بقلم وسام ا لسبع


عاشوراء المسئوليّة والبناء

وسام السبع

أيام قليلة تفصلنا عن بدء موسم عاشوراء، الذكرى التي نشهد فيها مشاركة واسعة من كل الشرائح الاجتماعية بقلوب والهة، ونفوس خاشعة، وعاطفة جيّاشة وحماس، واندفاع كبيرين، ومن دون شكّ فإن الحفاظ على نقاء وروحانية وانضباط هذه الشعائر والخروج بها بالمظهر اللائق هي مسئولية المشاركين فيها أوّلاً وليس أخيراً.

وعندما نقول إنها مسئولية الجميع؛ فإننا نقصد بذلك كلاً من إدارات المآتم الحسينية والخطباء والشعراء والمُنشدين وكل الشرائح الاجتماعية المشاركة في إحياء هذه المناسبة؛ فعليهم واجب الحفاظ على روح الانضباط، والمسئولية، والالتزام الكامل بالمبادئ التي خرج من أجلها الإمام الحسين (ع) واستشهد في سبيل تحقيقها؛ هذه المبادئ التي تضع مصلحة المجتمع فوق كل الاعتبارات الضيقة، ورهان المصالح الشخصية والفئوية، والانتصار بالتالي لقيم العدالة الإنسانية، ومحاربة الدجل والتجهيل وصناعة الخرافة.

ومعلومٌ أن هذه الشعائر يشارك فيها عشرات الآلاف من كل الشرائح الاجتماعية، وتستقطب اهتمام المقيمين والوافدين وحتى السيّاح، خصوصاً في الفعّاليات المركزيّة التي تحييها حشود ضخمة؛ فالعاصمة المنامة تغصّ بنحو 200 ألف للمشاركة بمواكب العزاء، فيما يبلغ عدد المشاركين في منطقة الدّيه 120 ألف، ويزيد العدد قليلاً في منطقة إسكان عالي ليصل إلى 150 ألف مشارك، وهذه الأعداد لا شك تتطلب استعدادات خدمية كبيرة.

ويقتضي الواجب أن نشيد بالدور الكبير لوزارة الداخلية، وخصوصاً الإدارة العامة للمرور، وإدارة شرطة خدمة المجتمع، ومديريات الشرطة الثلاث، وكذلك البلديات في محافظات العاصمة والشمالية والمحرق، وفرق العمل في إدارة الأوقاف الجعفرية، ووزارة الصحة، هذه الجهات التي تقوم بدور كبير وفاعل من أجل نجاح موسم عاشوراء وتقديم كل التسهيلات اللازمة للمشاركين في هذه الشعائر.

في المقابل، فإن هناك مسئولية جسيمة أيضاً على عاتق المواطنين المشاركين والقائمين على هذه الشعائر المقدّسة، وذلك باعتماد خطاب ديني ملتزم بالروح الوطنية والإنسانية الجامعة، ونبذ كل فكرة أو لغة أو خطاب يُحرض على زرع الشقاق، وإثارة الفتنة والاستهانة بمقدسات الآخرين، أو تسييس الشعائر وحرفها عن مسارها الصحيح وأهدافها السليمة، وبالتالي تعريض سلامة المشاركين وأمنهم إلى مخاطر لا تُحمد عاقبتها.

موسم عاشوراء أمانة في أعناقنا جميعاً، ونجاحه وإظهاره بالمظهر اللائق انتصار لقضية الإمام الحسين وإعلان لديمومة رسالته، وهي مسئولية ورثناها عن الآباء والأجداد؛ فلنكن حريصين على توريثها للأبناء والأحفاد بأكمل وأتمّ صورة.

مخطئٌ ومسيءٌ ومغرضٌ من يظن أن موسم عاشوراء هو موسم للاستعراض الأبله للقوّة، مخطئٌ أيضاً من يعتقد أن نشر الأعلام واليافطات السُود في الشوارع الرئيسية العامة خارج القرى والمناطق واستفزاز الآخرين بمنطق المغالبة هو انتصارٌ للإمام الحسين ولرسالته الخالدة. ينبغي ألا نجعل من الحسين عنواناً للاستفزاز، وقضية للمناكفة والبغضاء والاختلاف.

مخطئٌ أيضاً من يظن أن ارتفاع أصوات المكبرات في المناطق المشتركة هو دليل على الحضور الكبير لقضية الإمام الحسين في وجدان المجتمع؛ بل قد يكون دليلاً على غياب كبير لمظلوميّة تتكرس بأفعال غير منضبطة وسلوك غير سليم.

الخطيب الذي يرقى المنبر ويُصغي إليه عشرات وربما مئات المستمعين عليه مسئولية مضاعفة أمام نمط جديد من المستمعين، جيل متعلم في مجتمع مفتوح أمام رياح العالم وجهات الدنيا، وعقول غضّة نعم، لكنها عقول تعرف الكثير، وتطمع في الاستفادة من مواضيع تخدمها وتثري عقلها، مواضيع تلامس واقعها وتحاكي همومها، مواضيع تبتعد عن الطرح السطحي أو الخرافي الذي يساهم بشكل أو بآخر بإضعاف قضية الإمام الحسين وتحريفها عبر تحويلها إلى مجرد طقوس فارغة المحتوى، عديمة الأثر وغارقة في بحر من الأساطير والماورائيات وغرائب الأحلام.

إن قضية الإمام الحسين التي جذبت أنظار المفكرين، واستأثرت باهتمام الباحثين في شرق الأرض ومغربها من مختلف الأديان والمذاهب والأعراق أكبر وأثمن من تتحول إلى مناسبة لصناعة الخرافة وتسطيح عقول الناس، وهذه مسئولية يشترك الجميع فيها من أجل إحياء عاشورائي يبني ولا يهدم، ويقوّي ولا يُضعف، يوحّد ولا يفرق.
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 5134 – الثلثاء 27 سبتمبر 2016م

Advertisements

حالة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: