سيرة الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)


سيرة الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)

 

بطاقة الهوية:

الإسم: جعفر (ع)

اللقب: الصادق

الكنية: أبو عبد الله

اسم الأب: محمد بن علي (ع)

اسم الأم: أم فروة

الولادة: 17 ربيع الأول 83ه

الشهادة: 25 شوال 148ه

مدة الإمامة: 34 سنة

القاتل: المنصور العباسي

مكان الدفن: البقيع

  

الظروف السياسية في عصر الإمام (ع):

إستلم الإمام الصادق (ع) الإمامة الفعلية في حقبة من الزمن كان الصراع فيه على أشده بين الحكام الأمويين والعباسيين وفي خضم انتفاضات العلويين والزيديين والقرامطة والزنج وسواهم من طالبي السلطة.. مما أتاح للإمام أن يمارس نشاطه التبليغي والتصحيحي في ظروف سياسية ملائمة بعيداً عن أجواء الضغط والإرهاب وفي مناخ علمي خصب تميّز بحرية الفكر والاعتقاد وزوال دواعي الخوف والتقية من الحكام. وقد سجّل الإمام (ع) موقفاً متحفظاً من جميع الحركات المعارضة والتي كانت تحمل شعار )الرضا من ال محمد( لأنها لا تمثّل الإسلام في أهدافها وتوجهاتها وإنما كان هاجسها الوصول إلى السلطة. ولأن المرحلة انذاك كانت تتطلب ثورة إصلاحية من نوع اخر لمواجهة المستجدات التي كادت تطيح بجوهر الإسلام فيما لو انشغل الإمام عنها بالثورة المسلحة.

ركّز الإمام (ع) في حركته على تمتين وتقوية الأصول والجذور الفكرية والعلمية مع أخذ دوره الرسالي كمعصوم من ال بيت النبوّة.

 

الحركة الفكرية في عصر الإمام (ع):

ظهرت في تلك الحقبة حركة علمية غير عادية وتهيّأت الأرضية لأن يعرض كل إنسان حصيلة ما يملك من أفكار. ودخلت المجتمع الإسلامي أعراق غريبة وملل مختلفة مما جعل الساحة الإسلامية مشرّعة لتبادل الأفكار والتفاعل مع الأمم والحضارات الأخرى. وتمخضت الحركة الفكرية والنشاط العلمي الواسع عن مذاهب فلسفية متعددة وتفسيرات فقهية مختلفة ومدارس كلامية متأرجحة بين التطرف والاعتدال وظهر الزنادقة والملاحدة في مكّة والمدينة، وانتشرت فرق الصوفية في البلاد، وتوزّع الناس بين أشاعرة ومعتزلة وقدرية وجبرية وخوارج…

وقد تسرّبت التفسيرات والتأويلات المنحرفة إلى علوم القران الكريم وطالت مباحث التوحيد والصفات والنبوة وحقيقة الوحي والقضاء والقدر والجبر والاختيار.. ولم تسلم السنة النبوية بدورها من التحريف ووضع الأحاديث المكذوبة والمنسوبة إلى نبي الإسلام (ص).

لذلك انصرف الإمام الصادق (ع) الى التصدي والمواجهة والتصحيح للعودة بالإسلام إلى ينابيعه الصافية.

 

جامعة أهل البيت (ع):

فجر الإمام الصادق (ع) ينابيع العلم والحكمة في الأرض وفتح للناس أبواباً من العلوم لم يعهدوها من قبل وقد ملأ الدنيا بعلمه” كما يقول الجاحظ، وانصبّت اهتمامات الامام (ع) على إعداد قيادات واعية ودعاة مخلصين يحملون رسالة الإسلام المحمدي الأصيل إلى جميع الحواضر الإسلامية مرشدين ومعلّمين في سبيل نشر مفاهيم العقيدة وأحكام الشريعة وذلك من خلال توسيع نشاط جامعة أهل البيت التي أسس نواتها الامام الباقر (ع)، كما تركزت الجهود العلمية في مختلف الاختصاصات من فلسفة وعلم الكلام والطب والرياضيات والكيمياء بالاضافة الى وضع القواعد والأصول الاجتهادية والفقهية كركيزة متينة للتشريع الإسلامي تضمن بقاءه واستمراره. ومواجهة خطر الزنادقة والملاحدة بأسلوب مرن وهدوء رسالي رصين أدحض بها حججهم وفنّد ارائهم وأثار في نفوسهم الثقة والاحترام له. وعلى رأس هؤلاء الزنادقة: ابن المقفع وابن ابي العوجاء والديصاني كما تصدّى (ع) للوضاعّين وأكاذيبهم ونبّه على دورهم الخطير في تشويه الإسلام وشدّد على طرح الأحاديث التي لا تتوافق مع الكتاب والسنّة. وقد اشتهر من طلابه علماء أفذاذ في مختلف العلوم والفنون منهم المفضل بن عمرو وهشام بن الحكم ومحمد بن مسلم وجابر بن حيان وعبد الله بن سنان، كما نهل من علومه مالك بن أنس وشعبة بن الحجاج وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة ونقل عنه عدد كبير من العلماء أمثال أبي يزيد ومالك والشافعي والبسطامي وابراهيم بن أدهم ومالك بن دينار وأبي عيينة ومحمد بن الحسن الشيباني. وقد بلغ مجموعة تلامذته أربعة الاف تلميذ، مما حدا بمالك بن أنس إلى القول: “ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق (ع) فضلاً وعلماً وورعاً وعبادة”.

 

الظروف السياسية في زمن الامام الصادق (ع):

شهد الامام الصادق (ع) نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية، وفي مثل هذه الحالة ينشغل الناس بالحروب والثورات وينشغل الحكام ببعضهم البعض مما فسح بالمجال لقيام الامام الصادق (ع) بدوره العلمي والتربوي على أكمل وجه، وقد عاصر (ع) ما تبقى من حكام الأمويين الضعاف وثورة أبي مسلم الخراساني الذي حاول أن يزج الامام فيها ولكن الامام كان أدرى بواقع الحال فتملص منه ليتفرغ لعمله الأهم الذي يعتمد عليه قيام الدين الاسلامي في مواجهة الأفكار الدخيلة والمذاهب الفكرية المنحرفة حيث استطاع أن يعطي الفكر الشيعي زخماً خوّله الصمود أمام التيارات الفكرية المختلفة وسمح له بالبقاء الى يومنا هذا، ولذلك يسمى المذهب الشيعي الفقهي بالمذهب الجعفري.

 

زوجاته وأولاده (ع):

تزوج الامام الصادق (ع) من فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين (ع) فأنجب منها اسماعيل الذي تنسب إليه الفرقة الاسماعيلية وعبد الله الأفطح الذي تنسب إليه الفرقة الفطحية وأم فروة أم الامام موسى بن جعفر (ع)، وله من إمائه الأخريات العباس، وعلي وأسماء وفاطمة.

  

الإمام (ع) والمنصور العباسي:

وكان المنصور العباسي يغتاظ من إقبال الناس على الإمام والإلتفاف حوله وكان يعبّر عن الإمام (ع) بأنه: “الشجى المعترض في الحلق” وينقل المفضل بن عمرو حقيقة الموقف له: “إن المنصور همّ بقتل أبي عبد الله الصادق (ع) غير مرّة، وكان إذا بعث إليه ليقتله فإذا نظر إليه هابه ولم يقتله. غير أنه منع الناس عنه. ومنعه عن القعود للناس. واستقص عليه أشد الاستقصاء”.

فكان يخشى من التعرّض للإمام لأنه سيؤدي إلى مضاعفات كبيرة. وإزاء تزايد الضغط وإحكام الرقابة نصح الإمام أصحابه بالسرية والكتمان فكان يقول: “التقية من ديني ودين ابائي ولا دين لمن لا تقية له”. ولكن المنصور لم يكن ليتورّع رغم تحفظات الإمام من ارتكاب أبشع جريمة عن طريق دسّ السم للإمام الذي استشهد من جراء ذلك سنة 148 ه. ودفن في البقيع إلى جانب أبيه وجدّه وجدّته فاطمة وعمه الحسن عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

 

    للمطالعة

علوم الصادق (ع)

فرض الإمام الصادق (ع) إمامته ومرجعيته القيادية من الناحية العلميَّة والفقهيَّة، بحيث لا يملك كبار العلماء من المذاهب الاسلامية الأخرى إلاَّ أن يعترفوا بذلك كاعتراف أبي حنيفة قائلاً:

“ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، لمَّا أقدمه المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة إنّ الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيّء له من المسائل الشداد، فهيَّأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليّ أبو جعفر المنصور فدخلت عليه وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلمَّا بصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر المنصور فسلَّمت وأومأ فجلست ثم التفت المنصور فقال: يا أبا حنيفة: ألقِ مسائلك على أبي عبد الله فجعلت ألقي عليه فيجيبني فيقول:  أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا حتى أثبت على الأربعين مسألة ما أخلّ منها مسألة واحدة، ثم قال أبو حنيفة: أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس”.

 

About these ads
Categories: Uncategorized | 11 تعليقات

التنقل بين التدوينات

11 فكرة على ”سيرة الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)

  1. نماذج من فقه الإمام الصادق(عليه السلام)
    1 ـ عن ابن اُذينة، عن أبي عبدالله(عليه السلام)، قال: قال: «ما تروى هذه الناصبة؟ فقلت: جعلت فداك فيماذا؟ فقال: في أذانهم وركوعهم وسجودهم، فقلت: إنهم يقولون: إن اُبيّ بن كعب رآه في النوم، فقال: كذبوا، فإن دين الله اعزّ من أن يرى في النوم»[1].

    2 ـ عن عيص بن القاسم، عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر، وقال: إن رسول الله(صلى الله عليه وآله) خرج من المدينة الى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلما انتهى الى كراع الغميم[2] دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر، فشربه وأفطر ثم أفطر الناس معه وتمّ ناس على صومهم، فسمّاهم العصاة وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله)»[3].

    3 ـ قال الصادق(عليه السلام): «خلق الله الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه».

    4 ـ قال الصادق(عليه السلام): «إذا كان الماء قدركرّ، لم ينجّسه شيء».

    5 ـ قال(عليه السلام): «اغسل ثوبك من بول كلّ ما لا يؤكل لحمه».:

    6 ـ قال الصادق(عليه السلام): «إذا نامت العين والاُذن والقلب وجب الوضوء»، قيل: فإن حرّك الى جنبه شيء ولم يعلم به، قال: «لا حتى يستيقن أنه قد نام حتى يجيء من ذلك أمربيّن، وإلاّ فإنّه على يقين من وضوئه، ولا تنقض اليقين أبداً بالشك وإنّما تنقضه بيقين آخر».

    7 ـ وقال(عليه السلام): «لا ينقض الوضوء إلاّ حدث والنوم حدث».

    8 ـ قال أبو عبدالله(عليه السلام): «إن سمعت الأذان وأنت على الخلا، فقل مثل ما يقول المؤذّن ولا تَدَع ذكر الله في تلك الحال، لأنّ ذكر الله حسن على كلّ حال».

    9 ـ وقال(عليه السلام): «إذا شككت في شيء من الوضوء وقد دخلت في غيره فليس شكك بشيء، إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه».

    10 ـ وسُئل أبو عبدالله(عليه السلام) عن الجنب يجلس في المساجد؟ قال: «لا ، ولكن يمرّ فيها كلّها، إلاّ المسجد الحرام ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله)».

    11 ـ قال الصادق(عليه السلام): «صلِّ على من مات من أهل القبلة وحسابه على الله».

    12 ـ قال الصّادق(عليه السلام): «كلّ ما جعل على القبر من غير تراب القبر[4] فهو ثقل على الميّت».

    13 ـ قال رجل للصادق(عليه السلام) : إنّي اُعير الذمي ثوبي وأنا أعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير، فيردّه عليّ فاغسله قبل أن اُصلّي فيه؟ فقال أبو عبدالله(عليه السلام): صلّ فيه ولا تغسله، من أجل انّك اعرته إيّاه وهو طاهر ولم تستيقن أنّه قد نجّسه، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنّه نجّسه».

    14 ـ وقال الصادق(عليه السلام): «لكلّ صلاة وقتان وأوّل الوقت أفضلهما».

    15 ـ قال الصادق(عليه السلام): «إنّما النافلة بمنزلة الهدية، متى ما أتا بها قبلت».

    16 ـ قال(عليه السلام): «السجود لا يجوز إلاّ على الأرض أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أكل أو لبس».

    17 ـ وقال(عليه السلام): «من صلّى الصلوات الخمس جماعة، فظُنوا به كلّ خير»[5].

    18 ـ سئل الصادق(عليه السلام) عن القراءة خلف الإمام؟ فقال: «لا، إنّ الإمام ضامن للقراءة وليس يضمن الإمام صلاة الذين خلفه إنّما يضمن القراءة».

    19 ـ وقال الصادق(عليه السلام): «ما فرض الله على هذه الاُمّة شيئاً أشدّ عليهم من الزكاة وفيها تهلك عامّتهم».

    20 ـ وقال الصادق(عليه السلام): «ما ضاع مال في برّ ولا بحر إلاّ بتضييع الزكاة ولا يصاد من الطير إلاّ ما ضيّع تسبيحه».

    21 ـ وقال(عليه السلام): «إنّما فرض الله الصيام ليستوي به الغني والفقير».

    22 ـ قال(عليه السلام): «لا صيام فى السفر إلاّ الثلاثة أيام التي قال الله في الحجّ»[6].

    23 ـ وقال الصادق(عليه السلام): «إذا جئت بصوم شهر رمضان لم تسئل عن صوم».

    24 ـ وقال(عليه السلام): «إن صوم شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الاُمم قبلنا».

    25 ـ وسئل عن قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم)؟ قال: «إنّما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الاُمم ففضّل به هذه الاُمّة فجعل صيامه فرضاً على رسول الله(صلى الله عليه وآله) وعلى اُمّته».

    26 ـ وقيل للصادق(عليه السلام): «ليلة القدر كانت أو تكون في كلّ عام؟ فقال: «لو رفعت ليلة القدر، لرفع القرآن».

    27 ـ قال الصادق(عليه السلام): «لو ترك الناس الحجّ لما نوظروا العذاب».

    28 ـ وقال(عليه السلام): «لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة».

    29 ـ وقال الصادق(عليه السلام): «لو أن الناس تركوا الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي(صلى الله عليه وآله) كان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم مال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين».

    30 ـ وقال الصادق(عليه السلام): «المعتمر يعتمر في أيّ شهور السنة، وأفضل العمرة عمرة رجب».

    31 ـ قال الصادق(عليه السلام): «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يستلم الحجر في كلّ طواف فريضة، ونافلة».

    نماذج من مواعظ الإمام الصادق(عليه السلام)
    1 ـ قال(عليه السلام): «ليس منّا ولا كرامة من كان في مصر فيه مائة ألف أو يزيدون وفيهم من هو أورع منه».

    2 ـ قال الصادق(عليه السلام): «أيّما أهل بيت أعطوا حظّهم[7] من الرفق فقد وسّع الله عليهم في الرزق، والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال، والرفق لا يعجز عنه شيء، والتبذير لا يبقى معه شيء، انّ الله عزّ وجل رفيق يحب الرفق».

    3 ـ قال الصادق(عليه السلام) لرجل: «أوصيك إذا أنت هممت بامر فتدبّر عاقبته، فإن يك رشداً فأمضه وإن يك غيّاً فانته عنه».

    4 ـ وقال الصادق(عليه السلام): «ليس من عِرق يضرب ولا نكبة ولا صداع ولا مرض إلاّ بذنب وما يعفو الله أكثر».

    5 ـ وقال(عليه السلام): «إن الذنب يحرم العبد الرزق».

    وقال الصادق(عليه السلام): «لا صغيرة مع الاصرار ولا كبيرة مع الاستغفار».

    6 ـ قال الصادق(عليه السلام): «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على من أمكنه ذلك ولم يخف على نفسه ولا على أصحابه».

    7 ـ قال(عليه السلام): «منشهد أمراً فكرهه، كان كمن غاب عنه، ومن غاب عن أمر فرضيه، كان كمن شهده».

    8 ـ قال الصادق(عليه السلام) : «إن الله فوّض الى المؤمن كلّ شيء إلاّ اذلال نفسه».

    9 ـ وقال(عليه السلام): «لا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه»، قيل: كيف يذل نفسه؟ قال: «يتعرّض لما لا يطيق».

    10 ـ قال الصادق(عليه السلام): «لا يتكلّم الرجل بكلمة حق فيؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها، ولا يتكلّم بكلمة ضلال يؤخذ بها إلاّ كان عليه مثل وزر من أخذ بها».

    11 ـ وقال(عليه السلام): «المسلمون عند شروطهم، إلاّ كل شرط خالف كتاب الله، فلا يجوز».

    [1] الكافي: 3/482، كتاب الصلاة، باب النوادر.

    [2] وهي على ثلاثة أميال من المدينة.

    [3] الكافي: 4/127، كتاب الصيام، باب كراهية الصوم في السفر، ح 5.

    [4] وسائل الشيعة: ج2 أبواب الدفن، الباب 36 «باب انّه يكره أن يوضع على القبر من غير ترابه».

    [5] وسائل الشيعة : ج5 كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة، الباب 1 (باب تأكّد استحبابها في الفرائض وعدم وجوبها فيما عدا الجمعة والعيدين».

    [6] وسائل الشيعة: أبواب من يصح منه الصوم، الباب 11 (باب عدم جواز صوم شهر من الواجب في السفر إلاّ النذر المعيّن سفراً وحضراً وثلاثة أيام…».

    [7] وسائل الشيعة: كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 27 (باب استحباب الرفق في الاُمور). الجديد، 15/270 / 5 ]20449[; القديم، 11 : 2

  2. تمهيـــد

    توافق هذه الليلة – التي اشرع فيها بسرد قضية تاريخية جليلة عن حياة الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) – الخامس والعشرين من شهر شوال لسنة 1386 هجرية ، حيث يحتفي العالم الجعفري بتجديد ذكرى وفاة سادس أئمته ويفتخر بشرف الانتماء إليه مبدءاً ومذهباً .

    وإني إذ أقدم أسجى التعازي إلى المسلمين عامة ، والجعفريين خاصة ، أرجو من اللـه العلي القدير ان يسددهم في اتخاذ مبادئ صاحب هذه الذكرى المفجعة ويهديهم للعمل الجاد بتعاليمه ومناهجه .

    وبالتالي فإني أشرِّف قلمي بالكتابة عنه ، مشاطرة مني في تجديد الذكرى مع الأمة الإسلامية ، ولدعم المجتمع الإسلامي بالثقافة الحقة التي شرعها لنا ربّ السماء ورسوله ، ومن ثم تأدية لمسؤوليتي تجاه مبدئي والحق الذي يمثله ، وليس سداً لثغرة في التاريخ ، فهناك عدد من الكتب الحديثة عالجت قضية الإمام الصادق (عليه السلام) ومذهبه ومذهب تابعيه بشتى الأساليب والصور .

  3. الفصل الاول : الاصــل الكريــم

    ميــلاده :

    كانت الأمة الإسلامية تحتفل بالذكرى الثمانين(1) من مولد الرسول الأعظم (ص) ، في السابع عشر من شهر ربيع الأول ، وكانت تسير في بيت الرسالة موجة كريمة من السرور والإبتهاج ، ترتقب مجدا يهبط عليها فيزيدها رفعة وشموخاً .

    في تلك الليلة ، وفي ذلك الجو الميمون ولد الإمام الصادق (ع) شعلة نور بازغة سخت بها إرادة السماء لتضيء لأهل الأرض ، وتنير سبلها إلى الخير والسلام .

    أبــواه :

    ولد من أبوين كريمين عظيمين مباركين هما :

    1 – الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي ؛ الباقر (ع) ، الذي انحدر من سلالة علي أباً وأماً ، حيث كان حفيد الحسين بن علي ، وكانت أمه حفيدة الحسن (ع) . وهكذا بُني أول بيت فاطمي أصيل ، فكان أشم وأروع قمة إنسانية ارتفعت على بيت الرسالة .

    2 – فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر ، التي كانت هي الأخرى أول نقيبة من سلالة أبي بكر أماَ وأباَ . وجدها محمد بن أبي بكر كان له سابقة الجهاد بين يدي الإمام أمير المؤمنين (ع) ، وكان ربيباَ له حيث تزوج الإمام بعد موت أبي بكر زوجته أسماء بنت عميس ، فربى ولدها محمد في حجره ، وغذاه من علومه ، حتى أصبح فدائياَ مخلصاً للإسلام ، وولاه مصراً فقتل فيها بأمر من معاوية .

    وهكذا يأتي الإمام عصارة جهاد مقدس ، من أب وأم منحدرين من سلالة مباركة .

    نشأتــه :

    لقد كانت ولادته في عصر جده الإمام زين العابدين الذي ملأ الآفاق فضله ومجده ، ولم يزل في كنفه الوديع الذي كان يوحي إليه كل معاني السمو والعظمة ، ويغذيه بكل معاني الفضل والكمال ، ولم يزل يرى من جده العبادة والزهادة والرفادة والإجتهاد في طاعة اللـه فتنطبع في نفسه آثارها ، حتى بلغ سن الثانية عشر .

    وعندما انتقلت إلى أبيه مقاليد الإمامة العامة ، وقام (ع) بأداء واجباتها ومسؤولياتها خير قيام ، كان الإمام الصادق (ع) يترعرع ليصبح فتاً نموذجيا يرمق إليه الشيعة بأبصارهم ويرون فيه القدوة السادسة لهم .

    سفرته إلى الشام :

    لقد كان الأمويون في الفترة الأخيرة من تسلطهم – حيث اختلفت على الامة الإسلامية التيارات الفكرية المتناقضة – يمارسون آخر محاولاتهم لتمويه الحقائق وإثبات المتناقضات ، ويعالجون الأحداث السياسية على ضوء سياسة أسلافهم المنحرفين ، والعجيب من أمرهم أنَّهم في تلك الحقبة كانوا يبدِّلون أزياء الخلافة كما تتبدل السنين ، فلا تكاد تقبل سنة جديدة على الناس إلاَّ بخليفة جديد ، لأن الأمة تلفظهم وتأبى الخضوع لسيادتهم الباطلة .

    في هذا العصر – بالذّات – قاسى الإمام الباقر (ع) من ظلم الأمويين الشيء الكثير ، لأنه كان مأوى الحق وأهله ومركز المضطهدين ، الذين عارضوا سياسة الأمويين كما يتبين ذلك من سيرته المقدسة .

    أما الشيعة فقد إبتلوا بلاءً عظيماً من جراء الظلم الأموي ، كما بين الإمام الباقر (ع) حين قال : “ ثم جاء الحجاج فقتلهم – يعني الشيعة – شر قتله وأخذهم بكل ظنة وتهمة “ .

    حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعي ينتمي لعلي (ع) .

    ولأن الخليفة الأموي أراد إثبات سلطته على الإمام الباقر (ع) واستعراض قوته أمامه – مثلما يصنعه الحاكم السياسي الظالم اليوم بمن يعارضه في الأمر – قام باستدعائه إلى الشام ، فسافر الإمام (ع) إليها مصطحباً ولده العزيز .

    (1) يقــول بعض المحققين أن أقرب الروايات إلى الحقيقة في تاريخ ميلاد الصادق (ع) هي التي تحدده بسنة (80) هجرية وهناك روايتان أخريتان 83 و 77 غير معتمد عليهما.

  4. الفصل الثاني : عهــد امامتــه

    في سنة (117 هـ ) – حيث انتقل الإمام الباقر (ع) إلى جوار ربه ضحية غالية لسياسة بني أمية الجائرة – أوصى إلى ولده الصادق (ع) وهو في سن الرابعة والثلاثين بمدرسته التي اجتمعت عليها المئات من ذوي الفكر والبصيرة ، حتى كانت نواة المدرسة الكبرى التي أسسها الإمام الصادق (ع) من بعد أبيه ، كما أوصى له بالإمامة . وبهذا انتقلت إلى الإمام الصادق (ع) قيادة الأمة الدينية ومسؤولياتها السياسية الكبيرة .

    المدرسة الكبرى :

    لعلنا لن نجد في التاريخ الإنساني مدرسة فكرية استطاعت أن توجه الأجيال المتطاولة ، وتفرض عليها مبادئها وأفكارها ، ثم تبني أمة حضارية متوحدة لها كيانها وذاتيتها ، مثلما صنعته مدرسة الإمام الصادق (ع) .

    إن من الخطأ أن نحدد إنجازات هذه المدرسة في من درس فيها وأخذ منها من معاصريها وإن كانوا كثيرين جدا ، وإنما بما خلّفته من أفكار ، وبما صنعته من رجال غيرّوا وجه التاريخ ووجهوا أمته ، بل وكوَّنوا حضارته التي ظلت قروناً مستطيلة .

    لقد أثبت التاريخ أن الذين استقوا من أفكار هذه المدرسة مباشرة كانوا أربعة آلاف طالب (1) . ولكن ذلك لا يهمنا بمقدار ما يهمنا معرفة ما كان لهذه المدرسة من تأثير في تثقيف الأمة الإسلامية التي عاصرتها والتي تلتها إلى اليوم ، وإن الثقافة الإسلامية الأصيلة كانت جارية عنها فقط ، حيث أثبتت البحوث أن غيرها من الثقافات المنتشرة بين المسلمين إنما انحدرت عن الأفكار المسيحية واليهودية بسبب الدَّاخلين منهم ، أو ملونة بصبغة الفلاسفة اليونان والهنود الذين ترجمت كتبهم إلى العربية ، فبنى المسلمون عليها أفكارهم وكوَّنوا بها مبادئهم .

    ولم تبق مدرسة فكرية إسلامية حافظت على ذاتيتها ووحدتها وأصالتها في جميع شؤون الحياة كما بقيت مدرسة الإمام الصادق (ع) ، ذلك لثقة التابعين بها وبأفكارها ، مما دفعهم إلى التحفظ بها وبملامحها الخاصـــة عبر قرون طويلة ، حتى أنهم كانوا ينقلون عنها الروايات فماً بفم ، وإذا كتبوا شيئا لا ينشروه إلاّ بعد الإجازة الخاصة ممن رووا الأفكار عنه .

    وإذا عرفنا بأن الثقافة الإسلامية – الشيعية منها أو السنّية – كانت ولا زالت تعتمد على الأئمة من معاصري الإمام الصادق (ع) كالأئمة الأربعة ممن توقف المسلمون على مذاهبهم فقط ، وبالتالي عرفنا بان معظم هؤلاء الأئمة أخذوا من هذه المدرسة أفكارهم الدينية ، حتى أن ابن أبي الحديد أثبت أن علم المذاهب الأربعة راجع إلى الإمام الصادق في الفقه . وقد قال المؤرخ الشهير أبو نعيم الأصفهاني : ( روى عن جعفر عدة من التابعين منهم : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وأيوب السختياني ، وأبان بن تغلب ، وأبو عمـرو بن العلاء ، ويزيد بن عبد اللـه بن هاد ، وحدث عنه الأئمة الأعلام : مالك بن أنس ، وشعبة الحجـــــاج ، وسفيان الثوري ، وابن جريح ، وعبد اللـه بن عمر ، وروح بن القاسم ، وسفيان بن عيينه ، وسليمان بن بلال ، وإسماعيل بن جعفر ، وحاتم بن إسماعيل ، وعبد العزيز بن المختار ، ووهب بن خالد ، وإبراهيم بن طهمان ، في آخرين ، وأخرج عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه محتجاً بحديثه (2).

    إذا عرفنا ذلك صح لنا القول بأن الثقافة الإسلامية الأصيلة ترجع إلى الإمام الصادق (ع) وإلى مدرسته فقط .

    ومن جانب آخر إذا عرفنا بأن تلميذاً واحداً من الملتحقين بهذه المدرسة ألّف زهاء خمسمائة رسالة في الرياضيات كلها من إملاء الإمام الصادق (ع) ، وهو جابر بن حيان المعلم الرياضي الشهير الذي لا يزال العالم يعرف له فضلاً كبيراً على هذه العلوم وأيادي طويلة على أهلها .

    وروى عنه محمد بن مسلم ستة عشر ألف حديث في مختلف العلوم ، وآخرون من هؤلاء الأفذاذ ، حتى قال قائلهم رأيت في هذا المسجد – أي مسجد الكوفة – تسعمائة شيخ كل يقول : ( قال : جعفر بن محمد ) . حتى أن أبا حنيفة كان يقول :

    ( لولا السَّنتان لهلك النُّعمان ) .

    وأخيراً عرفنا بانه لم يرو عن أحد من الأئمة الإثني عشر – بل عن المعصومين الأربعة عشر وفيهم رسول اللـه (ص) – بقدر ما روي عن الإمام الصادق (ع) . ولقد جمع المتأخرون من الشيعة ما روي عنهم في مجلدات ضخمة : فكان البحار للمجلسي يحوي مائة وعشرة مجلدات ، وكان جامع الأخبار للنراقي مثيلاً له ، وكان مستدرك البحار نظيراً له ، وقد احتوت غالبية هذه الكتب ونظائرها على أحاديث الإمام الصادق (ع) وأكثرها في الفقه والحكمة والتفسير وما إلى ذلك .

    أما في سائر العلوم فلم يصل إلى أيدينا إلاّ الشيء القليل ، حيث ذهب معظمها ضحية الخلاف السياسي الذي أعقب عصر الإمام ، فكم من كتب مخطوطة للشيعة أحرقتها نيران المنحرفين ، وكان نصيب مكاتب الفاطميين بمصر أكثر من ثلاثة ملايين كتاباً مخطوطا ، وكم من كتب لفتها أمواج دجلة والفرات وأحرقتها مطامع العباسيين ببغداد والكوفة ، وكم من محدّث واسع المعرفة جمّ الثقافة ظلت العلوم هائجة في فؤاده لا يستطيع لها نشراً خوفاً من إرهاب العباسيين وإجرامهم ، فهذا ابن أبي عمير ظلَّ في سجون بني العباس مدة طويلة – ومن المؤسف – أن ما كتبها هجرت في هذه المدة حتى عفنت واكلها التراب ، وراحت أحاديث كثيرة منها صحيحة الأعمال . وهذا محمد بن مسلم حفظ ثلاثين ألف حديثاً عن الإمام الصادق ولم يرو منها شيئاً .

    إذا عرفنا كل ذلك أمكننا معرفة مدى شمول ثقافة هذه المدرسة العالم الإسلامي ومدى سعة أفقها الرحيب .

    والمشهور أن منهاج الإمام الصادق كان يوافق أحدث مناهج التربية والتعليم في العالم ، حيث ضمت حوزته اختصاصيين كهشام بن الحكم الذي تخصص في المباحث النظرية ، وتخصص زرارة ومحمد بن مسلم وأشباههم في المسائل الدينية ، كما تخصص جابر بن حيان في الرياضيات ، وعلى هذا الترتيب .

    حتى أنه كان يأتيه الرجل فيسأله عما يريد من نوع الثقافة ، فيقول الفقه فيدله على إخصائيه ، أو التفسير فيومىء إلى صاحبه ، أو الحديث والسيرة ، أو الرياضيات ، أو الطب ، أو الكيمياء ، فيشير إلى تلامذته الاخصائيين ، فيذهب الرجل بملازمة من أراد حتى يخرج رجلاً قديراً بارعاً في ذلك الفن .

    ولم يكن الوافدون إليه من أهل قطر خاص ، فلقد كانت طبيعة العالم الإسلامي في عصره تقضي على الأمة بتوسيع الثقافة والعلم والمعرفة في كل بيت .. حيث أن الفتوحات المتلاحقة التي فتحت على المسلمين أبواباً جديدة من طرق العيش وعادات الخلق ، وأفكار الأمم ، كانت تسبب احتكاكاً جديداً للأفكار الإسلامية بالنظريات الأخرى ، ولسبيل الحياة عند المسلمين بعادات الفرس والروم وغيرهما من جارات الدولة الإسلامية ، كما خلقت مجتمعاً حديثاً امتزج فيه المتأثر العميق بالوضع ، والمنحرف الكامل عن الإسلام ، مما سبب حدوث تناقضات في الحياة ، قد ترديه وتحدث لديه انعكاسات سيئة جداً لذلك الامتزاج الطبيعي المفاجىء .

    لذلك هرعت الأمـــة يومئذ إلى العلم والثقافة والتصقت بأبي عبد اللـه الصادق (ع) مؤملة الخضب الموفـور ، ووفدت عليه من أطراف العالم الإسلامي طوائف مختلفة ، وساعدهم على المثول عنده مركزه الحساس ، حيث اختار – في الأعم الأغلب – مدينة الرسول (ص) التي كانت تمثل العصب الحساس في العالم الإسلامي ، ففي كل سنة كانت وفود المسلمين تتقاطر على الحرمين لتأدية مناسك الحج المفــروضـــة ولحـــل مسائلهم الفقهية والفكريـــة . فيلتقون بصادق أهـــل البيت (ع) وبمدرستـــه الكبـرى حيث يجدون عنده كل ما يريدون .

    ويجدر بنا المقام هنا أن نشير إجمالا إلى موجة الإلحاد التي زحفت على العالم الإسلامي في عهد الإمام الصادق (ع) ، وقد اصطدمت بمدرسته ، فإذا بها الصَّد المتين ، والسَّد الرصين ، الذي حطم قواها وجعلها رذاذاً ، وباعتبار أننا نحاول أن نلخّص حياة إمامنا العظيم ونحدد ملامح مدرسته الكبرى ، يلـــزم أن نلم موجزاً بهذه الموجة الشاملة .

    لقد أشرنا قريباً إلى أن الفتوحات الإسلامية سببت احتكاكاً عنيفاً بين المسلمين وبين الداخلين ، ولأن أغلب المسلمين لم يكونوا قد تفهموا الإسلام تفهماً قويماً ، ولا وعوه وعياً مستوعباً ، فإن نتيجة هذا الاصطدام كانت سيئة ، إذ أدّى إلى تشعب المسلمين إلى فرقتين :

    الأولى : المحافظون المتزمتون الذين اتخذوا ظاهر الديـن ولم يتفهموا جوهره وحقيقته ، فإذا بهم يفقدون عقولهم ويفقدون معها مقاييس الأشياء ، وكانت الخوارج من فرسان هذا الإتجاه ، كما كانت الأشاعرة مع ملاحظة ما بين طوائفهم من اختلاف في الكمية والكيفية .

    والثانية : المتطورون المفرّطون الذين بالغوا في التأثر بالوضع وألغوا المقاييس ، واكتفوا بما أوحت إليهم عقولهم الناقصة ، حسب اختلاف النزعات وتطور الظروف ، وكان في مقدمتهـم الملحدون ثم – مع اختلاف كثير – كانت المعتزلة ومن إليهم من الفرق الأخرى .

    وبطبيعة الحال كان الملحدون متسترين بسبب الوضع الاجتماعي القاسي الذي يعتبر فيه المرتد أسوأ حالاً من الكافر الأصيل ، وكانوا أقلاء في نفس الوقت ، بيد أنهم كانوا يستقون أفكارهم من فلسفة اليونان التي كان العرب لا يعرفها حتى ذلك اليوم ، وحيث تمت صلتهم بها عن طريق حركة الترجمة المنتشرة من عهد الإمام فصاعداً .

    ولذلك كان القليل من المسلمين الذين تفهموا فلسفة الإسلام النظرية من جميع أبعادها ، وعرفوا الاختلاف بينها وبين سائر النظريات ، واستطاعوا أن يقيموا الحجة البالغة على صحة مبادئ الإسلام الفكرية ودحض ما سواها .

    وقد اصطدم هؤلاء بمن اقتصرت معلوماتهم على مجموعة من الأحاديث التي يروونها عن أبي هريـرة أو غيره ، غير مبالين بما فيها من تناقضات جمة ، وكانوا يحسبون أنهم على حق ، وأن لهم مقدرة كافية لإثبات مزاعمهم الباطلة ، فترى أحدهم يشكل حزباً ويدعو إليه الناس سراً .

    لذلك تحتم على الإمام الوقوف في وجههم وتبديد مزاعمهم . فرسم ثلاثة خطط حكيمة لذلك :

    الأولى : لقد خصّ فرعاً من مدرسته بالذين يعرفون فلسفة اليونان بصورة خاصة وغيرها بصورة عامة ، ويعرفون وجهة نظر الإسلام إليها والحجج التي تنقضها ، وكان من هؤلاء هشـام بن الحكـم المفّوه الشهـير ، وعمران بن أعين ، ومحمد بن النعمان الأحول ، وهشام بن سالم ، وغيرهم من مشاهير علم الحكمة والكلام ، العارفين بمقاييس الإسلام النظرية أيضا .

    الثانية : وكتب رسائل في ذلك ، مثل رسالته المدعاة بـ ( توحيد المفضل ) ، ورسالته المسمـــاة بـ (الإهليلجة) وما إليها .

    الثالثة : المواجهة الشخصية لزعماء فكرة الإلحاد . وباعتبار أن هذه العملية الأخيرة كانت أبلغ في مقابلة الموجة من اللتين سبقتا ، لذلك يجدر بنا الوقوف عندها قليلاً لقراءة بعض القصص والأحداث المهمة :

    1 – كان ابن أبي العوجاء وابن طالوت وابن الأعمى وابن المقفع مجتمعين بنفر من الزنادقة في الموسم بالمسجد الحرام ، وكان الإمام الصادق (ع) متواجداً آنذاك يفتي الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل بالحجج والبينات . فطلب القوم من ابن أبي العوجاء تغليظ الإمام وسؤاله عما يفضحه بين المحيطين به .

    فأجابهم بالإيجاب واتجه – بعد ان فرَّق الناس – صوب الإمام ، وقال : يا أبا عبد اللـه إن المجالس أمانــــات (3) ولا بدّ لكل من به سؤال أن يسأل ، أفتأذن لي في السؤال ؟ فقال له أبو عبد اللـه : سل إن شئت .

    فقال ابن أبي العوجاء : إلى كم تدوسون هذا البيدر ، وتلوذون بهذا الحجر ، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر ، وتهرولون حوله هرولة البعير ، فهناك من فكّر في هذا وقدّر بأنه فعل غير حكيم ولا ذي نظر . فقل فإنك رأس هذا الأمر وسنامه ؟

    فقال الصادق (ع) :

    “ إن من أضله اللـه وأعمى قلبه استوهم الحق فلم يستحث به ، وصار الشيطان وليّه وربّه يورده مناهل الهلكة ولا يصدره ، وهذا بيت استعبــــد اللـه به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثهم على تعظيمه وزيارته ، وجعله قبلة للمصلين له ، فهو شعبة لرضوانه ، وطريق يؤدي إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال ، خلقه اللـه قبل دحو الأرض بألفي عام ، فأحق من أطيع فيما أمر وانتهى عما زجر ، هو اللـه المنشئ للأرواح والصور “ .

    فقال له ابن أبي العوجاء : فأحلت على غائب .

    فقال الصادق (ع) : “ كيف يكون يا ويلك غائباً من هو مع خلقه شاهد ، وإليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم ويعلم أسرارهم ، لا يخلو منه مكان ، ولا يشغل به مكان ، ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان ، تشهد له بذلك آثاره ، وتدل عليه أفعاله ، والذي بعثه بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة محمد رسول اللـه (ص) الذي جاءنا بهذه العبادة ، فإن شككت في شيء في أمره فاسأل عنه “ .

    فأبلس ابن أبي العوجاء ولم يدر ما يقول ثم انصرف من بين يديه ، وقال لأصحابه : سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة (4) فألقيتموني على جمرة .

    فقالوا له : أسكت فو اللـه لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه . فقال : إليّ تقولون هذا ، إنه ابن من حلق رؤوس من ترون – وأومأ بيده إلى أهل الموسم – .

    ومرة أخرى جاء إليه يسأله عن حدوث العالم ؟

    فقال (ع) : “ ما وجدت صغيراً ولا كبيراً إلاّ إذا ضم إليه صار أكبر ، وفي ذلك انتقال عن الحالة الأولـــى ،

    ولو كان قديماً ما زال ولا حال ، لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل ، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث ، وفي كونــه في الأزل دخول في القدم ، ولن يجتمع صفة الحدوث والقدم في شيء واحد “ .

    فقال ابن أبي العوجاء : هب علمك في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت استدللت على حدوثها ، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدوثها ؟

    فقال (ع) : “ إنا نتكلم عن هذا العالم الموضوع ، فلو رفعناه ووضعنا عالماً آخر كان لا شيء أدلّ على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره ، ولكن أجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا فتقول : إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ضم شيء منه شيء إلى منه كان أكبر ، وفي جواز التغّير عليه خروجه من القدم ، إن في تغّيره دخوله في الحدث ، وليس لك وراءه بشيء يا عبد الكريم “ (5) .

    ومرة جاء وقد جمع كيده وحشد أدلته وحدّ اظفاره ، فما أن تباحث مع الإمام حتى أفحم إفحاما ، فقام ولم يرجع حتى هلك (6) ، وطوي بموته على هذه الشاكلة صفحة إلحاد كان لها أنصار وأعوان ، ومضى زعيم إلحاد كان له صولة وجولة وحزب كبير .

    2 – يروى عن هشام بن الحكم أنه قال : كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد اللـه علم ، فخرج إلى المدينة ليناظره فلم يصادفه بها ، وقيل هو بمكة فخرج إلى مكة – ونحن مع أبي عبد اللـه (ع) آنذاك – فانتهى إليه وهو في الطواف ، فدنا منه وسلم .

    فقال له أبو عبد اللـه (ع) : ما اسمك ؟

    قال : عبد الملك .

    قال : فما كنيتك ؟

    قال : أبو عبد اللـه .

    قال : فمن ذا الملك الذي أنت عبده ، أمن ملوك الأرض أم من ملوك السماء . وأخبرني عن ابنك أعبد إله السماء أم عبد إله الأرض ؟ فسكت . فقال : ابو عبد اللـه قل . فسكت .

    فقال له (ع) : إذا فرغت من الطواف فأتنا . فلما فرغ ابو عبد اللـه ( عليه السلا) من الطواف أتاه الزنديق ، فقعد بين يديــــه – ونحن مجتمعون عنده – فقال أبو عبد اللـه (ع) : أتعلم أن للأرض تحتاً وفوقــــاً ؟

    فقال : نعم .

    قال : دخلت تحتها ؟

    فقال : لا .

    قال : فهل تدري ما تحتها ؟

    قال : لا أدري إلاّ أني أظن أن ليس تحتها شيء .

    فقال : فالظن عجز ما لم تستيقن .

    ثم قال له : صعدت إلى السماء ؟

    قال : لا .

    قال : أفتدري ما فيها ؟

    قال : لا .

    قال : فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما ؟

    قال : لا .

    قال : فالعجب لك لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل تحت الأرض ولم تصعد إلى السماء ولم تجد ما هناك فتعرف ما خلفن وأنت جاحد ما فيهن ، وهل يجحد العاقل مالا يعرف .

    فقال الزنديق : ما كلمني بهذا غيرك .

    فقال أبو عبد اللـه (ع) : فأنت من ذلك في شك ، فلعل هو ولعل ليس هو .

    قال : ولعل ذلك .

    فقال ابو عبد اللـه (ع) : “ أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم ، ولا حجة للجاهل على العالم ، يا أخا أهل مصر تفهم عني ، أما ترى الشمس والقمر والليل والنهار يلجان ولا يستبقان يذهبان ويرجعان ، – قد اضطرّا ، ليس لهما مكان إلاّ مكانهما ، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعان ، وإن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهاراً والنهار ليلاً . واللـه يا أخا أهل مصر ان الذي تذهبون إليه وتظنون من الدهر ، فإن كان هو يذهبهم فلم يردهم ، وإن كان يردهم فلم يذهب بهم ، أما ترى السماء مرفوعة والأرض موضوعة لا تسقطهـا على الأرض ولا تنحـدر الأرض فـوق ما تحتـها ، أمسكها واللـه خالقها ومديرها “ .

    قال : فآمن الزنديق على يدي أبي عبد اللـه (ع) ، فقال لهشام : خذه الليلة وعلمه .

    3 – وجاء إليه زنديق آخر وسأله عن أمور نظرية ، فكان بينهما الحوار التالي :

    قال كيف يعبد اللـه الخلق ولم يروه ؟

    قال ابو عبد اللـه (ع) : “ رأته القلوب بنور الإيمان ، وأثبتته العقول بيقظتها إثبات العيان ، وأبصرته الأبصار بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف ، ثم الرسل وآياتها والكتب ومحكماتها ، واقتصرت العلماء على اماراته من عظمته دون رؤيته “.

    قال : أليس هو قادر على أن يظهر لهم حتى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين ؟

    قال (ع) : “ ليس لمحال جواب “ (7) .

    قال : فمن أين أثبت أنبياءً ورسلاً ؟

    قال (ع) : “ إنما لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا أن يلامسوه ، ولا أن يباشرهم ويباشروه ، ويحتاجهم ويحتاجوه ، ثبت أن له سفراء عباداً يدلونهم على مصالحهم ومنافعهم ، وما به بقاؤهم ، وفي تركه فنائهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، وثبت عند ذلك أن لهم معبّرين – هم الأنبياء وصفوته من خلقه – حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين عنه ، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم له في الخلق والتدبير ، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص “ .

    قال : من أي شيء خلق الأشياء ؟

    قال (ع) : من لا شيء !

    فقال : كيف يجيء بشيء من لا شيء ؟

    قال (ع) : “ إن الأشياء لا تخلو ، إما أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء ، فإن كانت خلقت من شيء فإنَّ ذلك الشيء قديم ، والقديم لا يكون حديثا ولا يتغير ، ولا يخلو ذلك الشيء جوهراً واحداً ولوناً واحداً ، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة والجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتى ، ومن أين جاء الموت إن كان الشيء الذي أنشئت منه الأشياء حيّاً ، أو من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشيء ميتاً ، ولا يجوز أن يكون من حي وميت ، لأن الحي لا يجيء منه ميت وهو لم يزل حيّاً ، ولا يجوز أيضاً ان يكون الميت قديماً ، لم يزل لما هو به من الموت لأن الميت لا قدرة به ولا بقاء “ .

    ثم قال : من أين قالوا أن الأشياء أزلية ؟

    قال (ع) : “ هذه مقالة قوم جحدوا مدبر الأشياء ، فكذبوا الرسل ومقالتهم والأنبياء وما أنبأوا عنه ، وسموا كتبهم أساطير ووضعوا لأنفسهم ديناً بآرائهم ، وإن الأشياء تدل على حدوثها من دوران الفلك بما فيه .. إلى آخر حديثه الطويل “ .

    وعندما ننهي الحديث عن هذه المحادثات الغزيرة بالنظريات الفلسفية من جانب ، والنظريات الدينية من جانب آخر ، ثم بالتوفيق بينهما ورد الأفكار الباطلة – عند ذلك – يجب أن نعرف أن الفلسفة الإسلامية لم تستطع أن تقوم لها قائمة إلاّ بعد قرن كامل من انقضاء مدرسة الإمام الصادق (ع) ، فهناك استطاع المسلمون أن ينشئوا مدرسة ذات أصالة وملامح خاصة من بين مدارس العالم الفلسفية ، ومع ذلك فإنا نرى أن هذه النظريات التي استفاضت بها أحاديث الإمام الصادق تتمتع بأصالة وذاتية كاملة ، في حين أن غيرها بدى مثل غثاء البحر الذي يجتمع إليه من كل جانب شيء دون أن يكون فيها أي تجاوب أو تناسب – هذا في صورتها – أما في واقعها فإنها فشلت في التوفيق بين المبادئ الدينية والدراسات الفلسفية فشلاً ذريعاً ، حتى التجأت إلى التأويل في النصـوص الإسلاميـة الصريحة ، أو الطرح لها رأساً ، لدرجة لم تعد هي فلسفة الإسلام أبداً .

    بينما نرى نظريات الإمام الصادق (ع) في دراساته لا زالت من صميم الفكرة الإسلامية وآيات الذكر وآثار النبي ، ومن قوانين الإسلام ونظمه حتى لكأنه جزء لا يتجزأ من كيان موحد أصيل ، في نفس الوقت الذي نرى توفيقه الشامل لفطرة الإنسان ووحي ضميره سواء في المعنى أو في الدليل .

    (1) لقد جمع الحافظ ابن عقدة الزيدي أسماء الرواة عن أبي عبد اللـه (ع) فكانوا أربعة آلاف ، وجاء ابن القضائري فاستدل على ابن عقدة فزاد عليهم .

    (2) حلية الأولياء : ( 3 / 199) .

    (3) إن هذه الكلمة اعتادت العرب استعمالها عندما يريدون أن يقولوا شيئا مكتوباً يسترونه عن الناس .

    (4) أي فراش يستريح عليه .

    (5) الاحتجاج : ( ص 76) .

    (6) ذكر العلامة المظفر في كتابه ( الإمام الصادق ) أن سليمان عامل الكوفة من قبل المنصور قتل ابن أبي العوجاء لالحاده وزندقته .

    (7) إشارة إلى أن رؤية اللـه محالة ، حيث ان اللـه ليس بحجم حتى يدركه البصر ، ولا بمحاط حتى يحيط به الفكر ، ولا بحدود حتى يحدده الوصف ، وإنما هو فوق ذلك كله ، وقدرة اللـه وإن كانت شاملة إلاّ أن الشيء حيث لا يقبل إلاّ مكان فكيف يوجد .

  5. الفصل الثالث: مواقــف مشرقــة

    عـرض موجـز للأحــداث :

    بنو أمية عشيرة تنتسب إلى قريش عن طريق أمية بن حرب ، وكانت تناوئ بني هاشم في الجاهلية ، حتى جاء الرسول محمد (ص) وجاءت معه الدعوة الإسلامية فعارضتها هذه العشيرة أشد معارضة حتى فشلت أمام قوتها واستسلمت إلى حين .

    ومات النبي (ص) وجرت أحداث التاريخ هائجة طائشة ، ولم يكن عند بني أمية أمل العودة إلى المسرح السياسي حتى حلت الخلافة في بيت عثمان ، فوجدت بصيصاً من الأمل فراحت تتبعه .

    وشاء القدر أن يقتل عثمان ، كما شاء التاريخ أن يقوم بنو عمه بطلب ثأره . من هنا بدأ تاريخ بني أمية ظاهراً في الحكومة الإسلامية .

    حارب معاوية علياً (ع) الخليفة الشرعي للأمة بحجة طلب الثأر لعثمان ، فلما وجد أنصاراً كثيرين نصب نفسه على الناس ، ثم تطور وقال : إني وبنيِّ الملوك ، والناس عبيد صاغرون لنا .

    وانحدرت سلسلة بني أمية تحكم الناس على أنها المالكة لأمرهم وهم المطيعون ، وإلاّ فالسيف وكل أنواع الفتك والتعذيب مآلهم .

    وانفجرت من الناس ثورات تعارض الوضع بكل صراحة ومع أنها فشلت آخر الأمر ، لكنها أبقت ضمائرها لتحيا ذات مرة وتقود المسير .

    وكانـت الثـورات قـد اتخـذت طابعـاً واحـداً – تقريباً – هو الأخذ بثأر الإمام الحسين (ع) ابن بنت رسول الأمة الذي جاهد الباطل للحق فقتل أفظع ما تكون قتلة في التاريخ .

    أما بنو العباس فهي فرقة تنتمي إلى عم الرسول ، كانت لها سوابق لا بأس بها في تاريخ المعارضة السياسيـة لدولة بني أمية ، أكسبتها مزيداً من الكرامة والاعتبار بين الشعب الساخط على سياسة الأموييـن .

    وجاءت سنة الثورة وأرسلت الثورات مبعوثها إلى خراسان – آخر نقطة تقريباً من البلاد الإسلامية – حيث يتواجد أنصار الدعوة ، لتعلن الثورة في الوقت المعلوم .

    وكان أبو مسلم الخراساني فردا مؤمنا بضرورة قلب الأوضاع مهما يكن من أمر ، ولم يكن يؤمن بغير ذلك أبداً . وهذا الإيمان في الواقع أصمّه وأعماه ، وعدم إيمانه بغيرها هو الذي سبب نجاح بني العباس في ثورتهم دون غيرهم ممن خرجوا على الدولة ، حيث أن الثائرين على الأغلب كانوا يتورعون من ارتكاب المحرمات ولو ضمنت نجاحهم الدائم ، في نفس الوقت الذي لم يكن أنصار بني أمية محجمون عن أي عمل يدعم سلطانهم أو يفني عدوهم ، فإذا حاربهم من كان مثلهم في هذه التبعية تساوى احتمال نجاح الطرفين .

    لم يكن أبو مسلم فريداً بين المنتمين إلى الدعوة العباسية الجديدة ، بل إن الأكثرية الغالبة من قادتها كانوا من هذا الطراز ، فلم يروا عائقا يمنعهم عن السيادة والاستئثار بالحكم إلاّ اعتبروا العمل لإزالته ، عملاً حسناً بأي صورة كانت .

    لقد استلم أبو مسلم من مركز القيادة – الكوفة – واصدر أوامر كانت هذه بعض فقراتها:

    “ إنك رجل منا – أهل البيت – إحفظ وصيتي ، أنظر هذا الحي من اليمن فالزمهم واسكن من أظهرهم ، واتّـهم ربيعة في أمرهم ، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار واقتل من شككت فيه ، وإن استطعت ألا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل ، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله ولا تخالف هذا الشيخ سليمان بن كيد ولا تعصه ، وإذا أشكل عليك الأمر فاكتف به مني والسلام “ .

    وهو بالذات لا يحتاج إلى مثل هذه الأوامر لأنه – كما سبق – كان رجلاً سفاكاً إلى أبعد الحدود ، فكم غدر بالقادة المعارضين له بعدما استضافهم في بيته ، وكم أعطى الأمان لرجال صالحين ثم نكّل بهم وقتّلهم تقتيلاً ، وكم قتل الأبرياء بغير جريمة ، وكم هتك الحرمات بغير مبرر ، وكم وكم ..

    أمــا القادة في الكوفة فلم يكونوا بأقل إجراماً منه ، فقد بايعوا رجلاً من بني هاشم هو محمد بن عبد اللــه (1) ، وحينما وجدوا فرصة سرقوا الثورة واستأثروا بخيراتها وأنزلوا العذاب بمن ناصرهم في الأمس بل بالمؤسس للفكرة وبالذي بايعوه عن قريب فقد أخذوه وقتلوه غدراً .

    وهذا أبو مسلم الذي كان المؤسس للدولة قد غدر به المنصور فقتله شر قتله ، وغدر بعيسى بن موسى وعزله عن ولاية العهد بعدما جعلها له إكراماً لما قدمه إليه من خدمات جليلة .

    كمــا غـدر بنو العباس بكل مـن أبي سلمـة الخلال ، ويعقوب بن داود ، وفضل بن سهل ، وجعفر البرمكي ، ويحيى الحسني ، وغيرهم … ممن أسدوا إليهم خدمات كانت جديرة بأن تشكر وتجزى خير جــزاء .

    موقف الإمام :

    يعتقد البعض أن عصر الإمام الصادق (ع) كان يمكن أن يكون من أنسب العصور وأخصبها لو كان الإمام يشتغل للثورة الحقة التي ترجع الخلافة إلى المؤهل لها من عند اللـه عزّ وجلّ ومن لدن رسوله (ص) ، لكونه عصر تطور – بالغ الخطورة – في التاريخ الإسلامي ، حيث أزاح الستار عما كان الزمن قد ستره من الحقائق الدينية ، ولكن الواقع ينبئ بغير هذا الزعم وهو أن الإمام الصادق (ع) لم يكن يستطيع النهوض بإظهار الدعوة على المسرح السياسي في يوم من الأيام ، فأما في عصر الأمويين فلما سبق من أنهم لم يكونوا يتورعون من أي جريمة يرتكبونها في سبيل إخماد ثورة ضدهم ، مع أن الإمام (ع) لم يلجأ إلى الباطل في طريق الحق ولم يستعن بالظلم لتطبيق العدل ، وأما بنو العباس فلم يكونوا بأحسن أعمالاً من إخوانهم بني أمية ولا بأورع عن الفتك والمكر في سبيل توطيد ملكهم ، ولذلك استطاعوا أن ينسفوا عرش بني أمية نسفا – وهكذا ضرب الباطل بالباطل وكان بينهما تبديلاً – .

    كما استغل العباسيون كل نشاط لدعوة بني هاشم ، واستفادوا من الاستياء العام الذي صنعه الطالبيون – ولا زال الناس يلقون بآمالهم الكبيرة عليهم – لذلك لم يمكن النهوض بعبأ الثورة الشيعية لاسيما تلك التي يتورع فيها عن أي سفك للدماء البريئة وأي هتك للحرمات المقدسة .

    ويدلنـــا على عدم وجود مؤهلات النهوض في عصر العباسيين أن طائفة من بني عمومـــــة الإمـــام ثـــاروا – سواء في عصر الإمام (ع) أو بعده – فلم يفلحوا وكان مصيرهم نفس المصير الذي لقيه أباؤهم في عصر الأمويين أبداً .

    ومع ذلك كله فإن الإمام (ع) كان يدعم أسس الثورة الفكرية الجامحة التي تؤدي إلى الثورة السياسية أيضاً ، وذلك بنشر الحقائق الدينية والتاريخية بصراحة وبدون غموض ، مما أدى إلى تهيئة جوّ صالح لغرس نواة الانقلاب الفكري السياسي ، حتى أنه قرر أن يكون الإمام موسى بن جعفر الكاظم – نجل الصادق (ع) – قائم آل محمد (ص) الذي كان تعبيراً عن رجوع الدولة المغتصبة والحق المضيع إليهم، حيث أن الشيعة لمسوا فيه رعايات واسعة لها تاثيرها في تحويل الوضع السياسي ، ولكن أتباع الدعوة الشيعية خانوها بإفشاء سر النهج والطريق المرسوم ، وكانت النتيجة أن ألقي القبض على الإمام الكاظم (ع) وسجن سنوات طويلة وأنزل على الشيعة الويل والعذاب بشتى الصور .

    ولكن روح الثورة التي خلقها الإمام الصادق (ع) ظلت متوثبة – حتى – بعد موت هارون الرشيد في زمان الإمام الرضا (ع) حفيد الإمام ، وانتهت بإعـلان ولاية العهد الذي كان سبيلاً مباشراً لرجوع الخلافة إلى أبناء علي (ع) ولكن شاء القدر باستشهاد الإمام الرضا (ع) قبل موت المأمون .

    وعلى أي حال فإن الإمام الصادق (ع) خلق جوأً صالحاً للثورة في هذه السنوات التي تولى فيها إمامة المسلمين بعد أبيه (ع) .

    ومن الطبيعي أن لا تتركه السلطات هادئاً يمشي في طريقه المرسوم وإن كان لا يعارضهم معارضة مباشرة ، لأن مقاطعته للعباسيين كانت لهم نذير سوء ، ومثيرة لسخطهم البالغ عليه وعنفهم الشديد له .

    فقد دعاه المنصور ليسير في ركابه كما سار غيره من أئمة الجور . حيث أرسل إليه يقول : ألا تغشانا كما يغشانا الناس ؟

    فإجابه الإمام (ع) : “ ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنيك ولا نراك في نقمة فنعزيك بها . فما نصنع عندك “ ؟

    فكتب إليه المنصور : تصحبنا لتنصحنا .

    فأجابه (ع) : “ من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك “ .

    فقال المنصور واللـه لقد ميز عندي منازل الناس من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة .

    والآن حيث انتهيت من وضع الخطوط العريضة لسياسة الإمام الصادق (ع) مع السلطات المعاصرة ينبغي لي أن أشير إلى بعض الأحداث التي جرت على الإمام (ع) أو على بعض مواليه من المحن التي لاقوها من السلطة لا لشيء إلاّ لأنهم أرادوا الحق ودعوا إليه ، تاركاً البحث حولها إلى مجال آخر .

    أشخص السفاح الإمام الصادق (ع) من المدينة إلى الحيرة ليفتك به ، ولكن كفاه اللـه من ذلك .

    وجاء دور المنصور فتعاهد الإمام بالأذى اثنتي عشرة سنة ، وأشخصه سبع مرات في المدينة والربذة والكوفة وبغداد ، وفي كل مرة يستدعيه المنصور ، فإذا جاء إليه أنذر وأعذر وذهب بالذل ، ورجع الإمام بالخير والمعروف .

    وإني إذ أنقل إليك أخي القارئ تفصيل هذا الاستحضار في أوائل خلافة المنصور وأواخرها ابتغاءً لبيان حدة الخلاف ونوعيته بين المنصور وبينه (ع) .

    1 – روى السيد ابن طاوس نقلاً عن الربيع حاجب المنصور أنه قال : لما حج المنصور – ربما يكون في سنة 140 أو 144 هجرية – وصار بالمدينة سهر ليلة فدعاني فقال : يا ربيع انطلق في وقتك هذا على أخفض جناح وألين مسير ، وإن استطعت أن تكون وحدك فافعل حتى تاتي أبا عبد اللـه جعفر بن محمد (ع) فقل له هذا ابن عمك يقرأ عليك السلام ويقول لك :

    “ إن الدار وإن نأت ، والحال وإن اختلفت ، فإنا نرجع إلى رحم أمس من يمين بشمال ونعل بقبال ، وهـو يسألك المصير إليه في وقتك هذا ، فإن سمح بالمصير معك فأوطئه خدّك ، وإن امتنع بعذر أو غيره فأردد الأمر إليه في ذلك ، وإن أمرك بالمصير إليه في تأن فيسر ولا تعسر ، واقبل العفو ولا تعنف في قول ولا فعل “ .

    قال الربيع : فصرت إلى بابه فوجدته في دار خلوته ، فدخلت عليه من غير استئذان فوجدته معفراً خديه مبتهلاً بظهر كفيه قد أثر التراب في وجهه وخديه .

    فأكبرت أن أقول شيئا حتى فرغ من صلاته ودعائه ثم انصرف بوجهه . فقلت : السلام عليك يا أبا عبد اللـه .

    فقال : وعليك السلام يا أخي ، ما جاء بك ؟

    فقلت : ابن عمك يقرأ عليك السلام .. حتى بلغت آخر الكلام .

    فقال : ويحك يا ربيع ! { أَلَــمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللـه وَمَـــا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُـــــوا كَالَّذِينَ اُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الاَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } (الحديد/16 )

    { أَفَاَمِنَ أَهْلُ الْقُـرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَاَمِنُوا مَكْرَ اللـه فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللـه إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } (الاعراف/97-99)

    قرأت على أمير المؤمنين السلام ورحمة اللـه وبركاته .

    ثـم أقبـل على الصلاة وانصرف إلى توجهه ، فقلت هل بعد السلام من مستعتب أو إجابة ؟

    فقال : نعم قل له :

    { أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيــــمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُـرَى } (النجم/33-40)

    وإنا واللـه يا أمير المؤمنين قد خفناك وخافت بخوفنا النسوة اللاّتي أنت أعلم بهن ، لابدّ لنا من الايضاح به ، فإن كففت وإلاّ أجرينا اسمك على اللـه عز وجل في كل يوم خمس مرات ( أي دعونا عليك مع كل صلاة دعاء لا يرد لأنه مع إخلاص ) .

    وأنت حدثتنا عن أبيك عن جدك أن رسول اللـه (ص) قال أربع دعوات لا يحجبن عن اللـه تعالى ، دعاء الوالد لولده والأخ لأخيه بظهر الغيب والمخلص .

    قال الربيع : فما استتم الكلام حتى أتت رسل المنصور تقفوا اثري وتعلم خبري ، فرجعت فأخبرته بما كان فبكى ، ثم قال : إرجع إليه وقل له الأمر في لقائك إليك والجلوس عنا ، وأما النسوة اللاّتي ذكرتهن فعليهن السلام فقد أمّن اللـه روعتهن وجلا همهن .

    قال : فرجعت إليه فأخبرته بما قال المنصور ، فقال : قل له وصلت رحماً وجزيت خيراً ثم اغرورقت عيناه حتى قطر من الدموع في حجره قطرات .

    2 – وعن محمد بن عبد اللـه الاسكندري كان من ندماء المنصور وخواصه ، أنه قال : دخلت على المنصور يوماً فرأيته مغتماً وهو يتنفس نفساً بارداً فقلت ما هذه الفكرة يا أمير المؤمنين !

    فقال لي : يا محمد لقد هلك من أولاد فاطمة مائة أو يزيدون وقد بقي سيدهم وإمامهم .

    فقلت له : من ذلك ؟

    قال : جعفر بن محمد الصادق .

    فقلت يا أمير المؤمنين : إنه رجل قد انَحَلته العبادة واشتغل باللـه عن طلب الملك والخلافة .

    فقال : يا محمد لقد علمت أنك تقول به وبإمامته ولكن الملك عقيم وقد آليت على نفسي الاَّ أمسي عشيتي هذه أو أفرغ منه .

    قال محمد : واللـه لقد ضاقت عليَّ الأرض برحبها ، ثم دعا سيافاً وقال له : إذا أنا أحضرت أبا عبد اللـه الصادق وشغلته بالحديث ووضعت قلنسوتي عن رأسي فهي العلامة بيني وبينك فاضرب عنقه .

    ثم احضر أبا عبد اللـه (ع) في تلك الساعة ولحقته في الدار وهو يحرك شفتيه فلم أدر ما الذي قرأ ، فرأيت القصر يموج كأنه سفينة في لجج البحار ورأيت أبا جعفر المنصور وهو يمشي بين يديه حافي القدمين مكشوف الرأس قد اصطكت أسنانه وارتعدت فرائصه يحمر ساعة ويصفر أخرى ، واخذ بعضد أبي عبد اللـه وأجلسه على سرير ملكه وجثا بين يديه كما يجثوا العبد بين يدي مولاه ، ثم قال : يا أبن رسول اللـه (ص) ما الذي جاء بك في هذه الساعة ؟

    قال : جئتك طاعة لله ولرسوله ولأمير المؤمنين أدام اللـه عزه .

    قال : ما دعوتك والغلط من الرسول . ثم قال : سل حاجتك ؟

    فقال : أسألك الا تدعوني لغير شغل .

    قال : لك ذلك وغير ذلك . ثم انصرف أبو عبد اللـه (ع) سريعاً وحمد اللـه عزّ وجلّ كثيراً .

    ودعا أبو جعفر المنصور بالدواويج – أي الألحفة والأغطية – ونام ولم ينتبه إلاّ في نصف الليل ، فلما انتبه كنت عند رأسه فترة ذلك ، وقال : لا تخرج حتى أقضي ما فاتني من صلاتي فأحدثك بحديث ، فلما قضى صلاته أقبل على محمد وحدَّثه بما شاهده من الأهوال التي أفزعته عند مجيء الصادق (ع) ، وكان ذلك سبباً لانصرافه عن قتله وداعياً لاحترامه والإحسان إليه .

    يقول محمد قلت له : ليس هذا بعجيب – يا أمير المؤمنين – فإن أبا عبد اللـه وارث علم النبي (ص) وجده أمير المؤمنين (ع) ، وعنده من الأسماء وسائر الدعوات التي لو قرأها على الليل لأنار ولو قرأها على النهار لأظلم ولو قرأها على الأمواج في البحور لسكنت .

    وهكذا استمر المنصور يدعو الإمام مرة بعد أخرى حتى دس إليه السم فقتله .

    ولم تقتصر مواقف الإمام المشرفة في التي وقفها مع المنصور فقط ، بل ، إن له مواقف مشابهة مع ولاة المنصور من ذلك ما يلي :

    1 – ذات مرة كان الصادق (ع) عند زياد بن عبد اللـه فقال الرجل : يابني فاطمة ما فضلكم على النــاس ؟ ( فسكت كل من كان في المجلس من الفاطميين خوفاً على أنفسهم من قتل الرجل ) .

    فقال الإمام : “ إن من فضْلنا على الناس أنا لا نحب أن نكون من أحد سوانا ، وليس أحد من الناس لا يحب أن يكون منا “ .

    2 – وكان داود بن علي والياً على المدينـة فأمـر مديـر الشرطة بإعدام ( معلى بن خنيس ) وهو من زعماء الشيعة البارزين ومن أصحاب الإمام الصادق (ع) المفوهين ، فنفذ مدير الشرطة أمر الرئيس .

    فلما قتل ( معلى ) جاء الإمام وقد اشتد غضبه على الحكم إلى الوالي يقول له : قتلت مولاي وأخذت مالي !! أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب .

    فاعتذر الوالي بانه لم يكن القاتل المباشر .

    فذهب إلى مدير الشرطة فاعترف بالجرم فأمر بضرب عنقه فقتله جزاءً على قتله وقوراً .

    (1) لقد بايع الهاشميون على الأغلب وفيهم السفاح والمنصور هذا الرجل الذي رشحته كفاءاته الكثيرة للقيادة فنصب نفسه لها وأعانه عليه أقرباؤه جميعاً . كل ذلك في محل بين المدينة ومكة يسمى بـ (الأبواء) .

  6. الفصل الرابع: مكــارم الاخــلاق

    ثقافتــه الواسعــة :

    لا نستطيع أن نحدد من ثقافة الإمام – أيّ إمام – إذا اعتقدنا بأن ثقافته صورة واضحة عن اتصاله باللـه تعالى ، حيث أنه يحدو بنا إلى الإعتقاد بأن اللـه يوحي إليه إلهاماً . وكذلك لا نستطيع أن نجد وصفاً شاملاً لثقافته إذا عرفنا بأن المفاهيم العادية التي نعيشها في حياة الإنسان لا تضبط كل ثقافته وكل معرفته ، لأن للإمام وللنبي ولبعض الملهمين من الصالحين قوة يهبهم إياها اللـه القدير ، تلتقط المعلومات عن الكون والحياة كما تلتقط آلة التصوير أو أفلام السينما صور الموجات ، وكما تلتقط العين وأعصاب الأذن جمال الحياة وصوت الأحياء ، فيعرف شيئاً جميلاً وفرداً متكلماً .

    وأعود فأقول : ليست ثقافة الإمام الصادق (ع) محـدودة بما قال أو بما حفظ عنه من آثار في مختلف العلوم ، بل أكبر من هذا سعة وأكثر رحابة وأبعد أفقاً ، لأن ثقافته اتصلت بالموجودات رأساً كما تتصل السحابة بالبحر ، والضياء بالشمس والعطر بالورد وحيث كان يستوحي أفكاره واتجاهاته ومعارفه من اللـه خالق البحر والشمس ، ومفتح الورد . فالوحي من اللـه فالنبي فالإمام ، وكذلك الإلهام من اللـه فالإمام .

    إن الحقيقة التي عبر عنها فم الإمام هي الحقيقة التي عرفها قلبه ، وحواها فكره ، وأدركتها روحه ، والتي نفخها بارئ الحقيقة في روح الإمام (ع) .

    وبعد كل هذا فإن هناك جانباً واحداً يهمنا من ثقافة إمامنا الصادق (ع) وهو أنها كانت معجزته كما كان معجزة النبي (ص) قرآنه ، وإنه يعلم كل شيء يحتاج إليه الإنسان ، وهذا الجانب وحده هو الذي حدا بالجعفرية أن يتبعوا مدرسته الفكرية في كل عصر .

    وهنا يجدر بنا أن ننقل اعترافات بعض الزعماء والمفكرين بمدى سعة آفاق الإمام العلمية ، ومدى رحابة مكانته الثقافية ، التي جعلت من أعدائه منابر المدح ومنصات الثناء .

    قال فيه أبو حنيفة : “ ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد “ و “ جعفر بن محمد أفقه من رأيت “ .

    وقال فيه الشهرستاني : “ وهو ذو علم غزير في الدين وأدب كامل في الحكمة “ .

    وقــــال فيه ابن حجر الهيثمي : “ جعفر بن محمد الصادق نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته في جميع البلدان ، وروى عنه الأئمة الكبار “ .

    وقال فيه السيد أمير علي صاحب كتاب مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي :

    “ لا يفوتنا أن نشير إلى ان الذي تزّعم تلك الحركة هو حفيد علي بن أبي طالب المسمى بالإمام جعفر والملقب بـ ( الصادق ) ، وهو رجل رحب أفق التفكير ، بعيد أغوار العقل ، ملم كل الإلمام بعلوم عصره ، ويعتبر في الواقع أنه أول من أسس المدارس الفلسفية في الإسلام . ولم يكن يحضر حلقته العلمية أولئك الذين أصبحوا مؤسسي المذاهب الفقهية فحسب ، بل كان يحضرها طلاب الفلسفة المتفلسفون من الأنحاء القاصية .

    وقال العلاّمة هولميادر الكاتب الإنكليزي :

    “ إن جابر هو تلميذ جعفر الصادق وصديقه ، وقد وجد في إمامه الفذ سنداً ومعيناً وراشداً أميناً وموجهاً لا يستغني عنه ، وقد سعى جابر إلى أن يحرر الكيمياء بإرشاد أستاذه من أساطير الأولين التي علقت بها من الإسكندرية ، فنجح في هذا السبيل إلى حد بعيـد ، مـن أجل ذلك يجـب أن يقـرن اسم جابـر مع أساطيـن هذا الفن في العالـم أمثال ( بويله) و ( فوازيه ) وغيرهما من الأعلام “ (1) .

    وهناك مئات بل ألوف من الإعترافات التي أبداها كل من الكتَّاب المسلمين وغيرهم من المحدثين والقدماء ، وبصورة خاصة من معاصري الإمام (ع) حتى ملأ العالم فضله وعلمه الغزير وثقافته الوسيعة البالغة .

    جــوده وكرمــه :

    1 – قال سعيد بن بيان : مرَّ بنا المفضل بن عمر – أنا وأخت لي – ونحن نتشاجر في ميراث فوقف علينا ساعة ثم قال لنا : تعالوا إلى المنزل ، فأتيناه فأصلح بيننا بأربعمائة درهم دفعها إلينا من عنده حتى إذا استوثق كل واحد منا صاحبه قال المفضل : أما إنها ليست من مالي ولكن أبا عبد اللـه الصادق أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا أن أصلح وأفتد بها من ماله – فهذا مال أبي عبد اللـه – .

    2 – وجاء إليه رجل وقال : لقد سمعت أنك تفعل في عين زياد – وكان ذلك اسم قرية له – شيئاً أحب أن أسمعه منك .

    فقال (ع) : “ نعم كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم ( أي يشق ويهدم ) في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا . وكنت آمر أن يوضع بنيات يقعد على كل بنية عشرة ، كلما اكل عشرة جاء عشرة أخرى يلقي لكل منهم مدّ من رطب ، وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم الشيخ والعجوز والمريض والصبي والمرأة ومن لا يقدر أن يجيء فيكال لكل إنسان مدّاً فإذا أوفيت القوام والوكلاء آجرتهم وأحمل الباقي إلى المدينة ففرقت في أهل البيوت والمستحقين على قدر استحقاقهم ، وحصل لي بعد ذلك أربعمائة دينار وكان غلتها أربعة آلاف دينار “ (2).

    يعني ذلك أنه كان يصرف تسعة أعشار تلك الضيعة في الوجوه الخيرية بينما يجعل لنفسه عشراً واحداً منها فقط .

    3 – وينقل هشام بن سالم أحد أصحاب الإمام البارزين فيقول : كان أبو عبد اللـه إذا اعتم – أي أظلم – وذهب من الليل شطره أخذ خناً فيه لحم وخبز ودراهم فحمله على عنقه ثم ذهب إلى أهل الحاجة من أهل المدينة فقسمه فيهم ولا يعرفونه .

    فلما مضى “ وتوفي “ أبو عبد اللـه فقدوا ذلك ، فعلموا أنه كان أبا عبد اللـه (3) .

    4 – يحدّث الهياج البسطامي عن كرم الإمـام فيقول : كـــــان أبو عبد اللـه ينفق حتى لا يبقى شـــــيء لعيالـــــه (4) .

    5 – وقال بوابه المصادف : كنت مع أبي عبد اللـه بين مكة والمدينة فمررنا على رجل في أصل شجرة وقد ألقى بنفسه فقال (ع) مل بنا إلى هذا الرجل ( أي إعدل الطريق إلى جانبه ) فإني أخاف أن يكون قد أصابـــه العطش ، فملنا إليه فإذا هو رجل من النصارى طويل الشعر ، فسأله الإمام : عطشان أنت ؟ فقال : نعم فقال الإمام : إنزل يا مصادف فاسقه ، فنزلت وسقيته ثم ركب وسرنا ، فقلت له : هذا نصراني أفتصرف على نصراني ؟

    فقال : نعم إذا كانوا بمثل هذه الحالة (5) .

    6 – كان مريضاً ذلك النهار الذي دخل عليه الشاعر الملهم اشجع السلمي فجلس إليه يسأل عن أحواله فقال له الإمام (ع) تعدّ عن العلة واذكر ما جئت له .

    فقال الشاعر :

    ألبســك اللــه منه عـافيـــــة في * نومــك المعــــتــري وفـي أرقــك

    يخرج مـن جسمـك السقام كمــا * أخــــــرج ذل الســؤال مـن عنقـك

    فقال الإمام : يا غلام أي شيء عندك ؟

    قال : أربعمائة . قال : أعطها لأشجع .

    7 – وبعث إلى ابن عم له من بني هاشم صرَّة بيد أبي جعفر الخشعمي – وكان من وراته الموثوقين – فأمره بأن يكتمه عنه . فلما جاء إلى الهاشمي وأعطاه ، قال : جزاه اللـه خيراً ، ما يزال كل حين يبعث بها فنعيش به إلى عام قابل ، ولكني لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله .

    وحينما حضرته الوفاة أمر بسبعين ديناراً لابن عمه الحسن بن علي الأفطس ، فقيل له : أتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة ليقتلك ؟

    فقال عليه السلام : ويحكم أما تقرأون :

    { وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللـه بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ } (الرعد /20)

    “ إن اللـه خلق الجنة فطيَّبها وطيَّب ريحها ليوجد من مسيرة ألف عام ، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم “ (6) .

    حلمــه ورأفتــه :

    1 – كان (عليه السلام ) إذا بلغه من أحد نيلاً منه أو وقيعة فيه قام إلى مصلاّه فأكثر من ركوعه وسجوده وبالغ في ابتهاله وضراعته وهو يسأل اللـه أن يغفر لمن ظلمه بالسب ونال منه .

    وإن كان من أقربائه الأدنين فكان يوصله بمال ويزيد في بره قائلاً : إني لأحب أن يعلم اللـه أني أذللت رقبتي في رحمي ، وأني لأبادر أهل بيتي أصلهم قبل أن يستغنوا عني .

    لله سيدي ما أعظمك واحلمك .. وماأكبرك نفساً وأرحبك صدراً وأحسنك خلقاً .

    2 – وبعث غلامه إلى حاجة فأبطأ ، فذهب على أثره يتفقده فوجده نائماً على بعض الأرصفة ، فجاء حتى جلس بجانبه يروح له فلما انتبه قال له : يا فلان ما ذلك لك تنام الليل والنهار ، لك الليل ولنا منك النهار.

    إذا أضفنا هذه القصة الصغيرة إلى الوضع الإجتماعي ذلك اليوم الذي كان الرقيق يعاملون معاملة البهائم فيشبعونهم ضرباً بمجرد أن تبدر منهم بادرة ، نعرف مدى نضوج الإنسانية الرفيعة في فؤاده الكبير .

    2 – بعث غلاماً له أعجمياً في حاجة فلما رجع بالجواب لم يستطع أن يفصح به العبد لأنه لم يكن يجيد العربية تماماً ، فبدلاً من أن ينهره ويطرده – شأن الناس ذلك اليوم – سكن قلبه وهدأ اضطرابه وقلقه حيث قال له : لإن كنت عيّ اللسان فما أنت بعيّ القلب ثم أضاف :

    “ إن الحياء والعفاف والعيّ – عيّ اللسان لا عيّ القلب – من الإيمان “ (7).

    3 – ونهى أهل بيته عن الرقي إلى السطح عبر سلّم مشيراً لهم بأفضلية الدرج المألوف للصعود ، فدخل ذات مرة الدار ورأى إحدى الجواري التي كانت تربي ولداً له تتسلق السلَّم والطفل بيدها فلما بصرت الجارية بالإمام خافت وارتعدت فرائصها وسقط الصبي من يدها ومات .

    فخرج (ع) إلى مجلسه متغيراً لونه ، فلما سئل عن ذلك قال : ما تغير لوني لموت الصبي ، وإنما تغير لوني لما أدخلت على الجارية من الرعب ، في حين أن الإمام قال لها حينما شاهدها خائفة مذعورة : أنت حرة لوجه اللـه ، أنت حرة لوجه اللـه(8) .

    4 – كانت الحجـــاج تتقاطر على مكة والمدينة وكان بعضهم يفضل المبيت فــــي مسجد النبي (ص) بــــدلاً من أن يستأجروا مقابل بعض الدراهم ، فكان أحدهم نائماً بالمسجد والإمام يصلي بجانبه فلما انتبه لم ير هميانه الذي حفظ فيه نقوده ، فتعلق بالإمام – ولم يكن يعرفه – قائلاً له أنت سرقت همياني .

    قال له الإمام : كم كان عندك من النقود ؟

    قال : ألف دينار . فحمله إلى منزله وأعطاه ألف دينار فذهب الرجل ثم وجد هميانه وفيه ألف دينار فعاد بالمال إلى الإمام متعذراً ، فأبى قبوله قائلا : شيء خرج من يدي لا يعود إليّ .

    فخرج الرجل يسأل الناس عن الإمام فقيل هذا جعفر بن محمد فقال : لا جرم هذا فعال مثله (9).

    صبــره وأمانتــه :

    كان للإمام ولداً يدعى ( إسماعيل ) وكان أكبر أولاده ، فلما شبَّ كان جمَّاع الفضائل والمكارم حتى حسب أنه خليفة أبيه والإمام من بعده ، ولما اكتمل نبوغه صرعته المنية ، فلم يخرج لوفاته بل دعا أصحابه إلى داره لمراسم الدفن وأتى إليهم بأفخر الأطعمة وحثهم على الأكل الهنيء ، فسألوه عن حزنه على الفقيد الفتي الذي اختطفه الموت في ربيعه ولما يكمل من الحياة نصيبه ، قال لهم : ومالي لا أكون كما ترون في خير أصدق الصادقين – أي الرسول (ص) – : { إنك ميت وإنهم ميتون }

    2 – وكان له ولد آخر كان في بعض طرقات المدينة يمشي أمامه غضاً طرياً ، اعترضته غصة في حلقه فشرق بها ومات أمامه ، فبكى (ع) ولم يجزع بل اكتفى بقوله مخاطباً لجثمان ولده الفقيد :

    “ لئن أخذت لقد أبقيت ، ولئن أبليت لقد عافيت “ .

    ثم حمله إلى النساء فصرخن فأقسم عليهن ألا يصرخن .

    ثم أخرجه إلى المدفن وهو يقول : “ سبحان من يقتل أولادنا ولا نزداد له إلاّ حبّاً “ .

    وقال بعد الدفن : “ إنا قوم نسأل اللـه ما نحب فيمن نحب فيعطينا ، فإذا أحب ما نكره فيمن نحب رضينا “ .

    نظرته الإنسانيــة :

    إن نظرة الإمام الصادق (ع) الإنسانية تنبثق من نظرة الإسلام إليها في شتى صيغها ومفاهيمها ، وإني لا أريد أن أورد بعض المثل في ذلك من سيرة الإمام ، بينما أجعل البحث والتعليق لفرص أخرى إن شاء اللـه تعالى ، ذلك لكي نكشف عن مدى تفاني الإمام في حب الإنسانية وصراعاتها وتقدير حقوقها حتى ليجعل الصخر ينحني والنجم والشجر يسجدان إجلالاً وإكراماً لهذه النظرة العظيمة .

    1 – أعطى بوابه ومـولاه – مصـادف – ألف دينار وقال له تجهز حتى نخرج إلى مصر ( أي في رحلة تجارية ) فإن عيالي قد كثروا ، فتجهز وخرج مع التجار إلى مصر فلما دنوا منها استقبلتهم قافلة خارجة منها فسألوهم عن المتاع الذي معهم ما حاله في المدينة ؟ فأخبرهم أن ليس بمصر منه شيء فتحالفوا وتعاقدوا على أن لا ينقصوا من أرباح دينار ديناراً – يعني يجعلون الربح مضاعفاً – فلما قبضوا أموالهـــم انصرفوا إلى المدينة .

    فدخل مصادف على أبي عبد اللـه (ع) ومعه كيسان في كل واحد ألف دينار وقال : جعلت فداك هذا رأس المال وهذا الآخر ربح فقال (ع) : إن هذا الربح كثير ولكن ما صنعتم في المتاع ؟ فحدَّثه مصادف بقصة تجارتهم .

    فقال :

    “ سبحان اللـه تحلفون على قوم مسلمين ألا تبيعوهم إلاّ بربح الدينار ديناراً ؟ ثم أخذ أحد الكيسين فقال هذا رأس مالي ولا حاجة لنا في الربح . ثم قال يا مصادف مجالدة السيوف أهون من طلب الحلال “ (10).

    2 – كان للإمام صديق لا يكاد يفارقه ، فغضب يوماً على عبده وسبه قائلاً : أين كنت يا ابن الفاعلة !! فلما سمع أبو عبد اللـه دفع يده فصك بها جبهة نفسه . ثم قال : سبحان اللـه تقذف أمه ، قد كنت أرى لك ورعاً .

    فقال الرجل : جعلت فداك إن أمه أمة مشركة ، فقال (ع) : أما علمت أن لكل أمة نكاحاً .

    3 – انقطع شسع نعله وهو يسير مع بعض أصحابه يشيعون جنازة ، فجاء رجل بشسعه ليناوله ، فقال: أمسك عليك شسعك فإن صاحب المصيبة أولى بالصبر عليها .

    4 – قال بعض أصحابه : أصاب أهل المدينة غلاء وقحط حتى أقبل الرجل الموسر يخلط الحنطة بالشعير ويأكله ، وكان عند أبي عبد اللـه طعام جيد – فيه كفاية – قد اشتراه أول السنة فقال لبعض مواليه : إشتر لنا شعيراً واخلط بهذا الطعام ، أو بعه فإنا نكره أن نأكل جيدا وياكل الناس رديئاً .

    وقال الآخر دخلنا على أبي عبد اللـه في حائط – أي بستان – له وبيده مسحاة يفتح بها الباب وعليه قميص ، وكان يقول إني لأعمل في بعض ضياعي وإن لي من يكفيني ليعلم اللـه أني أطلب الرزق الحلال .

    عبادتــه وطاعتــه :

    كل من وصف جعفر بن محمد الصادق (ع) بالعمل شفعه بالزهد والطاعة وإليك بعض كلماتهم في ذلك :

    قال مالك – إمام المذهب – : “ كان جعفـر لا يخلو مـن إحـدى ثلاث خصـال ، إما مصلٍّ وإما صائم وإما يقرأ القرآن “ (11).

    وقال : “ ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق (ع) علماً وعبادةً وورعاً (12) .

    وقــــال الوزير أبو الفتح الأربلـــــي : “ وقف نفسه الشريفة علــــى العبادة وحثَّها على الطاعة والزهادة واشتغــــل

    بأوراده وتهجده وصلاته وتعبده “ .

    ويـروي بعض معاصـريه : رأيت أبا عبـد اللـه (ع) ساجداً في مسجـد النبي (ص) فجلست حتى أطلت ، ثم قلت : لأسبحنّ ما دام ساجداً فقلت : سبحان ربي وبحمده استغفر ربي وأتوب إليه ثلاثمائة ونيفاً وستين مرة فرفع رأسه (13) .

    “ إنه كان يلبس الجبة الغليظة القصيرة من الصوف على جسده ، والحلة من الخز على ثيابه ويقول : نلبس الجبة لنا والخز لكم (14)، ويرى عليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه وفوقه جبَّة صوف وفوقها قميص غليظ “ .

    “ ويطعم ضيوفه اللحم ينتقيه بيده وهو ياكل الخل والزيت ويقول : “ إن هذا طعامنا طعام الأنبياء “ (15) .

    مــن بلاغتـــه :

    لقد زخرت الكتب الدينية بأحاديث بليغة عن الإمام الصادق (ع) ولك أيها القارئ بعض روائعه تاركين من يريد أكثر من ذلك يراجع كتاب “ أشعة من بلاغة الإمام الصادق (ع) “ للعلاّمة الفقيه الشيخ عبد الرسول الواعظي .

    “ أوصى إلى المنصور الخليفة المعاصر له فقال : عليك بالحلم فإنه ركن العلم ، واملك نفسك عند أسباب القدرة ، فإن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفي غيظاً أو تداوى حقداً أو يجد ذكراً بالصولة ، واعلم بانك إن عاقبت مستحقاً لم تكن غاية ما توصف به إلاّ العدل ، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر “.

    فقال المنصور : “ وعظت فأحسنت وقلت فأوجزت “ .

    ومن وصية له إلى ولده الإمام الكاظم (ع) :

    “ يا بني إفعل الخير إلى كل من طلبه منك . فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه ، وإن لم يكن له بأهل كنت أهله ، وإن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك واعتذر إليك فاقبل عذره “ .

    قال سفيان الثوري لقيت الصادق ابن الصادق جعفر بن محمد (ع) فقلت : يابن رسول اللـه أوصني .

    فقال : يا سفيان لا مروءة لكذوب ، ولا أخ لملوك ، ولا راحة لحسود ، ولا سؤدد لسيّئ الخلق .

    فقال : يابن رسول اللـه زدني .

    فقال لي : يا سفيان ثق باللـه تكن مؤمناً ، وارض بما قسم اللـه لك تكن غنياً ، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلماً ، ولا تصحب الفاجر معك يعلمك من فجور ، وشاور في أمرك الذين يخشون اللـه عز وجل(16) .

    (1) نجد هذه الإعترافات وعشرات أمثالها في كتاب الإمام الصادق للأستاذ الدخيل فصل ( الإمام في نظر العظماء والعلماء ) : ( ص 86 – 111)

    (2) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ( ج 2 ، ص 53 ) .

    (3) الإمام الصادق – محمد أبو زهرة : ( ص 81 ) .

    (4) المصدر : ( ص 81 ) .

    (5) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : ( ج 4 ص 38) .

    (6) تجد هذه الأخبار كلها في كتاب الإمام الصادق للعلاَّمة المظفر في ( ص 352- 255 ) .

    (7) بحار الأنوار : ( ج 47 ، ص61 ) .

    (8) المناقب .

    (9) الإمام الصادق (ع) للعلاّمة المظفر : ( ج 1 ، ص 258 ) .

    (10) المصدر : ( ص 267 ) .

    (11) تهذيب التهذيب : ( ج 2 ، ص 105 ) .

    (12) المصدر : ( ص 105 ) .

    (13) أعيان الشيعة : ( ج 4 ، ص 138 ) .

    (14) الإمام الصادق للعلامة المظفر : ( ج 1 ، ص 270) .

    (15) المصدر : ( ص 270) .

    (16) الإمام الصادق (ع) للأستاذ الدخيل ( ص 32 ) .

  7. المختار من كلامه

    إِن كلام أبي عبد اللّه عليه السلام لا تنزفه الدلاء، ولا تلمّ به صحائف، وما اكثر اُصوله، وأوفى فروعه، وإِنما نريد ههنا أن نذكر منه فصولاً أربعة، هي : الخطب، والعِظات، والوصايا، والحِكم، فإن بها نجعة الرائد ورواء الظمآن، وحياة النفس، إِجتهدتُ في جمعها واختيارها من خيرة الكتب وصفوة المؤلّفات.

    1 – خُطبه

    لم يعرف عنه أنه رقى الأعواد للإرشاد ولم تكن ظروفه تواتيه أن يخطب على الجماهير، ومع ذلك فقد عثرت قدر الوسع في التنقيب على خطبتين إِحداهما طويلة، والاُخرى قصيرة.

    أمّا الاُولى فهي على فصلين : (الأوّل) في صفة النبيّ خاصّة وهو قوله(1) : فلم يمنع ربّنا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم أن انتجب لهم أحبّ أنبيائه اليه واكرمهم عليه، محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله، في

    ______________________________

    (1) لا يصلح أن يكون هذا الكلام ابتداء الخطبة، فلا بدّ أن يكون لها ابتداء غير هذا، ولقد تتبّعت أبواب الكافي فلم أجد فيها زيادة على ما أوردناه.

    { 4 }

    حومة العزّ(1) مولده، وفي دومة الكرم محتده(2) غير مشوب حسَبه، ولا ممزوج نسَبه، ولا مجهول عند أهل العلم صفته، بشّرت به الأنبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها، وتأمّلته الحكماء بوصفها، مهذّب لا يدانى، هاشميّ لا يوازى، أبطحيّ لا يسامى، شيمته الحياء وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار(3) النبوَّة وأخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها الى أن انتهت به أسباب مقادير اللّه الى أوقاتها وجرى بأمر اللّه القضاء فيه الى نهاياتها، أدّى محتوم قضاء اللّه الى غاياتها يبشّر به كلّ اُمّة من بعدها، ويدفعه كلّ أب الى أب من ظهر الى ظهر، لم يخلط في عنصره سفاح، ولم ينجسه في ولادته نكاح، من لدن آدم إِلى أبيه عبد اللّه في خير فرقة، واكرم سبط، وأمنع رهط، وأكلأ حمل، وأودع حجر، اصطفاه اللّه وارتضاه واجتباه، وآتاه من العلم مفاتيحه، ومن الحِكم ينابيعه، ابتعثه رحمةً للعباد، وربيعاً للبلاد، وأنزل اللّه اليه الكتاب، فيه البيان والتبيان، قرآناً عربيّاً غير ذي عوج لعلّهم يتّقون، قد بيّنه للناس ونهجه بعلم قد فصّله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها، وحدود حدّها للناس وبيّنها، واُمور قد كشفها لخلقه وأعلنها، فيها دلالة الى النجاة ومعالم تدعو الى هداة، فبلّغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما اُرسل به، وصدع بما اُمر به، وأدَّى ممّا حمّل من أثقال النبوّة، وصبر لربّه، وجاهد في سبيله، ونصح لاُمّته، ودعاهم الى النجاة، وحثّهم على الذِّكر، ودلّهم على سبيل الهدى، بمناهج ودواع أسّس للعباد أساسها، ومنازل رفع لهم أعلامها، كي لا يضلّوا من بعده، وكان بهم رؤوفاً

    ______________________________

    (1) أي في أرفع موضع من العز.

    (2) الدومة – بالضم – الشجرة، والمحتد – بفتح الميم وكسر التاء – الأصل.

    (3) أثقال.

    { 5 }

    رحيماً(1).

    (الفصل الثاني) ما كان منها في صفة الأئمة عليهم السلام، ذكره الكليني طاب ثراه في الكافي، كتاب الحجّة، باب نادر جامع في فصل الإمام وصفاته، وذكره المسعودي علي بن الحسين(2) في كتاب الوصيّة ص 139، قال : ولمّا أفضى أمر اللّه عزّ وجل اليه – يعني الصادق عليه السلام – جمع الشيعة وقام فيها خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه وذكّرهم بأيّام اللّه، ثمّ ذكر الفصل الذي سنذكره، وبين رواية الكليني ورواية المسعودي اختلاف قليل، ونحن نورده على رواية الكليني لأن فيها زيادات.

    قال عليه السلام : إِن اللّه تعالى أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبّنا عن دينه، وأبلج(3) بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من اُمّة محمد صلّى اللّه عليه وآله واجب حقّ إِمامه وجد طعم حلاوة إِيمانه، وعلم فضل طلاوة(4) إِسلامه، لأن اللّه تعالى نصب الإمام علَماً لخلقه، وجعله حجّة على اهل مواده(5) وعالمه، وألبسه تعالى تاج الوقار، وغشاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب من السماء لا ينقطع عنه مواده(6) ولا ينال ما عند اللّه إِلا بجهة

    ______________________________

    (1) الكافي، باب مولد النبي صلّى اللّه عليه وآله، قال بعد أن ذكر السند عن أبي عبد اللّه عليه السلام: في خطبة له خاصّة يذكر فيها حال النبي صلّى اللّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام وصفاتهم، فذكر ههنا ما اختصّ بالنبي صلّى اللّه عليه وآله، وذكر في باب فضل الإمام وصفاته ما اختص بالإمام.

    (2) أبو الحسن الهذلي البغدادي صاحب التآليف القيّمة ومن أشهرها مروج الذهب وهو إِماميّ المذهب ويعتمد عليه الفريقان، ولم تضبط سنة وفاته، وقيل : إِنه كان حيّاً الى عام 345.

    (3) أوضح وأنار.

    (4) الطلاوة – مثلثة الطاء – الحسن والبهجة والقبول.

    (5) جمع مدة – بالضم – البرهة من الدهر، أي أهل زمانه.

    (6) جمع مادة.

