بقلم أحمد السلوم


«التاجر ترامب» الذي يحكم أميركا ويشاكس العالم!

أحمد صباح السلوم

إن العملة البحرينية ستتأثر بشكل مباشر عندما يأتي الذكر على الدولار الأميركي.

تحدّثنا في المقال السابق عن انخفاض قيمة العملة وتأثيراتها بالنسبة لدول العالم المختلفة، وخلصنا إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون انخفاض العملة عاملاً سلبياً؛ بل في أحيان كثيرة يكون «نعمة» على الاقتصاد الوطني عند الدول المصدرة.. ولكن آثار تخفيض قيمة العملة تبقى عملياً وعلى العموم رهينة بطبيعة كل اقتصاد على حدة، وتخصصاته الإنتاجية، ومستوى انفتاحه واندماجه في التجارة الدولية، وتركيبة تجارته الخارجية، فالدواء الذي يناسب مريضاً قد لا يناسب آخر بالمرة.

وقد تلقيت الكثير من تعليقات القراء الكرام، ظناً منهم أنني أنادي أو أتحدّث عن خفض قيمة العملة الوطنية (الدينار البحريني)، وفي الواقع لم يتطرق المقال بشكل مباشر لذلك أبداً؛ بل تناول نماذج مختلفة لتطبيقات خفض العملة في دول مختلفة، كان أبرزها الصين وتركيا وأميركا ومصر والأرجنتين وغيرها… وأوضحنا التأثيرات التي حدثت سلباً أو إيجاباً في كل بلد. وأعتقد أن القراء الكرام قد اعتادوا على تناولي الشأن المحلي بشكل دائم، ففوجئوا في المرة الأخيرة أن التناول كان على نطاق أوسع وأشمل من الشأن المحلي.

لكن لا شك أن العملة البحرينية ستتأثر بشكل مباشر عندما يأتي الذكر على الدولار الأميركي، لأن السياسة النقدية لمملكة البحرين تقوم على «ربط العملة بالدولار»، ومن هنا يجب أن ننتبه جيداً لسياسات السيد ترامب الاقتصادية الجديدة، وحديثه المستمر عن الشأن الاقتصادي وسياساته النقدية المتجهة صوب خفض قيمة الدولار الأميركي لإنعاش الصادرات الأميركية وتقوية موقعها التنافسي في السوق التي باتت تستحوذ عليه البضائع الصينية والأوروبية بشكل واضح.

«ترامب» الرجل الذي يشاكس العالم أجمع حالياً، من المكسيك إلى أستراليا والصين، مروراً ببريطانيا وألمانيا وتركيا وإيران، وحتى الدول العربية لم تخلص من «مشاكساته»، بات يحكم أكبر دولة في العالم، وقدومه من خلفية «تجارية استثمارية» لا يخفى على أحد تأثيراته حتى الآن سواء على مستوى التصريحات أو الفعل، فالرجل لم ينس أبداً أنه «تاجر»، فمن هنا يريد جمارك ومن هناك يريد ضرائب، وفي هذه الدولة يريد أن يفتح السوق، ومن تلك الدولة يريد أن يحمي صناعة وتجارة، لكن في الحقيقة أن أكثر ما يهمنا هو سعيه وتصريحاته المباشرة برغبته في خفض العملة، وكيف يمكن أن يتأثر الدينار البحريني بهذا الأمر.

بالطبع هناك جهات اختصاص في البحرين على رأسها المصرف المركزي، من المفترض أن تدرس الأمر من كافة جوانبه واحتمالاته، لكن من وجهة نظري الشخصية كـ»تاجر» يجب أن يستعد المستثمرون في السوق لذلك، ولا أرى أفضل من التوجه إلى القطاع الصناعي. لقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لا ينفع اقتصاد أي دولة إلا أن تكون «منتجة»، وبما أن البحرين جغرافياً وطبيعياً من الصعب أن تكون دولة منتجة زراعياً، فالسبيل الأهم هو التحوّل نحو الإنتاج الصناعي والتركيز على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في هذا الصدد، ودخول مجالات الصناعات التحويلية والتكميلية بكل قوة، خاصةً أن لدينا بالفعل بعض الصناعات المتميزة القائمة وعلى رأسها صناعة الألمنيوم والبتروكيماويات.

لقد أثبتت أزمة النفط الأخيرة بأنه ليس «طوق النجاة» الذي يمكن الاعتماد عليه وحده في قيام «اقتصاد الدولة»، ونفس الأمر ينطبق على الذهب أو العملات، فكلاهما في «وقت ما» ينفد أو ينضب، ولكن العمل والإنتاج والحرص على الصناعة لا ينفد أبداً طالما بقي في البشر أنفاس يتنفسونها.

وأعتقد أيضاً أن الدولة تعي ذلك جيداً وتدعمه بشكل صريح في السنوات الأخيرة، وهناك فرص للتعاون مع الكثير من بلدان العالم التي لديها نفس الرغبة في التوجه الصناعي ودعم صغار المؤسسات. لدينا تركيا كنموذج رائع في هذا الصدد واقتصادها بنسبة نحو 95 في المئة قائم على هذه النوعية من المؤسسات الصناعية الصغيرة، ولدينا الفلبين أيضاً حيث لديها صناعات متميزة، وهناك أبواب عدة للانفتاح عليها والتعاون معها. باكستان أيضاً لديها توجهات ومشروعات ممتازة في قطاعات الصناعة والطاقة واللوجستيات. يمكننا التعاون مع مصر أيضاً بما لها من خبرات وأيدي عاملة رخيصة ومتميزة، ولدينا النموذج الروسي وتجارب أكثر من ناجحة في دعم المؤسسات الصغيرة.

الحديث عن انخفاض الدولار ليس جديداً ولا ضرباً من الخيال، فإلى جانب أحاديث ترامب ورغبته الجامحة في هذا الصدد، يوجد تحذيرات من بعض الخبراء الدوليين أيضاً، فالخبير المالي ديفيد مارش – أحد مؤسسي شركة «أومفيف» للإستشارات المالية في لندن – قال حديثاً لشبكة «سي أن بي سي» الأميركية، إنه يتوقع ارتفاع الدولار الأميركي لمدة عام تقريباً بسبب سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ثم انهياره كما حدث في مطلع الثمانينات!

وشرح مارش أن الاقتصاد والشركات الصناعية الأميركية لن تتحمل مزيداً من الارتفاع المتسارع للدولار، الذي يواصل الصعود منذ عدة سنوات، بمعدل 10 في المئة سنوياً على مدى السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، وإن هذا «تحديداً هو عكس ما يقول ترامب إنه يسعى إليه» تحت شعار «حماية العمال الأميركيين في الوطن».. وسيؤدي ارتفاع الدولار إلى انخفاض حصيلة الصادرات الأميركية، كما سيجعل المنتجات الأميركية أقل تنافسيةً في الخارج.

أما الخبير المالي ديفيد بلوم من بنك HSBC فقال حديثاً إن السياسة هي الاقتصاد الجديد، موضحاً أن ما يحرّك الأسواق الآن هي السياسة أكثر من قرارات البنوك المركزية. وتوقّع بلوم أن يبقى الدولار في السوق الصاعدة لمدة ستة أشهر على الأقل، لكنه لم يحدّد توجّه الدولار بعد ذلك في ظل سياسات «المشاكس ترامب».

في جميع الأحوال، نحن أمام توقعاتٍ لتغيير تام في السياسات الاقتصادية والنقدية للولايات المتحدة تحت حكم الوافد الجديد للبيت الأبيض، مهما كانت هذه السياسات والقرارات أعتقد أن الحل الأكثر ضماناً يظل بأيدينا نحن من خلال العمل والجهد والتوجه الجاد نحو «الاقتصاد الحقيقي» المنتج الذي يعتمد على الصناعة والدور الكبير للمؤسسات الصغيرة.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5272 – الأحد 12 فبراير 2017م

Advertisements

حالة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: