بقلم وسام السبع


حكاية الأرشيف البرتغالي

وسام السبع

wesam.alsebea@alwasatnews.com

على مدى ثلاثة أيام كنا على موعد مع الباحث المتخصص في الكشوف الجغرافية والتوسع البرتغالي في الخليج إبراهيم بن يحيى البوسعيدي، وكان لهذه الأماسي الثقافية أكثر من فائدة، وأبعد من أثر يتجاوز الواحد منها متعة الاكتشاف، ولذة الاحاطة بالجديد، فهذا الوجود الإنساني الدافئ للبوسعيدي، تمكّن من تجسيد عمق العلاقة التي تربطنا تاريخياً واجتماعياً بالشقيقة عُمان، ذات البأس الصخري والمهابة الجبلة، والتاريخ الضارب في عمق الزمن، وتمكن الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة السلطان قابوس من أن يُضيء جانباً خفياً من تاريخ الصمود العربي في وجه البرتغاليين، الذين كانوا أول القوى الأوروبية التي تمكنت من تحويل أطماعها في خيرات الخليج العربي إلى مشروع هيمنة بأساطيل بحرية، وقذائف فتاكة، وجنود قساة مأمورين بجدع الأنوف، وصمل الآذان، وحرق البشر أحياء، كأسلوب من أساليب إشاعة الترهيب، وزرع الخوف في النفوس، لتحطيم إرادة المقاومة لدى شعوب المنطقة.

محاضرة البوسعيدي الرئيسية كانت في مقر جمعية تاريخ وآثار البحرين بعنوان «البرتغاليون في عمان من الغزو إلى التحرير» الذي حضر البلاد بدعوة منها مساء الأربعاء (18 يناير/ كانون الثاني2017). وفي مساء اليوم التالي، قدّم البوسعيدي مع محمد حميد السلمان ورشة عمل بشأن التعامل مع الوثائق البرتغالية، وقد فاتني حضورها مع الأسف.

وكان مجلس المرحوم أمير بن رجب الثقافي قد استضاف البوسعيدي قبل يوم من محاضرته الرئيسية، وتحدّث إبراهيم في تلك الأمسية بلتقائية عن تجربته العلمية في البرتغال منذ العام 1996 عندما ذهب لدراسة الماجستير ثم الدكتوراه في جامعة لشبونة (البرتغال) 2011. وموضوع أطروحته «عُمان والبرتغال 1650-1730 دراسة في الجوانب السياسية والاقتصادية»، التي كتبها باللغة البرتغالية ليصبح بذلك من الأكاديميين الخليجيين المعدودين جدا، إن لم يكن الوحيد الذي يدرس الأرشيف البرتغالي ويكتب بلغته.

وأثار حديث البوسعيدي الذي امتزجت فيه التجربة الذاتية بالحديث عن قضايا التاريخ وشئون البحث التاريخي، شهية من حضر من الباحثين والمهتمين لطرح الكثير من الأسئلة والتعقيبات التي لفت فيها إلى أن اللغة البرتغالية على رغم صعوبتها تحفل بنحو 1500 كلمة عربية، وأن لغة الوثائق البرتغالية القديمة ليست هي لغة البرتغاليين اليوم، فكثير من البرتغاليين لايتقنون قراءتها! كما أن الأرشيف البرتغالي -على رغم طول الفترة التي مكثوا فيها في المنطقة- ليس مُنظماً كما هو الحال عند الفرنسيين والبريطانيين على سبيل المثال؛ ذلك أن البرتغاليون لم يُعنوا عناية تامة بتنظيمه، ناهيك عن أن هذه الوثائق ترتبط دائماً بالهدف الذي جاء من أجله البرتغاليون للمنطقة، وهو هدف السيطرة على المنافذ البحرية، والتحكم في شريان الاقتصاد العالمي، فالشريط الساحلي لعمان يمتد لمسافة 1700 كليومتر على المحيط الهندي، وتمر على طول هذا الساحل السفن المتجهة من الهند إلى إفريقيا، ومن الهند الى الخليج، أو المتجهة إلى الهند، وبالتالي أولت هذه الوثائق اهتماماً كبيراً وحصرياً بالجوانب الاقتصادية، ولم تكن تأبه للجوانب الثقافية والاجتماعية من حياة شعوب المنطقة.

ظهرت السفن البرتغالية في المياه العُمانية في السنوات الأولى للقرن السادس عشر الميلادي، وسقطت المدن الساحلية أمام الأسطول البرتغالي، وقد تمركزوا على الشريط الساحلي خلال 150 عاما، ويُلخص عدم توغل البرتغاليين في العمق العماني فلسفتهم العسكرية القائمة على الاستنفاع المادي من خيرات الشعوب.

وفي العام 1622 عندما طرد البرتغاليون من هرمز -قاعدتهم في الخليج- أصبحت «مسقط» معقلهم الأساسي في الشرق الأدنى، وكانت دفاعات مسقط مدعمة تدعيماً قوياً وتتكون من قلعتين كبيرتين (الميراني والجلالي)، وسور به أبراج للمدافع، وكثير من التحصينات الفرعية.

ثم واجهت قوة البرتغاليين الاختبار، عندما اتحدت ضدهم قوات القبائل داخل عمان على يد أئمة اليعاربة.

وما إن حل العام 1650 حتى تمكن العمانيون من طرد البرتغاليين من مسقط، وتحقق الجلاء الكامل على يد الحاكم اليعربي سلطان بن سيف، لتدخل بعدها عمان عهداً من الرخاء والقوة؛ فقد أغار الأسطول العماني خلال الخمسين عاماً التالية على الأراضي التي يسيطر عليها البرتغاليون على طول السواحل الهندية والإفريقية، واستطاعوا قبل نهاية القرن أن يطردوا البرتغاليين من شرق إفريقية، وأن يضعوا الأساس للوجود العماني القوي هناك والذي استمر طوال 250 عاماً!

لكن الرخاء التجاري العماني لم يبلغ ذروته إلا في عهد أسرة البوسعيد، الأسرة الحاكمة حالياً، وكان مؤسس الأسرة الإمام أحمد بن سعيد قد انتخب إماماً العام 1749، بعد أن قاتل ضد الغزو الفارسي لعمان، وعمل بعدها على رفع قدرة الأسطول واستغل السفن الحربية في نقل التجارة في الفترات التي تتوقف فيها الحروب.

وبعد وفاة الإمام أحمد تولى سعيد بن سلطان الحكم من عام 1807 الى عام 1856، وفي عهده توسع النشاط التجاري العماني، وشملت الممتلكات العمانية زنجبار وأجزاء من شرقي إفريقيا، ومن جنوبي إيران، وبلوشستان، وهي فترة كانت من أزهى العصور التي عمّت بخيرها منطقة الخليج ككل.

موضوع الوجود البرتغالي في الخليج قد يكون من المواضيع الجادة التي تفتقر إلى حس التشويق والإثارة، لكن ضيفنا العماني تمكن من استثارة وعي مستمعيه من عشاق التاريخ وحرّك رغبتهم في إعادة قراءة هذه المرحلة، وهذه واحدة من أكثر المزايا التي يوفرها التواصل والانفتاح الثقافي اليوم بين شعوب الخليج، الذين يشتركون في أشياء كثيرة يمثل التاريخ إحداها.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5253 – الثلثاء 24 يناير 2017م

Advertisements
Categories: Uncategorized | أضف تعليق

التنقل بين المواضيع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..

%d مدونون معجبون بهذه: