سوريا… مأساة إنسانية لا مبالاة لها


سوريا… مأساة إنسانية لا مبالاة لها

 

شبكة النبأ: مع اشتداد الحرب في سوريا يزداد تدهور الوضع الإنساني بشكل كبير، مما أدى إلى مأساة حقوقية راح ضحيتها الآلاف من المدنيين في سوريا، فما زالت أتون الحرب المشتعلة بين القوات الحكومية و الجماعات المسلحة متواصلة، مما يغذي العنف المتصاعد ويفشي الدمار، الذي وضع ابناء الشعب السوري داخل كارثة إنسانية متصاعدة، إصابة مظاهر الحياة بالشلل، وتجسد المعاناة الانسانية مشهدا لمأساة إنسانية لا مبالاة لها، إذ بات الشعب السوري اليوم متشرذما ببراثن العنف والجوع  ونقص المواد الغذائية والصحية، التي وضعته في دوامة كارثة إنسانية بغاية المأساوية.

جرحى يتضورون جوعا

فقد قال مسؤولون من منظمة الصحة العالمية ان سوريين جرحى يتضورون جوعا كثيرون منهم نساء وأطفال توافدوا على المستشفى الرئيسي في دمشق حيث الامدادات الطبية في حالة نقص متزايد، وقال طارق ياسارفيتش المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية للصحفيين في جنيف انه مع تصاعد الحرب الاهلية في أنحاء العاصمة يعالج الاطباء ما يصل الى 100 جريح يوميا في مستشفى دمشق الذي تبلغ سعته 400 سرير ويضطرون الى استخدام أدوية مخدرة موضعية حتى في حالات العمليات المعقدة، وقال ان حالات الاصابة بسوء التغذية الحاد في الاطفال الذين يتم تحويلهم الى المستشفى من ريف دمشق ودير الزور والحسكة ودرعا وحمص زادت الى 7-8 حالات شهريا من حالتين الى ثلاث حالات في الشهور السابقة وان العاملين والمرضى يواجهون صعوبة في الوصول الى منشآت الرعاية الصحية بسبب الانعدام المتزايد للأمن، واضاف “أغلب الاصابات عبارة عن حروق وإصابات بأعيرة نارية وأخرى نتيجة انفجارات”، وتابع “جرى الابلاغ عن نقص في المراهم الخاصة بالحروق والمعدات وامدادات التخدير والتدخل الجراحي” مضيفا أن جزءا من المشكلة يتمثل في العقوبات المفروضة على سوريا والتي تحد من توفر بعض الامدادات، وتحد العقوبات من توفر بعض الامدادات الطبية في البلاد حيث توقف انتاج العقاقير الطبية فعليا منذ عدة أشهر وفقا للمنظمة التابعة للأمم المتحدة التي زار مسؤولون منها مستشفى دمشق، وقال مسؤولون من برنامج الاغذية العالمي التابع للامم المتحدة للصحفيين في جنيف ايضا ان النقص الخطير في الخبز والوقود يتفاقم في انحاء البلاد. بحسب رويترز.

وقالت اليزابيث بيرس المتحدثة باسم البرنامج للصحفيين قبل يوم من اجتماع منظمات ممولة للنداء المقرر ان يطلق من اجل سوريا في عام 2013 “الوضع الانساني خطير ولدينا مصاعب في الوصول اليهم. اعمال التوزيع تباطأت لكننا نواصل تسليم الامدادات الى المخازن”، وقالت “وقوف طوابير طويلة أمام المخابز أصبح المعتاد في العديد من أجزاء سوريا”، ويتم الابلاغ عن نقص في طحين القمح في معظم اجزاء بالبلاد بسبب الأضرار التي لحقت بالمطاحن ومعظمها في مدينة حلب المنقسمة في الشمال بالاضافة الى نقص الوقود لمركبات النقل والطرق المغلقة وصعوبة الوصول، وقالت بيرس ان حصص برنامج الاغذية العالمي تصل الى نحو 1.5 مليون شخص في سوريا شهريا لكن الهلال الاحمر السوري يقدر ان 2.5 مليون شخص يحتاجون بالفعل للمساعدات الغذائية، لكن البرنامج غير قادر على تعزيز المساعدات بسبب نقص الشركاء المانحين على الارض والتحديات في الوصول الى بعض المناطق الأسوأ تضررا، وقالت بيرس ان هذه هي المرة الأولى في عدة أشهر التي يصبح فيها البرنامج غير قادر على توزيع حصص في مناطق يصعب الوصول اليها بالقرب من الحدود التركية ومن بينها رأس العين وتل أبيض اللتان تسيطر عليهما الجماعات المتمردة.

وأضافت انه تم الابلاغ عن هجمات على شاحنات تابعة لبرنامج الاغذية العالمي مع عشر حالات سرقة ومصادرة شاحنات من جانب جماعات مسلحة مجهولة الهوية، وقدمت منسقة الشؤون الانسانية بالامم المتحدة فاليري آموس افادتها الى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد زيارة دمشق يوم السبت. وقالت للصحفيين إنها طلبت من الحكومة السورية ان تسمح على وجه السرعة باستيراد وقود للعمليات الانسانية وطالبت بأن يسمح بالدخول لعشر منظمات مساعدات إنسانية إضافية.

الجوع يتفشى وحرب تشتد

على الصعيد نفسه تشتد الحاجة إلى الغذاء في بعض مناطق سوريا حيث صار الاشتباك بالأيدي أو الركض في الخطوط الأمامية للحرب الأهلية جزءا من الكفاح اليومي لضمان الحصول على رغيف الخبز، وتشهد مدينة حلب بصورة خاصة أوضاعا مروعة حيث يقول المدنيون الذين يعانون من الاشتباكات والغارات الجوية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضين إن الجوع بات يشكل خطرا جديدا على حياتهم، وقال أحمد أحد سكان منطقة صلاح الدين التي دمرتها المعارك “خرجت أمس ولم أستطع الحصول على أي خبز. ليت المشكلة كانت تقتصر فقط على نقص الغذاء – فهناك نقص كبير أيضا في الوقود اللازم لتشغيل المخابز.”

وأضاف “قبل أيام قلائل نفد الوقود لدى عمال المخابز ومن ثم حاولوا بيع أجولة الطحين (الدقيق)، غير أن أعمال العنف لا تزال تحصد عددا كبيرا من الأرواح حيث عادة ما يتجاوز عدد القتلى يوميا مئة قتيل وبلغ مئتين في بعض الأحيان خلال الأسابيع الماضية، وتقول منظمة “بيبول إن نيد” التشيكية التي تعمل في شمال سوريا إن الأزمة قد تتفاقم إذا لم تستطع أي منظمة إغاثة دولية أخرى استمرار تقديم المساعدة في المنطقة.

وقال ميشال برزيدلاكي من المنظمة التشيكية إن تقديرات المنظمة تشير إلى أن مليونا أو مليونين فقط من سكان حلب الأصليين البالغ عددهم أربعة ملايين باقون على قيد الحياة، وقال لرويترز عبر سكايب “كان الوضع سيئا عندما بدأت العمل في حلب قبل شهر ولكن لم يكن هناك مثيل للأسبوع المنصرم. رأيت الوضع يتدهور بوضوح – فهناك مزيد من الأشخاص الذين يبدو عليهم الهزال ويمكنك أن ترى الجزع باديا على وجوههم.”

ومع حلول فصل الشتاء تبدو الصورة المستقبلية قاتمة في مناطق الحرب بسوريا خاصة تلك الخاضعة لسيطرة المعارضين التي يقول سكانها إن الدقيق والوقود المدعومين من الدولة لا يصلان إليهم، وثمة الكثير من السوريين بلا عمل وغالبا ما يتعين عليهم المفاضلة بين شراء وقود التدفئة أو الغذاء. ويقول سكان إن بعض الأسر يقطعون الأشجار بل والأثاث للحصول على الحطب اللازم للتدفئة، ويمكن أن تلتف طوابير الخبز حول مربعات سكنية بأكملها وتستمر لمدة ساعات. وقال برزيدلاكي “ثمة نحو 30 بالمئة من الأسر بمناطق المتمردين في حاجة ماسة للمساعدات الغذائية بحلب. وهناك عشرة بالمئة آخرون وصلوا إلى الحضيض بالفعل. لم يتبق لديهم شيء لبيعه من أجل شراء الغذاء. بحسب رويترز.

ويقول سوريون إن الأسعار في بعض المناطق ارتفعت بنسبة تتراوح بين 300 و500 بالمئة. وقال نشطاء في حلب إن سعر رغيف الخبز المصنوع من الدقيق المدعم بلغ الآن 75 ليرة (دولار) مقابل 15 ليرة قبل أسابيع قليلة. أما الخبز غير المدعم فقد ارتفع من 120 ليرة الأسبوع الماضي إلى أكثر من 200 ليرة حاليا. ذلك مبلغ باهظ بالنسبة للكثيرين إن لم يكن مستحيلا، وحتى في المناطق الأكثر هدوءا التي لا تزال خاضعة لسيطرة الحكومة تزداد المؤشرات على المعاناة. فطوابير الخبز في دمشق تستمر لساعات ويغادرها الكثيرون صفر اليدين. وانتشر المتسولون في المدينة أيضا.

الخوف يتملك المدنيين

في السياق ذاته تخشى العائلات السورية التي نزحت إلى دمشق من أنحاء البلاد هربا من الحرب المستعرة أن يكون وصول الجماعات المُسلحة إلى أطراف العاصمة إيذانا برحيلهم عن ملاذهم الآمن، وليس هناك ما يشير إلى ان القوات الموالية للرئيس السوري بشار الاسد تستعيد السيطرة.

وفتحت ام حسن – وهي جدة كانت حتى وقت قريب تعيش على أطراف دمشق – بيتها لأسرة ابنتها التي فرت من بلدة ريفية بسبب القصف، لكن المعارضة المسلحة سيطرت على الحي الذي كانت تسكنه ام حسن وهي خطوة تبعتها بالضرورة موجة عنيفة من القصف واضطرت الاسرة كلها إلى الانتقال إلى ضاحية أخرى، ووجدت الأسرة المكونة من الجدة وابنتها وزوج ابنتها وطفلتين مكانا به غرفة نوم واحدة وغرفة معيشة. بحسب رويترز.

وتعمل ام حسن في تنظيف المنازل مقابل نحو 15 دولارا يوميا لتغطي تكلفة الايجار المشترك، وقالت ام حسن “نهرب من مكان لنجد المشاكل في مكان اخر. لا اعرف إلى اين يمكننا الفرار أكثر من ذلك”، وتستضيف كل اسرة في دمشق تقريبا اسرة من الاقارب الذين جاءوا من انحاء البلاد هربا من الحرب لكن سكان دمشق أنفسهم أصبحوا يستعدون للأسوأ، وقال شاهد عيان طلب عدم نشر اسمه خوفا على سلامته الشخصية “هل تصدق ذلك؟ القذائف الصاروخية تطلق في حارة ضيقة؟ هل يريدون تدمير دمشق بأكملها؟”، ويسمع سكان دمشق ليل نهار اصوات القصف الذي يستهدف الاحياء التي سيطرت عليها قوات المعارضة او التي ما زال النزاع يدور بشأنها، وتحولت الشوارع في العاصمة الان إلى متاهة من نقاط التفتيش وحواجز الطرق بينما اغلقت بعض الطرق الرئيسية امام السيارات بكتل خرسانية.

معوقون منسيون من الجميع

الى ذلك يؤوي مستشفى دار العجزة للامراض العقلية في قلب مدينة حلب القديمة ستين معوقا محرومين من كل شيء منذ اندلاع المعارك في ثاني المدن السورية “فليس لديهم ادوية منذ اشهر ووضعهم يتدهور يوما عن يوم”، وقال ابو عبده المسؤول عن هذه المؤسسة الواقعة على خط الجبهة في كبرى مدن الشمال السوري حيث اندلعت معارك ضارية اواخر تموز/يوليو “لا يوجد لا كهرباء ولا تدفئة ولا مياه جارية في المراحيض، ولديهم بالكاد ما يقتاتون به”، وتابع هذا الممرض انه “لو لم يعطهم سكان الحي ما ياكلونه لكانوا ماتوا جوعا منذ زمن طويل”، واكد ابو عبده ان “الطاقم توقف عن المجيء عندما بدأت الحرب في حلب متخليا عن المرضى. اما انا فانني اعمل منذ اكثر من خمس سنوات معهم، انهم بمثابة عائلتي ولن اتخلى عنهم ولن ادعهم يموتون من الجوع او البرد”. واكد “اناضل من اجلهم كل يوم”، ويقدم هذا الممرض سيجارة الى عمر ستوت الرجل الكهل الذي يرتدي بزة عسكرية “ويظن نفسه ضابطا في الجيش ويريد الذهاب للقتال ضد اسرائيل”، ثم يقدم محمد مطر اصغر القاطنين في المستشفى وهو حافي القدمين يرتدي قميص بولو فقط وتصطك اسنانه من شدة البرد.

وقال ابو عبده ايضا “ان ثمانية اشخاص ماتوا في الاشهر الاربعة الاخيرة. نحاول الاهتمام بهم بقدر المستطاع لكن ما يدهش هو بقاؤهم على قيد الحياة”. وهو يأتي مع موظفين اثنين سابقين اخرين كل يوم الى المأوى على الرغم من انهم لا يتقاضون اجرهم منذ اشهر، ويتضمن هذا المبنى المهيب المشيد في قلب المدينة القديمة والذي كان فيما مضى مكتظا يغص بالحركة، ثلاثين غرفة حول باحتين حيث يمكن مشاهدة المدينة المبنية في القرون الوسطى بكل جمالها وعظمتها. بحسب فرانس برس.

وفي احدى الغرف يرتجف محمد وهو متقوقع تحت غطاء رقيق رغم البرد الشديد الذي يلف المكان، ويحذر ابو عبده “من الاسوأ” قائلا “عندما يحل الجليد والثلج سيكون الامر مريعا. انني خائف ان لا يمضي كثيرون منهم فصل الشتاء. فبدون تدفئة محكوم عليهم بالموت من البرد”، ودار العجزة لا يؤوي فقط المعوقين عقليا بل وايضا مسنين فقدوا كل عائلتهم واناسا مصابين بتلازمة داون وكذلك معوقين جسديا، وفي المبنى الثاني توجد اسوأ غرفة في المستشفى حيث يوضع اولئك الذين لا تسمح حالتهم بتركهم يتوهون بمفردهم. وعندما يفتح المزلاج الذي يوصد بابا زجاجيا مزدوجا تفوح رائحة كريهة من مزيج البول والبراز والتقيؤ، ويجمع اثنا عشر مريضا في مساحة عشرة امتار مربعة -احد عشر منهم يتقاسمون ثلاثة فرش يميل لونها الى الاصفرار، فيما الاخير الذي لا يستطيع تحريك سوى الذراعين والعنق ممدد تحت غطاء. فجسده مليء بالجروح ووسادته وسخة من التقيؤ، واكد ابو عبده “اننا نغسلهم كل يوم لان معظم المرضى غير قادرين على الذهاب بمفردهم الى المراحيض ويبولون على انفسهم”، وبدون ادوية “لا نستطيع فعل اي شيء البتة لمساعدتهم عندما يصابون بنوبات عنيفة، الا بعزلهم في احدى الغرف حتى يتعبوا من الضرب” كما قال الممرض وهو يوصد الباب.

شبكة النبأ المعلوماتية- الخميس 27/كانون الأول/2012 – 13/صفر/1434

المثقف وحقوق المواطن


المثقف وحقوق المواطن
نزار حيدر

لا يمكن ان تتحقق عملية التغيير الجذرية والتاريخية في اي بلد او امة من دون المثقف، واذا ما حدث ذلك صدفة فهي الفوضى، وهذا ما نلاحظه اليوم في عالمنا العربي، والعراق جزء منه.
ان كل تجارب الانسانية، قديما وحديثا تشير الى هذه الحقيقة، وهي ان التغيير الحقيقي يلزم ان يعتمد على فكرة او رؤية يقدمها المثقف لتبدا مسيرة التغيير على اساسه، والا فالتخبط والعشوائية وانعدام الهدفية في التحرك والثورة، كلها ستكون سيدات الموقف، ولعل في تجربة عملية التغيير الكبرى التي شهدتها اوربا وكذلك تلك التي شهدتها الولايات المتحدة الاميركية، خير دليل على ذلك، وربما لهذا السبب يحترم الاميركيون من يطلقون عليهم اسم (الاباء المؤسسون) وهم الذين كتبوا الدستور الاميركي ودونوا الرؤية الفلسفية لبناء الدولة، فاقاموا لهم نصب تذكارية في العاصمة واشنطن، امتلأت جدرانها بعبارات فلسفية اشتهرت عنهم، تتعلق بالحرية والعدالة والوحدة الوطنية والدولة والسلطة والدستور وغير ذلك.
وتنظم المدارس والجامعات والمعاهد زيارات خاصة لطلابها الى هذه الاماكن على مدار السنة لفهم ماضي البلاد وكيف اسسها هؤلاء، وماذا يجب فعله اليوم من اجل صيانة ذلك الانجاز الفكري والثقافي الثر الذي تركه اولئك، والذي ساهم بشكل كبير ومباشر في بناء دولة الولايات المتحدة الاميركية.
ولأهمية دور الرؤية التي يقدمها المثقفون في عملية التغيير التاريخية نلاحظ انهم يضحون من اجلها فيبدو منهم الاستعداد للتضحية بارواحهم على ان يتنازلوا عنها قيد انملة، ليس فقط لاهمية الرؤية وانما كذلك لحرصهم على ان تاتي عملية التغيير صحيحة وسليمة وراكزة ومستقرة، فنجد في مثال سقراط مع الثبات والتضحية خير دليل على ذلك، فلقد فضل هذا الفيلسوف الموت على التنازل عن الرؤية التي قدمها من اجل تحقيق التغيير التاريخي المرجو في اثينا (اليونان) وهو البلد الاول الذي رفع لواء (الديمقراطية المباشرة):
ففي سن السبعين قدم سقراط لمحكمة اثينا بتهمة عقوق مبادئ الله وافساد عقول الشباب من خلال تساؤلاته المستمرة، ولانه كان يدرك خطورة الموقف فقد (رأى سقراط انه لن يعامل بتسامح، ولقد حضه اصدقاءه على الفرار من اثينا فرفض، ولم تكن الا ايام حتى عقد له مجلس مؤلف من 500 قاض لمحاكمته، قال سقراط: ليس على الارض انسان له الحق في ان يملي على الاخر ما يجب ان يؤمن به او يحرمه من حق التفكير كما يهوى، ما دام الانسان على وفاق مع ضميره فانه يستطيع ان يستغني عن رضى اصدقائه وان يستغني عن المال وعن العائلة وعن البيت، ولكن، بما انه لا يمكن ان يصل الى نتائج صحيحة بدون ان يفحص المسائل، ما لها وما عليها، فحصا تاما، فانه يجب ان يترك الناس احرارا، لهم الحرية التامة في مناقشة جميع المسائل بدون ان تتدخل الحكومة في مناقشاتهم).
ثم استمرت تضحيات المثقفين للثبات على رؤيتهم على مر التاريخ، فاعدم بعضهم وقطعت رؤوس البعض الاخر فيما احرق قسم ثالث ومات قسم منهم في السجون والمعتقلات، ولولا ثباتهم لما ذكرتهم الانسانية اليوم بكل اكبار واجلال، ولما كانت اسماؤهم لامعة في صفحات التاريخ كما هي عليه اليوم، لان البشرية ما كان لها ان تتلمس التحولات التاريخية العظيمة ابدا، لولا الفكرة التي اطلقها اولئك ثم ثبتوا عليها.
وفي عالمنا الذي يسمونه بالنامي، ومنه العراق، فان المثقف تعرض للقمع على يد السلطة الحاكمة بشكل مرعب، والفرق بين الحالتين هو، ان عمليات القمع للمثقف في العالم المتحضر والمتطور قد توقفت بكل اشكالها ولذلك لازال مثقفو ومفكرو الغرب يبدعون وينتجون، اما في بلادنا فان القمع لا زال مستمرا ضد المثقف تارة على يد السلطات الظالمة والغاشمة، واخرى على يد الجماعات الظلامية والمتزمتة، سواء دينيا او فكريا او سياسيا، ولذلك ففي الغرب لا يوجد سجناء رأي ابدا، اما في عالمنا فالسجون ممتلئة بهم.
فالمثقف عندنا يقتل اذا سال سؤالا غير مالوف، وانه يسجن او يطارد اذا فكر بصوت عال يتعارض مع ما ينشره اعلام السلطة ومثقفوها، ويتم اغتياله بمسدس كاتم للصوت اذا ما ناقش رايا يتعارض مع هذا (القائد) الضرورة او ذاك (الرمز) الفلتة، كما انه يتعرض للتسقيط السياسي (اغتيال الشخصية) اذا ما اتى براي لم تتعود على سماعة آذان الزعماء وقادة الاحزاب السياسية، وفي اقل التقادير فان المثقف عندنا يطرد من مؤسسته اذا كتب رايا اثار ضجة فكرية او تساؤلا اثار فضول الشارع والراي العام، حتى لم يعد يشغل بال المثقف في بلادنا الا لقمة العيش وحماية نفسه من بطش السلطة والغوغاء، هذا اذا قرر الصمود والثبات على رايه وعدم التنازل عما يعتقد به صحيحا، اما اذا انهار امام الاغراءات او امام التهديدات المستمرة بالقتل والفتك، فانه سيلجأ الى الانحناء اما العاصفة فيترك افكاره الى المستقبل ولم يعد يهمه أصحيح ما يقول ويفكر أم خطأ؟ ليلتحق بركب السلطان مع جوقة المطبلين والمزمرين الذين يلتفون حول الحاكم استجداءا لفضلات موائده الدسمة، او التحاقا بجيش الغوغاء الذين يهرولون خلف (الرمز) و(الصنم) الذين يصنعونه بسبب جهلهم وعدم قدرتهم على التفكير.
وكلنا نعرف حجم التضحيات التي قدمها المثقف في العراق وهو يحاول ان يبدع وينتج رؤية تساهم في تحقيق التغيير الاجتماعي المرجو، خاصة زمن نظام الطاغية الذليل صدام حسين، الذي غيب المئات بل الالاف منهم في غياهب السجون وقتل مثل هذا العدد واكثر، ومن مختلف التيارات الفكرية لانه كان يتبنى الشمولية في الفكر والسياسة والتي تعني الاستئثار وتغييب الاخر بكل الوسائل والاساليب.
هذا من جانب، ومن جانب آخر فان شعوب عالمنا المتخلف هذا الذي يسمونه بالنامي، لا احد يعترف بدور المثقف، فيتهمونه مثلا بانه ينظر او انه يكتب ويتكلم فقط من دون ان يعمل او ينجز شيئا ما، ناسين او متناسين بان التفكير والتنظير هو اعظم عمل ينجزه المثقف، فليس من واجبه ان يعمل اكثر من التفكير والبحث والتنظير ومحاولة استشراف المستقبل، والسعي لتحديد الخطأ او النقص او الخلل في الواقع من اجل ايجاد الحلول المناسبة لتغييره.
ان جوهر نتاج المثقف هو بناء الرؤية، وهو عمل عظيم ومهم وخطير في آن، ولا يقدر ذلك الا الشعوب التي تسعى بجد ومثابرة لتحقيق التغيير، اما الشعوب الجاهلة التي تنعق وراء كل ناعق، الامعة في آرائها ومواقفها وتوجهاتها، المحكومة بالعقل الجمعي فقط وبلا ادنى تفكير او تفكر، التي لا تعي ما تقرا ولا تفهم ما تسمع ولا تستوعب ما ترى، فانها بكل تأكيد لا تقدر انجاز المثقف ولذلك تعتبر نتاجه الفكري والثقافي عبث لا طائل منه، او انه ترف يلهي به المرء نفسه ويقضي وقته الزائد عن الحاجة.
ان دور المثقف في المجتمع، اي مجتمع، هو دور المصباح الامامي في السيارة، فكما ان المصباح يضئ الطريق امام السائق ويكشفه له عن بعد، كذلك فان مهمة المثقف هي استشراف المستقبل واستكشافه عن بعد للمجتمع ليعرف في اي طريق هو سائر ولماذا وكيف؟ ولذلك فالمجتمع السليم هو الذي يشكك بقدرات المثقف اذا توقف عن الانتاج الفكري الذي يستشرف المستقبل، لا ان يشكك فيه اذا ما كتب رايا او قدم رؤية مغايرة لما هو عليه الواقع والحال السيء.
ولعل من ابرز مهام المثقف في مجتمعنا هو ان يبذل ما بوسعه لحماية حقوق المواطن من عبث العابثين، سواء السلطة الغاشمة وادواتها او الهمج الرعاع، وبرايي، فان المثقف سوف لن ينجح في انجاز هذه المهمة الا بشرطين:
الاول: هو ان يكون مستقلا، فمثقف السلطة همه الدفاع عنها من خلال التبرير لها، كما ان مثقف الحزب يرى الامور بعين واحدة، فيبرر للحزب مهما اخطأ ويتهجم على الاخر مهما اصاب، اما المثقف المستقل الذي لا ينتمي الا الى الوطن والمواطن، فان همه هو حماية الوطن من خلال الاصطفاف مع المواطن دائما، يحمي حقوقه ويدافع عن حاجاته ويصرخ بأعلى صوته من اجل كرامته وحريته.
ان سبب انهيار المنظومة الاخلاقية للكثير من المثقفين في بلادنا، وان سبب فشلهم في انجاز مهامهم الحقيقية، هو انهم التصقوا بالسلطة التصاقا، او انهم التصقوا بالهمج الرعاع التصاقا، ولذلك فقدوا القدرة على استشراف المستقبل، والانتاج الفكري الرصين الذي يعتد به بعد ان انشغلوا بالقيل والقال، فلم يعد همهم الا الرد والرد المضاد على هذه الحالة او تلك الازمة، فتحول كثير منهم الى جزء من الازمات الخانقة التي يعيشها المجتمع، السياسية منها والفكرية والتاريخية وغيرها، ولذلك فعندما تقرا لكثير من هؤلاء (المثقفين) فانك لن تجد في كتاباتهم الا التعصب والمهاترات والنقل المجرد عن الرؤية، واحيانا اعتماد القيل والقال والاكاذيب والدعايات والشائعات وهو يبحث في اخطر قضية، ولذلك فان كتابات الكثير منهم تحولت الى فتنة تثير الازمات من دون ان تساهم في ايجاد الحلول لها.
لقد تحول المثقفون عندنا الى احزاب وشيعا، بسبب انشغالهم بالقيل والقال، ولذلك نادرا ما نقرأ لهم رؤية، وبصراحة اقول فعندما يتحزب المثقفون فتلك مصيبة عظمى.
ان كتابات الكثير منهم اما اجترار لما يكتبه الاخرون او سرد للواقع او تجميع من هنا وهناك، او سرقة في بعض الاحيان، او انها تناقش شيئا معدوما ومنتفيا، اي لا اساس له من الصحة في ارض الواقع، ولذلك لا تحمل كتابات اغلبهم اية رؤية، فبينما يجب على المثقف ان يعالج الامور بالعقل والمنطق، نراه يتعامل معها باستهزاء واستخفاف وتسقيط وتسفيه، ما يبعده عن التأثير في الواقع وفي اتجاهات الراي العام.
ولكل ذلك بدأت كتابات بعض (المثقفين) تساهم بشكل او بآخر في تسطيح الوعي عند الراي العام، ولو اعاد كل مثقف قراءة ما كتبه قبل عام، مثلا، لوجد فيه اختلافا كثيرا وتناقضا عجيبا، انهم انشغلوا بالسياسة اكثر من انشغالهم بالفكر والثقافة، فنسوا واجباتهم وقفزوا على مسؤولياتهم وتجاهلوا رسالتهم.
ان المثقف الذي لا تساهم كتاباته في تقديم رؤية ناضحة وسليمة تساهم في حل ازمة او استشراف مستقبل او تطوير واقع، لهي كتابات عبثية تشغل المتلقي بما لا يسمن او يغني من جوع.
ان على المثقف ان يترفع عن المصالح والصراعات ويتمتع بالاستقلالية والحيادية من اجل ان لا يكون جزءا من الواقع او من المشكلة السياسية، وعندها فقط سيفكر بطريقة سليمة وتاليا سينتج فكرا سليما، لا حشو فيه ولا اكاذيب او ترهات.
ان على المثقف ان يسعى بالرؤية التي يبنيها الى ان يتصدى لمشاكل المجتمع والعملية السياسية، من اجل ان لا يكون ممن يحشد الشارع طائفيا او عنصريا (قوميا او دينيا) وهو يهرول خلف السياسيين وزعماء الكتل والاحزاب، والا فما الذي يميزه عن غيره اذا كان يؤدي دورهم؟ او ليس من صفات المثقف هي ان يكون متميزا في الطرح والفكر والرؤية؟ بل وحتى في الاسلوب والادوات؟.
الثاني: هو ان يكون المثقف وطنيا، فلا يبيع قلمه اذا ما لوح له المسؤول بورقة خضراء فاقع لونها تسر الناظرين، او يكتب ليرضي من يقف خلف الحدود، او انه يغرد خارج السرب فيكتب ترفا او خارج الحاجة.
كم من ادعياء الثقافة يكتبون ضد العراق في صحف معادية، فنرى احدهم مثلا ينتقد الديمقراطية في العراق الجديد، بمقالات ينشرها في صحف نظام القبيلة الحاكم في دول الخليج، والتي تزكم روائحها النتنة المنتشرة من البترودولار الانوف عن بعد مئات الاميال؟.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان المثقف الحقيقي هو الذي يبني رؤية حاجة وليس اية رؤية، ولطالما استشهدت بسؤال في معرض توضيح هذه الفكرة، عما اذا كان الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) سيكتب (فلسفتنا) و (اقتصادنا) لو بعثه الله تعالى اليوم من قبره؟ بالتأكيد كلا، لماذا؟ لانه كتبهما لحاجة زمان ومكان معينين كان يواجه تحديا فلسفيا في اطار صراع فكري وثقافي بين الاسلام والماركسية، اما اليوم فليس لمثل هذا الصراع اي وجود، فلقد اختلفت الحاجة الفكرية للمجتمع بشكل كبير، فالصراع اليوم في العراق ليس بين الاسلام والماركسية ليكتب الصدر في ذلك، وانما الصراع بين المثل والواقع، مثلا، ولذلك فان السؤال الكبير والعريض الذي يشغل عقل الناس ليل نهار من دون ان يجدوا له جوابا، هو كيف تحول ابناء الاحزاب (الدينية) وبعضهم من يدعي انه من تلامذة الشهيدين الصدرين الاول والثاني، الى لصوص محترفين يسرقون المال العام ويتجاوزون على حقوق الناس الفقراء فيسرقون لقمة العيش من افواه الارامل واليتامى والمعوزين بعد كل عقود التربية الدينية؟ لو بعث الله تعالى الصدر الاول اليوم لكتب بهذا الشأن ولسعى لإيجاد الحل (الفكري) والثقافي لهذه الظاهرة الخطيرة، وسيتساءل؛ ترى هل انه نتيجة ما قدمته للحركة الاسلامية من تنظير فكري وثقافي حاولت به النهوض بوعي رواد الحركة الاسلامية وابناء (التيار الديني) ام ماذا؟.
اما ما هي الخطوات التي يلزم على المثقف السعي لها من اجل ان يتميز في دفاعه عن حقوق المواطن؟.
اعتقد ان من اهمها وابرزها ما يلي:
اولا: تسليط الضوء على الحقوق الدستورية فالجهل بها يضيع على المواطن فرصة التمتع بها.
المشكلة في بلداننا هي ان المواطن لا يعرف ما له وما عليه، ولا يعرف ما هي حقوقه وما هي واجبات السلطة تجاهه، ولذلك فاذا انجز المسؤول شيئا يصب في صالح المواطن، ظنها مكرمة، او تفضلا، جاهلا بحقيقة واجبات المسؤول الذي تسنم موقعه لخدمة الناس وليس تشريفا ونزهة او بطرا او مكافأة.
ولذلك فان على المثقف ان يشرح حقوق المواطن، الدستورية والقانونية، ويوضحها ويسلط الضوء عليها دائما، من اجل ان يساهم في اشاعة الثقافة الدستورية في المجتمع، وبذلك فسوف لن يتمكن اي مسؤول ان يسحق اي واحدة منها مهما اوتي من قوة في الاعلام وبسطة في المال الذي يشتري به ذمم الاقلام.
لماذا يفشل المسؤول في بلاد الغرب في سحق اي حق من حقوق المواطن مهما كان تافها؟ الجواب، لان المواطن يعرف حقوقه بشكل مفصل، يتعلمها في المدرسة، ويسمع ويقرا عنها في مختلف وسائل الاعلام، كما انه يطلع عليه عند مدخل اية دائرة، حكومية كانت ام غير حكومية.
ثانيا: ملاحقة الانتهاكات التي تتعرض لها الحقوق وعدم تسييسها.
ان من الخطأ الفاحش التعامل بمعيارين او بمكيالين مع الانتهاكات الخطيرة التي تتعرض لها حقوق المواطن، فاقيم الدنيا ولا اقعدها اذا مستني شخصيا او احد افراد عشيرتي او احد عناصر الحزب الذي انتمي اليه او احد المنتمين الى مذهبي او ديني او قوميتي، ولكنني اضرب عنها صفحا ولا اعير الموضوع اية اهمية اذا ما مست غير هؤلاء.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان من الخطأ الفاحش كذلك، ان اظل اتفرج على الانتهاك الذي يتعرض له حق من حقوق المواطن، لازال الانتهاك صغيرا او تافها، برايي وحسب تقييمي للحالة طبعا، فان ذلك سيساهم في توسيع وتعميق الانتهاك شيئا فشيئا، لان السكوت يجرئ المسؤول على تكرار الانتهاك ليتحول الى جريمة، والتي تبدأ تتراكم من تجاوز صغير جدا وربما حقيرا، ولذلك ورد في الحديث عن رسول الله (ص) {اياكم ومحقرات الذنوب} وهي التي لا يبالي بها المرء، لصغرها وتفاهتها مثلا.
ثالثا: التنظير للمواطن في كيفية الحصول على حقوقه، لحثه على المطالبة بها وتحمل مسؤوليته.
رابعا: تقديم المقترحات للبرلمان بهذا الخصوص، للعمل على تشريع كل ما من شانه من القوانين التي تساهم في ان يتمتع المواطن بحقوقه.
خامسا: حث منظمات المجتمع المدني والتعاون معها على تبني هذه الحقوق.
سادسا: استباق القرارات التي تنتهك الحقوق، وكمثال على ذلك قانون الانتخابات وقانون الحريات، فالاستباق يشل مسعى مؤسسات الدولة لتشريع كل ما من شانه سلب حقوق المواطن، اما الانتظار لحين صدور التشريع ومن ثم الحديث عنه فان ذلك يعقد الامور ويضيع على المجتمع فرصا وجهودا.
* ملخص الورقة البحثية المقدمة لورشة العمل التي نظمتها الجمعية العراقية لحقوق الانسان في الولايات المتحدة الاميركية في ولاية ميشيغن بتاريخ (9/12/2012) المنصرم
NAZARHAIDAR@HOTMAIL.COM
شبكة النبأ المعلوماتية- الأربعاء 26/كانون الأول/2012 – 12/صفر/1434

أنشودة من الشعب اللبناني إهداء لشعب البحرين


اهداء من ثورة مصر إلى ثورة البحرين


مقتل الامام الحسين ع عبد الزهراء الكعبي


مقتل الامام الحسين كاملا – السيد محمد الصافي


مغرورين محمد الصافي ..مونتاج قناة حيدري موالي


Previous Older Entries