى رئيس الوزراء الليتواني، وانتهت بالإطاحة برئيسة هيئة السياحة يورغيتا كازلاوسكينه. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي وجاذبية الصور، ما كان لمثل هذه الحركة أن تمر دون كشف الحقيقة، واكتشاف صور المواقع الأصلية، وارتدادها على مزوّر الحقيقة.

مستخدمو الانترنت نشروا يوم الجمعة، رسائلهم الساخرة، مع وسم «ريل إز بيوتيفل» (الحقيقة جميلة)، تعليقاً على الحملة التي أطلقتها السلطات الليتوانية للترويج السياحي بعنوان «ليتوانيا: الحقيقة جميلة». واختار رئيس الوزراء الليتواني ساولوس سكفرنيالس نشر رسالة ساخرة عبر «الفيسبوك»، حيث وضع صورةً لمقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا، وكتب عليها: «اعتباراً من الغد، سنعمل في المقر الجديد في كارولينسكس»، (ضاحية بالعاصمة فيلنيوس)، وأرفقه بشكل وجهٍ مبتسم! ولم يكتفِ بالتعليق، وإنّما طالب أيضاً بإجراء تحقيقٍ في هذه الحملة «التي تنطوي على تزوير»، كما قال.

طبعاً لم تسلّم وزارة السياحة بالهزيمة بل أخذت تدافع عن نفسها وموقفها، في محاولةٍ بائسةٍ لمقاومة التيار. ووقفت معها بطبيعة الحال وكالات الإعلان المستنفعة التي توّلت إدارة الحملة الترويجية، حيث ادعت أن الصور المستخدمة تسمح «بنقل مشاعر»! وهي حجةٌ سخيفةٌ أثارت المزيد من التعليقات الساخرة، فكيف تسمح الصور «المسروقة» من فنلندا وسلوفاكيا بـ»نقل المشاعر»، ولا تسمح بذلك الصور المنقولة من فيلنيوس؟ ثمّ ألا يعد ذلك تشكيكاً في جمال ليتوانيا والليتوانيين؟ وهكذا قوبلت هذه الحجة بالمزيد من السخرية والاستخفاف سواءً من قبل المسئولين الحكوميين أو مستخدمي الانترنت: فكيف تدشّن حملةً بعنوان «ليتوانيا جميلة» للترويج لأماكنك السياحية وجمال بلدك وغنى ثقافتك، وأنت لا تؤمن بذلك فتستخدم صوراً مزوّرةً من بلدان أخرى؟ ودخل وزير الاقتصاد على الخط وطالب رئيسة هيئة السياحة بالاستقالة، فاضطرت للتخلّي عن منصبها بعد يأس!

البلدان في عيون أصحابها جميلة، وخصوصاً في عيون من يستفيدون منها أكثر ويعيشون من خيراتها بصورة أوفر، لكن الحقيقة أجمل. وليس هناك ما هو أفضل وأنجح للترويج عن البلدان من نشر المعرفة الحقيقية بأوضاعها واقتصادها، وسياحتها ومعالمها، وشعبها وثقافتها. وليس هناك ما هو أسوأ للبلدان من نشر الأخبار السيئة، والخلافات والتوترات العرقية والدينية، والتركيز على الانقسامات، حتى يرتبط ذكرها بالاحتقانات والنزاعات. والأسوأ حين تقدّم وسائل الإعلام نفسها، صورةً مشوّهةً لبلدانها، وتعمل على تكريسها يومياً عبر ما تنشره من أخبار ومقالات.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5272 – الأحد 12 فبراير 2017م

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s