بقلم وسام السبع


شهربان وخير النساء… وفاطمة جُلّ

وسام السبع

wesam.alsebea@alwasatnews.com

ينجح الأدب هنا في خدمة التاريخ، هذا ما خرجتُ به من انطباع وأنا أطوي الصفحة الأخيرة من رواية الأكاديمي والأديب البحريني عبدالله المدني: «محمد صالح وبناته الثلاث: شهربان وخير النساء وفاطمة جُلّ». والرواية هي العمل الأدبي الثالث للمدني المتخصص في العلاقات الدولية والشأن الآسيوي. وموضوع الرواية ظل في صلب اهتماماته بالتأريخ الاجتماعي على نحو ما برز له في أكثر من إصدار: «النخب في الخليج العربي، قراءة في سيرها»، و»البحرينيون في الخبر والدمام»، و»البحرين والخليج في الزمن الجميل»، وفي رواياته: «في شقتنا خادمة حامل» و»بولقلق»، و»مذكرات حاوية مخلفات».

روايته «محمد صالح وبناته الثلاث» تُقدم رصداً مشوقاً للتحولات الاجتماعية والفكرية في خليج الخمسينيات، ما بين سواحل فارس والشارقة والبحرين والدمام وبومباي، على اتساع مساحة زمنية تبدأ من مطلع الخمسينيات حتى منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفيها نرصد التحولات التي طرأت على ثلاثة أجيال لعرب هولة الخليج، ففيما كان الرعيل الأول غير مكترث بالأيدلوجيات السياسية بقدر اهتمامهم باتقان عمل شريف مع سلوك ديني وسطي، ينغمس الأحفاد في أيديولوجيات متصادمة.

الرواية تكشف بأسلوبٍ بسيط ومشحون بالصور مصائر أفراد لعائلة اعتاد أفرادها على الحياة في قرية نائية بمساكنها الطينية، وأزقتها الترابية، ومياهها الآسنة، وهدوئها الباعث على الضجر، إلى حيث قادتهم «رحلة الإياب» إلى مفترق طرق، يتداخل الطموح والرغبة في تحقيق الذات بالحب العفيف، وتتقاطع السياسة والتحولات الاجتماعية مع صراع الهوية والحوادث الدولية الجسام.

وتدور حوادث الرواية بشأن شخصية الحاج محمد صالح وبناته الثلاث، وبطل الرواية فلاح أُمّي بسيط من قرية «كرمستج» التابعة لبلدة «لار» في جنوب إيران، كان يعتاش على حراثة وفلاحة أرضه الصغيرة بجوار منزله الطيني، ونقطة التحوّل في حياة هذا الرجل الثلاثيني كانت عندما قرّر أن يهاجر إلى إمارة «الشارقة» لتحسين ظروفه المادية الصعبة التي كان يعيشها في قريته النائية، تاركاً بناته الثلاث بعد وفاة أمهم في رعاية خالهم «محمد شفيع»، شيخ القرية وإمام مسجدها.

وفي»الشارقة» التي قصدها في سبتمبر/ أيلول العام 1945 ينفتح عالم جديد كلياً أمام الفلاح القروي الباحث عن حياة كريمة، تؤمّن له ولعائلته ظروفاً معيشية أفضل، وتشاء الأقدار أن يتعرّف بطل القصة في مهجره الجديد على التاجر الحاج عبدالقادر العمادي الذي كان قد هاجر إلى ساحل الخليج عام 1928، وتنقل في عدة موانيء واشتغل في مهن كثيرة قبل أن يحقق نجاحاً كبيراً في استيراد المواد الغذائية وتسويقها.

يلتحق محمد صالح بالعمل مع الحاج عبدالقادر، الشخصية المعروفة التي كانت تحظى بثقة حاكم الشارقة، وما تلبث علاقة السيد مع أجيره أن تشتد وتتعمق مع مرور الشهور وتحل محلها ثقة أخذت تكبر وتتحول لمشاعر مودة عميقة لهذا الشاب الأمين، فيتزوج محمد صالح بابنة سيده الحاج عبدالقادر، ويتزوّج الأخير ابنة زوج ابنته الكبرى «شهربان».

تتحسن ظروف محمد صالح كثيراً في الشارقة على الصعيد المادي والتعليمي والاجتماعي، يتعلّم القراءة والكتابة، ويتحدث الانجليزية بطلاقة، ويسجّل نجاحاً ملحوظاً في إدارة مصالح وأعمال سيده التجارية، ويحصل سريعاً على جنسية الإمارة، ويجلب بناته الثلاث التي ترسم لهن الأقدار نهايات فيها من السعادة والنجاح، بمقدار ما فيها من المفارقات والانكسارات وخيبات الأمل.

تتدفق الحوادث بعد ذلك من خلال مصائر بنات محمد صالح الثلاث، وابنه الذي سافر مع أخته للدراسة والتحق بتنظيم «الإخوان المسلمين» المحظور، فيما اختارت شقيقته الانتماء لحزب البعث العربي الاشتراكي، وأحفاده الذين طوّحت بهم الانتماءات السياسية إلى نهاياتٍ، الكثير منها مُحزن، وهي التي عبّر عنها المؤلف بـ»أزمة الجيل الثالث» الذي تلوّث بالأفكار الاقصائية والجهادية، أو بالاسلام المتشدد الداعي إلى الانقلاب على السلطات وتكفير المجتمع، وحمل السلاح.

جُمعت تفاصيل هذا العمل الأدبي – كما يشير المؤلف – من حكايات وقصص وأخبار رواها شفاهة كبار السن من عرب الهُولة، الذين لم يسلط ما يكفي من الضوء على تاريخهم وحكاية هجراتهم ما بين ضفتي الخليج، طلباً للرزق، أو هروباً من القحط، أو حماية للذات من التمييز العرقي والمذهبي.

هكذا نعرف أن حوادث الرواية أقرب إلى الواقع منها إلى الخيال، فهي تُجسّد أوضاعاً وتصف حالات وتغوص في وقائع وتحولات مرت بها أسر كثيرة من عرب الهولة المنتشرين في البحرين وقطر والإمارات العربية والكويت والساحل الشرقي من السعودية، بغض النظر عن ألقابها وانتماءاتها الجهوية والقبلية.

وإذا كان المؤرخون اختلفوا في أصول عرب الهولة، إلا أن الرأي الأكثر شيوعاً بين سكان الخليج هو أن أصل التسمية مُشتق من الكلمة العربية تحوّل، فهو متحول، والتي تفيد التحول والانتقال من ساحل الجزيرة العربية إلى الساحل الفارسي. ونظراً لعدم نطق العجم لحرف الحاء العربي قُلب إلى هاء، فأطلق العجم على هؤلاء العرب المتنقلين «المتحولين» لفظ «هولة» بدلاً من حولة. إذن الهولة هم العرب الساكنون في موانيء جنوب الساحل الفارسي للخليج، وتحديداً الأماكن القريبة من بندري «لنك» و«لنجة».

ومن أبرز عائلات هولة الخليج: العوضي، البستكي، الكوهجي، الجناحي، العمادي، الفلامرزي، اللنجاوي، القبندي، الهرمودي، الزرعوني، البوتشيري، الأنوهي، وينحدرون في الغالب من قرى كرمستج، وخولور، ولاور، وباغ، ومقام، ودشت، وخمير، وخنج، وكوخرد، لكنهم يتصفون بإسلامهم الوسطي وتمسكهم بالمذهب الشافعي.

قد تكون الرواية والقصة الأدبية هي اللغة البديلة المرشحة لمخاطبة الجيل الجديد من الشباب الذين يأنفون قراءة الكتب التاريخية الجادة، ولاسيما ونحن نلحظ الارتفاع الحالي لأسهم الرواية في المشهد الثقافي العربي، وبذلك يحقّق الأدب هدفاً مزدوجاً تتراصف فيه المتعة والفن بالتثقيف، ومتعة اكتشاف المعلومة التاريخية الممزوجة بالخيال، والتي قد تنجح في إثارة فضول ورغبة القارئ لترصّدها في كتب أكثر اختصاصاً وعمقاً، وإن كان المؤلف كما نلاحظ زاوج إلى حدّ بعيد بين أسلوب الروائي وبعض سمات الكتابة البحثية، وهذا ما اتضح في تضمين الهوامش أسماء المراجع التي استند إليها في عمله، مخالفاً بذلك العُرف السائد في كتابة الرواية الأدبية.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5218 – الثلثاء 20 ديسمبر 2016م

Advertisements

حالة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: