لمنسية !


لمنسية !

مر يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني كأنه لم يكن .. بعض الاعلام قال فيه كلاما يليق به لكنه سيظل من قديم الكلام الذي لايقدم ولا يؤخر، أما الكثرة الباقية فقد نسيت ان هنالك فلسطين، وان هنالك قضيتها، وان ثمة شعبا مرميا في بلاد الله الواسعة يحلم بهوية وبوطن، وأن ثمة حرقة تقدح البال كلما فاحت الذكرى بعبيرها.
من المؤسف تناسي القضية المركزية كأنها على تأجيل .. لا اعتقد أن أصحابها على رضا بهكذا سكون وصمت حول قضيتها، لكنهم مرغمون على ما يبدو في عدم إبداء الرأي كيلا تستفيق البندقية التي أعطيت إجازة من قبل الشعب الفلسطيني، وان كان بعض زعمائها المؤثرين شطبوها تماما.
بعض الأصدقاء زاروا رام الله والخليل ومناطق فلسطينية، عادوا بانطباع يقول إن الحياة غير ممكنة في كل مكان زاروه، كأنما الأرض مؤجرة للفلسطينيين، ومالكها اسرائيلي من العيار الذي وضع لها ما يحميها بين الحماية والأخرى حماية، وبين الموقع العسكري داخل المدن والارياف والبلدات والموقع موقع.
دهش الاصدقاء من حالة الشعب الفلسطيني وكيفية عيشه تحت ارهاب لامثيل له الا عندهم. هل ثمة شعب متضايق مخنوق يسكت على مفتعل أزماته تلك ويصبر عليه ولا يمارس حقه في التعبير بكل الاشكال: انتفاضة عارية من السلاح وحتى من الحجارة، عصيان مدني، تظاهرات لا تتوقف ليل نهار، وفي النهاية ثورة مسلحة ان امكن. لكن هذا كله أبعد ما يكون عن قرارات من يحكمون ان كان بأيديهم قدرة على الحكم.
اللعنة الاسرائيلية تلاحق الفلسطينيين في كل مكان .. كل فلسطيني مشبوه امام الاسرائيلي الى ان يثبت العكس، وسواء تمرد او خفف عبء تصرفاته، فهو مطلوب لاسرائيل كمخرب يعني كفلسطيني. اذا كان الاسباني حتى اليوم يسمي العربي مورو، فان الاسرائيلي سيظل يطلق عليه كلمة مخرب، بل ان كل عربي في النهاية ينطبق عليه ذلك الاسم وتلك الصفة. في عالم اسرائيل ليس هنالك سوى الاسرائيلي، وقد سمع بعض الأصدقاء العرب الذين زاروا الاراضي الفلسطينية، ان الاسرائيلي مازال يعتبر ” دولته ” هي غير المساحة التي يقطنها، اي ان حدودها الطبيعية تمتد من ألمي إلى ألمي، وهو اذ يقبل صاغرا بالوضع الحالي فلأنه مجبر، لكن حلمه في النهاية اسرائيل الكبرى .. مع ان رئيس وزراء اسرائيل السابق اولمرت أكد بعظمة لسانه ان لا اسرائيل كبرى بعد اليوم، فاضاف عليه حسن نصرالله ولاصغرى ايضا.
مر يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني والعرب جميعا نسوا فلسطين، بعضهم الى حين بسبب اوضاعه غير المستقرة. يراد لعدم الاستقرار العربي ان يمنح اسرائيل امان العيش طويلا، بل اطول مدة ممكنة، ومع هذا يصر خبراء لبنانيون في السياسة ان عمر اسرائيل الافتراضي قد وصل الى نهايته ..
قال لي أحد الفلسطينيين، مؤسف حال اخواننا العرب الذين يحتاج بعضهم الى التضامن معهم اكثر من التضامن معنا .. مضيفا نحن قد ولت دولتنا فلسطين ونحاول ” ملكا او نموت فنعذرا ” كما يقول الشاعر العربي، أما خطر أن يخسروا بلادهم هم أيضا فارجو ألا يظل واردا كما هو الحال اليوم ..!.

زهير ماجد

أعلى

 

الاتفاق الأميركي ـ الإيراني.. صفقة الكبار!


الاتفاق الأميركي ـ الإيراني.. صفقة الكبار!

د. عادل محمد عايش الأسطل

 

ربما كان للقناة الخلفيّة التي دشّنها الثنائي نائب وزير الخارجية الأميركي “وليم بيرنز” ونظيره الإيراني “عباس عراقجي” خلال الفترة التي سبقت بقليل انتخاب الإصلاحي “حسن روحاني” رئيساً للجمهورية الإسلامية، كانت إحدى الوسائل المهمّة التي ساهمت في عملية التقارب الأمريكي- الإيراني، ومن ثم التوصل إلى اتفاق بشأن الأزمة النووية الإيرانية.

فهناك تقارير غربية كشفت عن خلفيات التقارب المفاجئ بين الطرفين، والتي تم تأسيسها على أن هناك صفقة ضخمة لا تتعلّق بالأزمة النووية وحدها، بل بشأن ملفات أخرى بارزة على الساحتين الدولية والإقليمية. فبالإضافة إلى التفاهمات النفطية وما يتصل بالاستثمارات الغربية فيها من جديد، فإن هناك تفاهمات أخرى حول عددٍ من القضايا وأهمها القضية السورية ومسألة انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، وربما الاتفاق حول إبقاء عددٍ عسكري أمريكي محدود في بعض المناطق هناك.

ومن ناحيةٍ أخرى فقد جاء التقارب كنتيجة مباشرة وطبيعية على تطورات الأزمة النووية الحاصلة، والتي طالت تداعياتها الكل، وبنسب متقاربة بشكلٍ ملحوظ. فبالنسبة لإيران فقد رأت أنّه آن عليها تقديم تنازلات وإبداء التزامات، للخروج من عنق الزجاجة بسبب معاناتها منذ اللحظة الأولى لبدء سريان أول عقوبات دولية عليها منذ ديسمبر/كانون أول 2006، وكانت تداعياتها المؤلمة، تتزايد مع تزايد العقوبات وخاصة المنفردة منها، التي كانت تقوم بها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد الاقتصاد الإيراني بشكلٍ عام، ما أصاب أغلبية مناحي الحياة المعيشية هناك.

وهي الآن تجد الفرصة تحاول فيها لملمة اقتصادها، ومن ثمّ إعادة تموضعها في المجتمع الدولي بشكلٍ أفضل. كما أن إيران قبل أحداث الربيع العربي كانت في وضع أيسر بكثير، بسبب الأوضاع التي لم تعد مستقرةً حتى الآن في الدول التي تهمها مثل سوريا ولبنان ومصر والعراق. إلى جانب أنه سيتيسّر لها مكافحة المعارضة الإيرانية التي تناهض طهران من الخارج وبمساعدات غربية. وبالمقابل فقد تضررت أيضاً الدول الغربية، في اقتصاداتها كثيراً إلى حدٍ رأت فيه أن عودة النفط الإيراني لأسواقها يعتبر حبل النجاة لها من الاحتكار الروسي لأسواق الطاقة فيها، والعودة إلى دفع أثمانٍ أقل من شأنها التخفيف من أزماتها المالية والاقتصادية.

أيضاً الولايات المتحدة عانت كثيراً هي الأخرى. فبالإضافة إلى تورطها في حروبها الخارجية، وخاصة الأفغانية 2001، والعراقية 2003، والنشاطات العسكرية في مناطق متفرقة، فقد أُصيبت بشأن مصالحها في المنطقة بأشكالٍ مباشرةً وغير مباشرة، وسواء من حيث دفع أثمان أعلى للنفط وتعطيل أعمال شركات واستثمارات أخرى، أو خسران معاملاتها مع بعض المصالح والشركات والهيئات الأخرى التي كانت تشعر بضررٍ أكبر من تلقاء مجاراتها لها رغماً عنها، حيث باتت تخشى على تحالفاتها مع الدول الآسيوية التي لم تجد بدّاً من استيراد النفط الإيراني، فهناك دول مهمّة مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية وتركيا لاتزال تستورد النفط الإيراني ويزداد اعتمادها عليه يوماً بعد يوم، مع نمو اقتصاداتها. كما أن الاقتصاد الأميركي عانى أزمة مالية ضخمة نجمت عن ارتفاع سقف الدين وتفاقم أعباء الإعانات والبطالة وأعباء اجتماعية أخرى.

روسيا التي لا تقل ضرراً أيضاً، بسبب تعاملاتها مع إيران وخاصةً في تنمية وتطوير برامجها النووية، أعلنت عن أن تطبيق اتفاق جنيف النووي من شأنه إزالة العوائق الاقتصادية والسياسية أمامها، ومن ناحيةٍ أخرى سيعمل على إزالة أسباب إنشاء الدرع الصاروخية الأمريكية في المنطقة تلقائياً بزوال الأمور المسببة لها، ثم ضمنت أن يُفسح المجال أمامها أكثر، أمام نقل أقدامها نحو منطقة الشرق الأوسط بشكلٍ أفضل، بعيداً عن التنافس الأمريكي كما كان سابقاً.

لكن الأمر مختلف تماماً عندما يتعلق الأمر بالنسبة للدول العربية وخاصةً الخليجية، فعلى الرغم من أنها لا تعارض أي جهد يرمي إلى تحسين العلاقات بين الغرب وخاصةً الولايات المتحدة وإيران، بسبب أنها تهدف إلى السلام والاستقرار في منطقة الخليج باعتباره مطلب عربي، لكنها وجدت نفسها بعيدة كل البعد عمّا يدور في منطقتها، ليس بشأن الاتفاق الحاصل وحسب، ولكن حتى في ظل عدم وجود تنسيق معها في هذا الشأن وهي تعتبر نفسها أحد العناصر المهمّة والتي لا يجب إغفالها أو القفز عنها، لا سيما بالنظر إلى علاقاتها العميقة مع الولايات المتحدة، وإلى مجموعة الإشكاليات السياسية والأمنية والعقائدية مع الجارة إيران، إلى جانب اتهامها صراحةً عن محاولاتها التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة.

من هنا تعترض أغلبية هذه الدول وخاصةً السعودية، التي لا تنكر أن اتفاق جنيف يمكن أن يشكل خطوة أولية نحو حل شاملٍ للبرنامج النووي الإيراني، إلاّ أنها باعتبارها من حلفاء واشنطن الأهم في المنطقة، اعتبرت أن أي تقارب من هذا النوع وبهذا الشكل، لن يرُق لها على أي حال، بسبب القلق من أن إيران حصلت على الهيمنة في المنطقة، كما أنها قلقة أكثر من احتمال تقديم الولايات المتحدة تنازلات كبيرة وخطيرة مستقبلاً إلى إيران، بدون النظر إلى المطالب الخليجية في إطار صفقة من أجل الوصول لاتفاق ثنائي ما، يؤثر بشكل جذري على أمن الدول الخليجية بشكلٍ عام.

ولا شك فإن القلق الخليجي من التحركات الأخيرة على مسار المفاوضات بين الدول(5+1) وإيران، اتضح جلياً، بعد أن اتخذت المفاوضات طابع السرّية، ومن دون اطلاع دوله على مضمون المحادثات، أو معرفة هدفها، أو مضمون التنازلات التي من المحتمل تقديمها لإيران، خاصةً وأن هذه المفاوضات تأتي في ظل حالة من عدم وجود ثقة كافية بينها وبين واشنطن، بسبب عدم الانسجام بشأن الأزمة السورية، والأوضاع في كلٍ من مصر والعراق ودول أخرى.

ليس كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” من أن الاتفاق سيحمي حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، لأن الاتفاق بشكلٍ واضح لا ينص صراحةً على شيء من هذا القبيل. وبالمقابل سيساعد طهران على رفع العقوبات عنها، والأهم مداومة الحفاظ على مكتسباتها التكنولوجية وخاصةً في المجالات النووية وبطريقة مرخّص بها دولياً.

وعلى الرغم من أن الرئيس “أوباما” قد واجه معارضة داخلية وخارجية للاتفاق، تمثّلت في إصرار نوابٍ جمهوريين على تشديد العقوبات على إيران، فيما أبدت إسرائيل غضباً شديداً، متحدثة عن “أضخم انتصار ديبلوماسي لإيران، إلاّ أنه دافع قدر جهدهُ نحو المضي في تنفيذه. وشدد على أن الاتفاق أولوية بالنسبة إليه، منذ تسلّمه منصبه عام 2009، لاحتواء التهديد النووي لطهران وتفادي الخيار العسكري ضدها. ولأنه ببساطة وجد فقط هذا الاتفاق أمامه، وليس من سبيل إلى مكاسب إضافية، أملاً في حلحلة المواقف المتصلبة، بسبب أن الأوضاع التي كانت عليها الولايات المتحدة أيضاً قد تغيرت، حيث مسّت كافة مستوياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية وهي الآن أمام العالم وأمام ذاتها أقل من ذي قبل. كما أن “أوباما” يأمل في استدراج إيران لإنهاء ملفّها النووي خلال الستة أشهر المقبلة.

ولا شك، وبناءً على التضاربات في شأن الاتفاق، فإن المرحلة المقبلة نحو اتفاق نهائي، كثيرة التعقيد وأكثر صعوبة بالنسبة إلى إدارة “أوباما” إزاء أي صفقة شاملة مع طهران. ولهذا ستحاول إدارته العمل بجهدٍ أكبر باتجاه طمأنة حلفائها في المنطقة من خلال تغطيتها سياسياً وعسكرياً ومعنوياً أيضاً. لكن المهم كيف السبيل إلى ضمان استمرارية التفاوض من دون عراقيل مُشَكّلة في ظل القليل من الثقة والكثير من المكابرة.

* خانيونس/فلسطين

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 28/تشرين الثاني/2013 – 24/محرم الحرام/1435

الأطفال… في عيدهم السنوي !


الأطفال… في عيدهم السنوي !

«مشعل»في كل مرة يجلس في مركبة أبيه يسرح مع عالمه الصغير الجميل البريء، يسرح مع جهازه الصغيرالمهدى له في عيد مولده، يستمتع بمشاهدة مسلسل الصراع الطويل المستمر بين «توم وجيري»، عالم الصراع بين القط والفأر… على ماذا؟ على قطعة جبن!

تصوروا صراعاً طويلاً تنزف فيه الدماء على قطعة من الجبن، تماماً كما شاهدها أيضاً من تلفاز الدنيا الواقعي في القنوات العربية اليومية في صراع الحكومات العربية مع ما تدعيه ضد مكافحة الإرهاب والإرهابيين، التي نزفت فيها الأموال مع الدماء، واختلطت فيها الأشلاء بالأنساب، وانهارت فيها المبادئ والمباني، وتشققت فيها الجدران والأحلام، وأسقطت فيها الأحكام على الأبرياء… من أجل ماذا؟ من أجل تثبيت الأنظمة، التي طبلت وزمرت ورقصت لها أميركا، وفي النهاية تبخرت الآمال كالزبد «فأَمَّا الزَّبدُ فَيَذْهَبُ جَفَاءً وأمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسُ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ» (الرعد: 17).

مياه الأمطار الخطر السنوي الذي هدد وعرى دولاً نفطية تغطي مخزونها النفطي كل دول العالم وتشبع أموالها رمق كل فقراء العالم وتقضي على المجاعة، بينما هي تقف عاجزة عن إيقاف سيول مياه الأمطار في عقر دارها!

سنين طويلة مضت والمشهد يتكرر لمشعل… كل مرة ركب مركبة أبيه قاصداً المدرسة يتخطى برك السباحة وهو يستمع لراديو الوطن الذي كان يقطعها عنه بأنباء تساقط أبنية في دول عربية وخليجية وأسقف وغلق طرق إلى أن تتعدى الأخبارإلى موت العشرات، وما أن تنتهي هذه النشرة حتى يعود مشعل إلى مسلسله الثاني الواقعي من تلفاز الدنيا… صراع توم وجيري الذي يشبه الصراع غير المتكافئ بين الحكومات ذات الأنياب الطويلة والمخالب المقوسة والمعارضات المسالمة، فمكالمة هنا وأخرى هناك لأبيه تنقله تماماً إلى واقع أبيه اليومي المرير الذي يعيشه يوميّاً، إن من أجل مواطن مسحوق يطلب حقه المصادر، أو من جار أبيه يسأله عن قفصه الجديد (بيته) متى يؤويه ويستره مع أسرته.

هذه المشاهد والكلمات الحزينة التي يسمعها بين فترة وأخرى بقيت راسخة في أذهانه وفي ذاكرته التي يشاهد فيها نفس الوجوه، ونفس الشخصيات، ونفس المطالب، التي تتكرر له، حتى سماع دقات عقارب الساعة في منتصف الليل، معلنة للحكومة انتهاء اللعب والتمثيل على الشعب ليسدل الحاكم الستار معلناً مسرحية جديدة للشعب ممثلة في انتخابات وقرارات تحت الطاولة!

يومها لم يفهم مشعل بعد من هذه اللعب ولا من هذه التمثيليات شيئاً! إلا عندما صحا على صوت عادم مركبة أبيه القديمة، التي عاد إليها حيث لم يعد يرى مركبة أبيه الفضائية ذات المقاعد الجلدية، ولا توم ولا جيري والتي كان يتباهى ويتفاخر بها مع أصدقائه، بل عاد إلى مركبته البخارية، ولم يعد يسترق السمع لمكالمات أبيه من هاتفه النقال بل وجد أباه خارجاً من ذاكرة الزمن، ومحذوفاً من رزنامة الأيام، ومجهولاً من الناس، بل يظل هاتف أبيه صامتاً طوال اليوم ما خلا مكالمات من أمه اللحوحة بين فترة وأخرى تطلب إليه جلب الخضراوات والفواكه واللحم والدجاج!

مهدي خليل

 

«مشعل»في كل مرة يجلس في مركبة أبيه يسرح مع عالمه الصغير الجميل البريء، يسرح مع جهازه الصغيرالمهدى له في عيد مولده، يستمتع بمشاهدة مسلسل الصراع الطويل المستمر بين «توم وجيري»، عالم الصراع بين القط والفأر… على ماذا؟ على قطعة جبن!

تصوروا صراعاً طويلاً تنزف فيه الدماء على قطعة من الجبن، تماماً كما شاهدها أيضاً من تلفاز الدنيا الواقعي في القنوات العربية اليومية في صراع الحكومات العربية مع ما تدعيه ضد مكافحة الإرهاب والإرهابيين، التي نزفت فيها الأموال مع الدماء، واختلطت فيها الأشلاء بالأنساب، وانهارت فيها المبادئ والمباني، وتشققت فيها الجدران والأحلام، وأسقطت فيها الأحكام على الأبرياء… من أجل ماذا؟ من أجل تثبيت الأنظمة، التي طبلت وزمرت ورقصت لها أميركا، وفي النهاية تبخرت الآمال كالزبد «فأَمَّا الزَّبدُ فَيَذْهَبُ جَفَاءً وأمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسُ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ» (الرعد: 17).

مياه الأمطار الخطر السنوي الذي هدد وعرى دولاً نفطية تغطي مخزونها النفطي كل دول العالم وتشبع أموالها رمق كل فقراء العالم وتقضي على المجاعة، بينما هي تقف عاجزة عن إيقاف سيول مياه الأمطار في عقر دارها!

سنين طويلة مضت والمشهد يتكرر لمشعل… كل مرة ركب مركبة أبيه قاصداً المدرسة يتخطى برك السباحة وهو يستمع لراديو الوطن الذي كان يقطعها عنه بأنباء تساقط أبنية في دول عربية وخليجية وأسقف وغلق طرق إلى أن تتعدى الأخبارإلى موت العشرات، وما أن تنتهي هذه النشرة حتى يعود مشعل إلى مسلسله الثاني الواقعي من تلفاز الدنيا… صراع توم وجيري الذي يشبه الصراع غير المتكافئ بين الحكومات ذات الأنياب الطويلة والمخالب المقوسة والمعارضات المسالمة، فمكالمة هنا وأخرى هناك لأبيه تنقله تماماً إلى واقع أبيه اليومي المرير الذي يعيشه يوميّاً، إن من أجل مواطن مسحوق يطلب حقه المصادر، أو من جار أبيه يسأله عن قفصه الجديد (بيته) متى يؤويه ويستره مع أسرته.

هذه المشاهد والكلمات الحزينة التي يسمعها بين فترة وأخرى بقيت راسخة في أذهانه وفي ذاكرته التي يشاهد فيها نفس الوجوه، ونفس الشخصيات، ونفس المطالب، التي تتكرر له، حتى سماع دقات عقارب الساعة في منتصف الليل، معلنة للحكومة انتهاء اللعب والتمثيل على الشعب ليسدل الحاكم الستار معلناً مسرحية جديدة للشعب ممثلة في انتخابات وقرارات تحت الطاولة!

يومها لم يفهم مشعل بعد من هذه اللعب ولا من هذه التمثيليات شيئاً! إلا عندما صحا على صوت عادم مركبة أبيه القديمة، التي عاد إليها حيث لم يعد يرى مركبة أبيه الفضائية ذات المقاعد الجلدية، ولا توم ولا جيري والتي كان يتباهى ويتفاخر بها مع أصدقائه، بل عاد إلى مركبته البخارية، ولم يعد يسترق السمع لمكالمات أبيه من هاتفه النقال بل وجد أباه خارجاً من ذاكرة الزمن، ومحذوفاً من رزنامة الأيام، ومجهولاً من الناس، بل يظل هاتف أبيه صامتاً طوال اليوم ما خلا مكالمات من أمه اللحوحة بين فترة وأخرى تطلب إليه جلب الخضراوات والفواكه واللحم والدجاج!

مهدي خليل

 

إشراقاتٌ من خلود الإمام الحسين (ع)


العربية: كربلاء ضريح الإمام الحسين عام 2011

العربية: كربلاء ضريح الإمام الحسين عام 2011 (Photo credit: Wikipedia)

تستمد شخصية الإمام الحسين (ع) سر خلودها وديمومة حضورها من خلال عشق الله ومحبته وارتباطه الوثيق به سبحانه وتعالى، وسلسلة الكلمات والمواقف الأخلاقية والتربوية العالية المضامين، والتضحيَّات والقرابين الجليلة التي قدَّمها في سبيل الله وإعلاء كلمته.

أولاً: إشراق المعرفة

المعرفة في شخصية الإمام الحسين (ع) تُعتبر علامة بارزة في كل سيرته وحياته، ويكفي أن نذكر مقطعاً من دعائه العظيم في يوم عرفة وهو قوله: «مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ إلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الآثارُ هِيَ الَّتي تُوصِلُ إِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْدٍ لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً». كلماتٌ قليلة لكنها تُمثل طريقاً قصيراً ودقيقاً للمعرفة الحقَّة وهي بحسب ما يعبر عنه علماء الكلام «مَعْرِفَةُ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ بِذَاتِهَا»، وهو جوهر برهان الصدّيقين.

ثانياً: إشراق العشق الإلهي

لاشكَّ أنَّ المعرفة الحقيقية للإنسان تجعله يترقَّى في مقامات القُرب والعشق الإلهي حتى يصل إلى حالة الفناء في معشوقه الأزلي، ويبلغ درجة مَنْ «كُنتُ سَمعَهُ الَّذي يَسمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذي يُبصِرُ بِهِ، ولِسانَهُ الَّذي يَنطِقُ بِهِ»، ولكن شريطة أن تشمل هذه المعرفة سائر وجوده، وتستحوذ على جميع تفاصيل حياته.

جسَّد الإمام صلوات الله عليه هذا العشق في طول حياته الشريف وعرضها، وتجلَّى بشكل واضح في نهضته المباركة، فإليه تُنسب هذه الأبيات التي هي في الواقع كشفٌ عن حالة العشق والعرفان الخالص والصادق:

إِلَهِي تَرَكَتُ الْخَلْقَ طُرّاً فِيِ هَوَاكَا

وَأَيْتَمَّتُ الْعِيَالِ لِكَيْ أَرَاكَا

فَلو قَطَّعْتَنِيِ فِي الحّبِّ إِرَباً

لمَاَ مَالَ الفُؤَادُ إِلَى سِوْاكَا

ثالثاً: إشراق التسليم

روى البغدادي عن أمير المؤمنين (ع) قوله: لأنَْسِبَنَّ الإِسْلَامَ نِسْبَةً لَمْ يَنْسِبْهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلاَ يَنْسِبُهَا أَحَدٌ بَعْدِي: الإِسْلَامَ هُوَ التَّسْلِيمُ، وَالتَّسْلِيمَ هُوَ الْيَقِينُ، وَالْيَقِينَ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقَ هُوَ الإِقْرَارُ، وَالإِقْرَارُ هُوَ الأَدَاءُ، وَالأَدَاءُ هُوَ الْعَمَلْ». وإِنَّ الإمام الحسين يُعدُّ مِمَّنْ سطَّر أروع ملاحم الصبر والتسليم والرضا بقضاء الله والتفويض إليه، فقد نقل الرواة والمحدِّثين في كتبهم أنَّ الحسين لمَّا قُتِل ولده الرضيع بسهم حرملة بن كاهل الأسدي في منحره قال لأخته زينب: «خُذِيهِ، ثُمَّ تَلْقَى الَدَّمَ بِكَفَّيْهِ، فَلَمَّا امْتَلَأَتْ رَمَى بِالدَّمِ نَحْوَ السَّمَاءِ، ثُمَّ قَالَ: هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي، أَنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى»، وصرَّح المؤرخ ابن الأثير في كامله: «حَمَلَ النَّاسُ عَلَىَ الْحُسَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ… فَتَفَرَّقُوا، فَمَا رُئِيَ مَكْثُوُرٌ قَطُّ قَدْ قُتِلَ وَلَدُهُ وَأَهلُ بَيْتِهِ وَأَصْحَابُهُ أَرْبَطَ جَأْشَاً وَلاَ أَمْضَى جِنَاناً وَلاَ أَجْرَأَ مَقَدْمَاً مِنْهُ».

مناجاة في ساحة القرب

نقل السيد المحقق المقرم في مقتله أنَّ الحسين ناجى ربه في لحظاته الأخيرة قائلاً: «صَبْراً عَلَىَ قَضَائِكَ يَا رَبِّ! لاَ إِلهَ سِوَاكْ، يَا غِيَاثَ الْمُسْتَغِيثِينَ، مَا لِي رَبٌّ سِوَاك، وَلاَ مَعْبُودَ غَيْرُكْ، صَبْراً عَلَى حُكْمِكَ يَا غِيَاثَ مَنْ لاَ غِيَاثَ لَهُ، يَا دَائِماً لاَ نَفَادَ لَهُ، يَا مُحْيِيَ الْمَوْتَى، يا قَائِماً عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، أُحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ». فَسَلاَمٌ عَلَىَ الْحُسَيْنِ فِيِ يَوْمِ وِلاَدَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَبَعَثِهِ سَيِّداً لِلشُّهَدَاءْ (ع). وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

أحمد عبدالله

أجمل ما قالته العرب عن… «اللصوص»!


أجمل ما قالته العرب عن… «اللصوص»!

  • سعيد محمد
  • saeed.mohd [at] alwasatnews.com
تصغير الخطتكبير الخط

 

دواوين العرب مليئةٌ بما قيل ويقال وسيقال عن اللصوص والحرامية وأهل الحرام والعياذ بالله، لكن في قصة بني نهشل ما يستحق أن نتأمله اليوم، وبإمكاننا إسقاطه إن شئنا على نوعية «اللصوص».

فورد في الأثر، أن أبا الأغر، وهو شيخ أعرابي من بني نهشل، نزل ضيفاً على ابنة أختٍ له تسكن البصرة، وذلك في شهر رمضان المبارك، فخرج الناس إلى ضياعهم، وخرج النساء يصلِّين في المسجد، ولم يبقى في الدار غير الإماء وأبي الأغرّ. ودخل كلبٌ من الطريق إلى الدار، ثم إلى حجرة فيها، فانصفق باب الحجرة ولم يتمكن من الخروج، وسمع الإماءُ الحركة في الحجرة فَظَنَنَّ لصّاً دخلها، فذهبت إحداهن إلى أبي الأغر فأخبرته، فأخذ عصا ووقف على باب الحجرة وقال: «يا هذا إنك بي لعارف… أنت من لصوص بني مازن، وشربتَ نبيذاً حامضاً خبيئاً حتى إذا دارت الأقداح في رأسك مَنَّتْكَ نفسُك الأماني، فقلتَ: أَطْرُقُ دُورَ بني عمرو والرجال في ضياعهم والنساء يصلين في المسجد فأسرِقهن… سوْأةً لك! والله ما يفعل هذا رجلٌ حر! وبِئْسَمَا مَنَّتْك نفسُك! فاخرج بالتي هي أحسن وأنا أعفو عنك وأسامحك وإلا دخلتُ بالعقوبة عليك…! وأيم الله لتخرجنّ أو لأهتفن هَتْفَةً فيجيء بنو عمرو بعدد الحصى، وتسأل عليك الرجال من ها هنا، وها هنا ولئن فعلتُ لتكوننَّ أشأم مولود في بني مازن».

فلما رأى أنه لا يجيبه أخذ باللين قائلاً: «اخرج بأبي أنت منصوراً مستوراً… إني والله ما أراك تعرفني، ولئن عرفتني لوثقت بقولي، واطمأننت إليّ… أنا أبو الأغر النهشلي، وأنا خالُ القوم وقُرّة أعينهم، لا يعصون لي رأياً، وأنا كفيلٌ بأن أحميك منهم وأن أدافع عنك. فاخرج وأنت في ذمتي، وعندي فطيرتان أهداهما إليّ ابن أختي البار، فخذ إحداهما حلالاً من الله ورسوله، بل وأعطيك بعض الدراهم تستعين بها على قضاء حوائجك».

وكان الكلبُ إذا سمع الكلام أطرق، فإذا سكت أبو الأغرّ وثب الكلب وتحرّك يريد الخروج. فلما لم يسمع أبو الأغرّ ردّاً قال: «األأم الناس! أراني في وادٍ وأنت في آخر، والله لتخرجن أو لأدخلن عليك!»، فلما طال وقوفه جاءت جاريةٌ وقالت لأبي الأغرّ: أعرابي جبان! والله لأدخلنَّ أنا عليه! ‏ودفعت الباب، فوقع أبو الأغر على الأرض من فرط خوفه، وخرج الكلبُ مبادراً فهرب من الدار، واجتمعت الجواري حول أبي الأغرّ فقُلْن له: «ويحك! فإنه كلب!»، فقام وهو يقول: «الحمد لله الذي مسخه كلباً وكفى العربَ شرَّ القتال!».

ومن نوادر اللصوص، ذهبت ثياب رجل في الحمام، فجعل يقول: «أنا أعلم، أنا أعلم»، واللص يسمعه؛ ففزع وظن أنه قد فطن به؛ فردها. وقال له: «إني سمعتك تقول: أنا أعلم، فما الذي تعلم؟»، قال: «أعلم أنه إن عدمت ثيابي مت من البرد».

ومع التحفظ على التعميم والجمع وعدم التبعيض، لكن دون شك، يدخل كلام الشاعر الكبير أحمد مطر، ضمن دواوين العرب عن أجمل ما قيل في اللص الكبير:

تكتب الشعر لمن، والناس ما بين أصم وضرير؟

تكتب الشعر لمن، والناس مازالوا مطايا للحمير؟

وجياعاً ما لهم أيدٍ، يبوسون يد اللص الكبير؟

سعيد محمد
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4102 – السبت 30 نوفمبر 2013م الموافق 26 محرم 1435هـ

 

المساس بدور العبادة


المساس بدور العبادة

  • منصور الجمري
  • منصور الجمري … رئيس التحرير
  • editor [at] alwasatnews.com
تصغير الخطتكبير الخط

 

ما يحدث في أنغولا مثير للاهتمام، وقد صرح مصدر أنغولي بأن الحكومة رفضت تسجيل عدد من الجماعات الإسلامية وأغلقت مساجد غير قانونية نظراً إلى أنها لا تتماشى مع القوانين المعمول بها في البلاد ولكنها نفت أي اضطهاد للمسلمين.

حكومة أنغولا واجهت عاصفة من الانتقادات بعد أن ذكرت وسائل إعلام عالمية أنها «حظرت الإسلام» ما سبَّبَ إحراجاً لها. وزارة العدل الأنغولية حاولت تبرير ما فعلته وباشرت بإعلان قائمة تضم 194 «طائفة دينية» رفضت طلبات تسجيلها ومن بينها المجتمع الإسلامي في أنغولا. ولكن هذه الإعلانات والإحصاءات ليست سوى محاولة لتضييع الموضوع الأساس المرتبط بالاعتداء على المساجد.

أنغولا تنفي حالياً أنها تتعرض لمساجد المسلمين، وتتذرع بمتطلبات قانونية، ومعايير وشروط إجرائبة، ولكن مثل هذا الكلام يُستخدم بطريقة انتقائية. وذكر مصدر إسلامي أنغولي لوكالة «رويترز» أن السلطات أغلقت عشرات المساجد بل وهدمت بعضها في أنحاء أقاليم أنغولا الثمانية عشر فيما وصفها بحملة مستهدفة.

الضجة التي ثارت بسبب ما ورد عن تهديم مساجد في تلك البلاد النائية، وهذا يوضح حساسية المس بدور العبادة، وهو أمر نعرفه في البحرين لأننا شاهدنا كيف هُدمت المساجد، وهناك سعي إلى تحويل أحد تلك المساجد إلى حديقة. الإشارة إلى هذا الموضوع فيه الكثير من المفارقة، ونحن لا نودُّ أن نرى أي مسجد أو كنيسة أو أي دار للعبادة تُلمس في أي مكان في العالم.

منصور الجمري
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4102 – السبت 30 نوفمبر 2013م الموافق 26 محرم 1435هـ

 

سعادة الوزير… لو دامت لغيرك ما وصلت إليك


سعادة الوزير… لو دامت لغيرك ما وصلت إليك

  • هاني الفردان
  • هاني الفردان … كاتب بحريني
  • hani.alfardan [at] alwasatnews.com
تصغير الخطتكبير الخط

 

رأى وزير العمل جميل حميدان، أن ملف الموظفين البحرينيين المفصولين من وظائفهم على خلفية الأحداث التي شهدتها البحرين خلال شهري فبراير/ شباط ومارس/ آذار من العام 2011، «لم يعد يشكل أية أهمية»، معتبراً في الوقت ذاته أن هذا الملف لم يعد قائماً، وخصوصاً بعد الإنجاز الذي تحقق فيه، والذي تصل نسبته إلى 98 في المئة.

هذا ما خلص له سعادة الوزير في مؤتمر صحافي على هامش اجتماع مجلس الوزراء الاعتيادي الأحد (24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013).

سياسياً، أخفق الوزير في تصريحه، وعاد يخطو من جديد بخطى أقرانه وزملائه، وبالخصوص وزير شئون حقوق الإنسان وسياسة التخفيف والتخدير وخداع جزء في هذا البلد من تبعات سياسات الدولة.

لم يستوعب الوزير ما حدث في مجلس إدارة منظمة العمل الدولية مؤخراً في دورة أعمال مجلس إدارة منظمة العمل الدولية في دورته الـ 319، حتى أنه لم يستطع أن يذكر في بيانه الرسمي كل توصيات المجلس، وأخفى عن الرأي العام التوصية المتعلقة بطلب المجلس الدولي من حكومة البحرين وإصراره على «ضمان سلامة وأمن القياديين في اتحاد النقابات»، رغم محاولات الوزير المستميتة وفريقه لإسقاط هذه التوصية، لأنها شكلت فضيحة مدوية في أن تجد منظمة العمل الدولية أعضاء منتسبين لها مهددين بسبب نشاطهم النقابي والعمالي، ولذلك السبب لم يأتِ في بيانه الرسمي على ذكر التوصية، إذ يحاول الوزير أن يروِّج ويخفف ويقلل من أهمية الملف، ليس فقط محلياً بل دولياً.

على الصعيد الإنساني، فإن وزير العمل حمّل نفسه بتصريحه الأخير وزر معاناة مفصولين عن العمل بسبب مواقفهم السياسية وتوجهاتهم، وقبِل أن يضع في عنقه تبعات قطع أرزاقهم، وحرمان عوائلهم من حقوقهم.

مهما كانت أهمية كرسي سعادة الوزير، إلا أن ذلك المنصب لن يبقى لأحد، فلربما نسي سعادة الوزير، وآن لنا أن نذكِّره بتلك المقولة الخالدة «لو دامت لغيرك ما اتصلَتْ إليك»، فالمنصب زائل، وأعمالك ومواقفك هي الخالدة بين الناس، فلا تجعلها ذكرى سيئة، فكم مفصول وكم عائلة، وكم طفل يرفع يديه بالدعاء يومياً على من قطع رزقهم، ومن دعمهم وساندهم وظلمهم بموقف أو كلمة، حتى وإن كان يا سعادة الوزير فقط «2 في المئة» كما تدَّعي وتقول، فدعاؤهم عند الله مستجاب، لأنه دعاء مظلوم، فلا تجعل نفسك في مساحة الظالم.

وفي الكثير من الأحيان سيكون الصمت خيراً من الكلام وزلات اللسان، إذا كان الوزير غني عن الحديث عن إغلاق ملف المفصولين، وهو ومسئولوه، والحكومة وموالوها يعلمون جيداً أنه قائم، لولا ذلك لاستطاع الوزير إسقاط الشكوى العمالية العملية على حكومة البحرين التي مازالت قائمة.

ويبقى لنا أن نسأل سعادة الوزير، منذ أكثر من عام وأنت تتحدث أن نسبة المفصولين المعادين لأعمالهم بلغت 98 في المئة، وفيما لم تكشف لنا أبداً عن كم عدد المفصولين المتبقين الذين لم يعودوا لأعمالهم.

هل يقبل منا وزير العمل هذا التحدي، ومن باب الشفافية واحترام حق الرأي العام في المعرفة، أن يذكر لنا القائمة الحقيقية للمفصولين على خلفيات سياسية، ليقنعنا بحقيقة ما يقول من أن الملف لم يعد قائماً.

وزير العمل جميل حميدان، سار على نفس منهاج زميله وزير شئون حقوق الإنسان صلاح علي، في التخفيف من تبعات القضايا الحساسة، بل بات يمارس ذات سياسة «التجهيل» و«الإعلام السلبي»، وخداع فئة في هذا الوطن من أن قضية المفصولين عن العمل انتهت وغير قائمة.

سعادة الوزير، لك تصريح في (4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2013) تؤكد فيه على أن «إرجاء مجلس إدارة منظمة العمل الدولية قبول الشكوى العمالية المقدمة من 12 منظمة عمالية دولية ضد حكومة البحرين بدلاً من شطبها (أمر مخيب للآمال)»، وأنك سعادة الوزير كنت تأمل «بطي هذه الصفحة، وأن حكومة البحرين لا تستحق أن يبقى ملفها العمالي عالقاً في جدول أعمال المنظمة».

فكيف يا سعادة الوزير أصبح الملف منتهياً وغير قائم، وأمامك في مارس/ آذار 2014 معركة جديدة في جنيف؟! كيف أصبح منتهياً وأنتم تسعون للتصديق على الاتفاق الثلاثي لإنهاء ملف المفصولين؟ كيف يكون منتهياً ومجلس الوزراء يوصي (10 نوفمبر 2013) في إطار إطلاعه على نتائج أعمال الدورة (319) لمجلس إدارة منظمة العمل الدولية على حل أية مشاكل عمالية عالقة؟

دعونا مِن قَبل وزير العمل، ونعيد ونكرر له، بألا يخفف من وطأة ملف المفصولين، حتى لا يصدم الشارع «الموالي» للسلطة بنتائج ما سيحدث، وحتى لا يكرر ما فعله زميله وزير شئون حقوق الإنسان عندما أوقع السلطة في مأزق جلسة مجلس حقوق الإنسان، إلا أن وزير العمل لا يستمع للنصائح، ولم ولن يستوعب الدروس أبداً.

إلى وزير العمل، إذا كان الكلام من فضة فالسكوت في كثير من الأحيان من ذهب، كما يقال.

هاني الفردان
صحيفة الوسط البحرينية – العدد 4102 – السبت 30 نوفمبر 2013م الموافق 26 محرم 1435هـ

 

Previous Older Entries