    { 6 }

    أسبابه، ولا يقبل اللّه أعمال العباد إِلا بمعرفته(1) فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، ومعميات السنن، ومشتبهات الفتن، فلم يزل اللّه تعالى مختارهم لخلقه من ولد الحسين عليه السلام من عقب كلّ إِمام إِماماً، يصطفيهم لذلك ويجتبيهم، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كلّما مضى منهم إِمام نصب لخلقه من عقبه إِماماً، عَلماً بيّناً، وهادياً نيّراً، وإِماماً قيّماً، وحجّة عالماً، أئمة من اللّه يهدون بالحقّ وبه يعدلون، حجج اللّه ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهداهم العباد وتستهلّ بنورهم البلاد، وينمو ببركتهم التلاد(2) جعلهم اللّه حياة للأنام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للاسلام، جرت بذلك فيهم مقادير اللّه على محتومها، فالامام هو المنتجب المرتضى، والهادي المنتجى(3) والقائم المرتجى(4) اصطفاه اللّه بذلك واصطنعه على عينه في الذرّ حين ذرأه، وفي البريّة حين برأه، ظلاً قبل خلق الخلق نسمة عن يمين عرشه، محبواً بالحكمة في عالم(5) الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقيّة من آدم عليه السلام، وخيرة من ذرّيّة نوح، ومصطفى من آل إِبراهيم، وسلالة من إِسماعيل، وصفوة من عترة محمّد صلّى اللّه عليه وآله، لم يزل مرعيّاً بعين اللّه يحفظه ويكلأه بستره، مطروداً عنه حبائل إِبليس وجنوده، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق(6) ونفوث كلّ فاسق(7)،

    ______________________________

    (1) كما قال صلّى اللّه عليه وآله : من مات ولم يعرف إِمام زمانه مات ميتة جاهلية، أي كأنه لم يسلم ولم يعمل عملاً في الاسلام عبادة أو غيرها.

    (2) أي النتاج المتأخّر.

    (3) بالبناء للمفعول أي المنتخب أو المخصوص بالسرّ من الانتجاء الاختصاص بالمناجاة.

    (4) المرتضى في نسخة.

    (5) علم «خ».

    (6) الوقوب : الدخول، والغواسق : جمع غاسق الظلام، ويراد منه كلّ ما يطرق بالليل من سوء من الهوام والسباع والفسّاق.

    (7) النفث : السحر.

    { 7 }

    مصروفاً عنه قوارف السوء(1) مبرأً من العاهات، معصوماً من الفواحش كلّها، معروفاً بالحلم والبرّ في يفاعه(2) منسوباً الى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسنداً اليه أمر والده، صامتاً عن المنطق في حياته، فاذا انقضت مدّة والده الى أن انتهت به مقادير اللّه الى مشيّته، وجاءت الإرادة من اللّه فيه الى محبّة(3) وبلغ منتهى مدّة والده صلّى اللّه عليه فمضى وصار أمر اللّه اليه من بعده، وقلّده دينه وجعله الحجّة على عباده، وقيّمه في بلاده وأيّده بروحه وآتاه علمه وأنبأه فصل بيانه، ونصبه عَلماً لخلقه، وجعله حجّةً على أهل عالمه، وضياءً لأهل دينه، والقيّم على عباده، رضي(4) اللّه به إِماماً لهم، استودعه سرّه، واستحفظه علمه، واستخبأه حكمته، واسترعاه لدينه، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيى به مناهج سبيله، وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، والشفاء النافع، بالحقّ الأبلج، والبيان اللائح من كل مخرج، على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه عليهم السلام، فليس يجهل حقّ هذا العالم إِلا شقي، ولا يجحده إِلا غوي، ولا يصدّ عنه إِلا جريء على اللّه تعالى.

    أقول : لعلّك تخال بأن هذه النعوت كبيرة على الإنسان بحكم العادة، وأين من يحمل هذه الصفات ولكنّك لو نظرت الى أن الإمامة خلافة الرسول، وأن خليفته يجب أن يقوم بوظائفه، مرشداً لاُمّته، مصلحاً للناس عامّة، لايقنت أن هذه النعوت لا تنفكّ عنه، وأنه لا بدّ أن يكون في الاُمّة من يتحلّى بهذه

    ______________________________

    (1) قوارف السوء : أعماله ومقارباته.

    (2) شبابه.

    (3) حجّته «خ» حجبه «خ».

    (4) جواب «فاذا انقضت».

    { 8 }

    السمات(1).

    (الخطبة الثانية) هي المرويّة في مناقب ابن شهراشوب «1/ 183 – 184» قال : لمّا دخل هشام بن الوليد المدينة أتاه بنو العبّاس وشكوا من الصادق عليه السلام أنه أخذ تركات ماهر الخصي دوننا، فخطب أبو عبد اللّه عليه السلام فكان ممّا قال :

    إِن اللّه لمّا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه والناصر له، وأبوكم العبّاس وأبو لهب يكذبان ويوليان عليه شياطين الكفر وأبوكم يبغي له الغوائل، ويقود اليه القبائل في بدر، وكان في أوّل رعيلها وصاحب خيلها ورجلها، المطعم يومئذٍ، والناصب له الحرب، ثمّ قال :

    فكان أبوكم طليقنا وعتيقنا، وأسلم كارهاً تحت سيوفنا، ولم يهاجر إِلى اللّه ورسوله هجرة قط، فقطع اللّه ولايته منّا بقوله : «الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء»(2) ثمّ قال :

    مولى لنا مات فخرنا تراثه، إِذ كان مولانا ولأنّا ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، واُمّنا فاطمة أحرزت ميراثه.

    أقول : إِن الصادق أرفع من أن يواقف بني العبّاس من جراء المال، ولكن إِخال أنه يريد أن يكشف حالاً للعبّاس كانت مجهولة، لأن المُلك سوف يوافي بنيه فيعلم الناس شأن من يملك منهم الرقاب.

    وهذه الكلمات على وجازتها تفيد التاريخ فوائد جمّة، ولا أحسب أن التاريخ يذكر للعبّاس تلك المواقف.

    ______________________________

    (1) سبق في الطليعة صدر الكتاب برهاننا على الإمامة، واستوفينا ما يجب أن يتصف به الإمام مع البرهان عليه في رسالتنا «الشيعة والإمامة».

    (2) الأنفال : 72.

    { 9 }

    وقد سبق أن قلت : إِني لم أجد حسب الجهد في التتبّع خُطَباً لصادق أهل البيت غير ما ذكرنا، نعم إِلا أن يكون وقوفه في وجه شيبة بن عفال والي المنصور على المدينة يعدّ من الخطب، فتكون ثلاثاً، وقد أوردناها في مواقفه مع المنصور وولاته في الجزء الأول.

    * * *

    2 – عِظاته

    ما زال إِمامنا عليه السلام ينشر مواعظه الخالدة بين الناس لتهذيبهم وإِرشادهم الى طريق اللّه تعالى اللاحب، وحرصاً على سعادتهم في الدارين، والذي وصل الينا منها الشيء الكثير الذي يفوت الحصر وهو مبثوث في غضون الكتب التي بين أيدينا.

    وقد رأينا أن نورد أهمّ ما وصل الينا من هذه المواعظ مرتّباً على الأبواب على نحو ما يأتي :

    المعرفة

    معرفة اللّه تعالى أوّل الواجبات، وأساس الفضائل والأعمال، بل هي غاية الغايات، ومنتهى كمال الانسان، وعلى قدر التفاضل فيها يكون التفاضل بين الناس، ولأجله جعلناها في طليعة مواعظه، وكفى من كلامه فيها أن نورد هذه الشذرات الآتية التي يدعو فيه الى المعرفة، ويحثّ عليها كاشفاً عن جليل آثارها وعظيم لذّتها، فقال عليه السلام :

    «لو يعلم الناس ما في فضل معرفة اللّه عزّ وجل ما مدّوا أعينهم الى ما متّع اللّه به الأعداء من زهرة هذه الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلّ عندهم ممّا يطؤونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة اللّه عزّ وجل وتلذّذوا به تلذّذ من لم يزل في

    { 11 }

    روضات الجنّات مع أولياء اللّه، إِن معرفة اللّه عزّ وجل أنس من كلّ وحشة، وصاحب من كلّ وحدة، ونور من كلّ ظلمة، وقوّة من كلّ ضعف، وشفاء من كلّ سقم».

    ثمّ قال عليه السلام : «قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير، وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردهم عمّا عليه شيء ممّا هم فيه، من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى، بل ما نقموا منهم إِلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد، فاسألوا درجاتهم، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم»(1).

    إِنّه عليه السلام يصف المعرفة كمن ذاقها، فيحبّذ هذا الطعم الشهي للناس، ونحن لاسترسالنا في الغفلة لا نعرف ذلك المذاق، سوى أننا نفقه أن من اتّجه الى معرفة اللّه تعالى ودنا من حظيرة القدس شبراً بعدُ عن متاع هذا الوجود ميلاً، وكلّما تجرّد عن زخرف هذا الوجود استزهد ما دون معرفة واجب الوجود.

    ______________________________

    (1) الكافي : 8/207/347.

    الخوف والرجاء

    إِنَّ اللّه سبحانه جمع بين العظمة والرأفة، وبين الغضب والرضى، فعلى سعة رحمته عظيم سخطه، وعلى جزيل ثوابه كبير عقابه، ومن كانت رحمته واسعة كان الأمل بشمولها للمجرم قريباً، ومن كان عقابه شديداً كان الخوف من سخطه أكيداً، فلا بدَّ للمؤمن إِذن أن يكون دائماً بين الخوف والرجاء، لأنه لا يدري بأيّة زلّة يُؤخذ فيكتب في ديوان المجرمين، ولا يعلم على أيّة حسنة يُثاب

    { 12 }

    فيُحسب من المحسنين، فيجب عليه أبداً أن يحذر الزلّة فيتّقيها، ويرعى الحسنة فيوافيها، وتعاليم الصادق عليه السلام الواردة عنه هي من أعظم ما ورد في هذا الباب تشرح حقيقة الخوف والرجاء وكيف يجتمعان وضرورة اجتماعهما في المؤمن وأثر انعدامهما على الانسان، وما الى ذلك، فقال في الخوف :

    «خف اللّه كأنك تراه وإِن كنت لا تراه فانّه يراك، وإِن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإِن كنت تعلم أنه يراك ثمّ بدرت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك».(1)

    أقول : أمّا الكفر بإنكار رؤيته للناس فلأن معناه إِنكار علمه بالموجودات وهو يساوق إِنكار خلقه بل إِنكار وجوده.

    وأمّا أنه يكون أهون الناظرين فواضح لأن المرء إِذا أحسّ أن أحداً ذا شأن وبطش وقوّة مشرف على عمله ساخط عليه قادر على الفتك به، فإنه لا محالة يكفّ عن العصيان خجلاً أو حذراً وخوفاً، وإِنما يكون التهاون بالناظر والمطّلع إِذا كان ممّن لا يتّقى أو يخشى أو كان ممّن يستهان برضاه وغضبه وثوابه وعقابه، فالمبادر بالمعصية مع علمه بأنه تعالى لا يراه لا محالة قد جعله أهون الناظرين.

    وقال عليه السلام أيضاً : من عرف اللّه خافه، ومن خاف اللّه سخت نفسه عن الدنيا(2).

    وقال عليه السلام : إِن من العبادة شدة الخوف من اللّه عزّ وجل، يقول اللّه عزّ وجل : «إِنما يخشى اللّهَ من عباده العلماء»(3) وقال جلّ ثناؤه : «فلا تخشَوا الناس واخشَونِ»(4) وقال تبارك وتعالى : «ومن يتّقِ اللّه يجعل له مخرجاً»(5)، إِن

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الخوف والرجاء : 2/67/2.

    (2) نفس المصدر : 2/68/4.

    (3) الملائكة : 28.

    (4) المائدة : 44.

    (5) الطلاق : 2.

    { 13 }

    حُبّ الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب(1).

    وقال عليه السلام في قوله عزّ وجل : «ولمن خاف مقام ربّه جنّتان»(2) : من علمَ أن اللّه يراه ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله من خير أو شرّ فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربّه، ونهى النفس عن الهوى.

    وقال عليه السلام : المؤمن بين مخافتين، ذنب قد مضى لا يدري ما صنع اللّه فيه، وعُمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إِلا خائفاً ولا يصلحه إِلا الخوف(3).

    أقول : كذلك صلاح المؤمن يكون بالخوف أبداً، لأنه إِذا خاف اتجه بكلّ جارحة وجانحة لدفع ما يخاف منه، فينصرف عن العصيان ويقبل على الطاعة.

    وقال عليه السلام : من خاف اللّه أخاف اللّه منه كلّ شيء ومن لم يخف اللّه أخافه من كلّ شيء(4).

    وقال عليه السلام في الخوف والرجاء معاً : ينبغي للمؤمن أن يخاف اللّه تعالى خوفاً كأنه مُشرِف على النارِ، ويرجو رجاءً كأنه من أهل الجنّة – ثمّ قال – : إِنّ اللّه تعالى عند ظنّ عبده إِن خيراً فخيراً، وإِن شرّاً فشرّاً(5).

    أقول : كذلك ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء كما قال تعالى : «يدعون ربّهم خوفَاً وطمعاً»(6) لأن الخوف وحده قد يبعث على اليأس والقنوط،

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الخوف والرجاء : 2/69/7.

    (2) الرحمن : 46.

    (3) الكافي : 2/71/12.

    (4) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /42، والكافي : 2/68/3.

    (5) الكافي : 2/72/3.

    (6) السجدة : 16.

    { 14 }

    واليأس من رحمة اللّه مذموم يثبّط العبد عن العمل الصالح، والرجاء وحده قد يدفع بالعبد على الأمن من مكر اللّه وهو ضلال وخيبة يقعد بالعبد عن النشاط للعبادة، وأمّا المراد من أن اللّه تعالى عند ظنّ عبده فلا يبعُد أن يكون أنه في رعاية العبد ومكافاته على حسب ما يظن، لا أنه يكون كذلك بمجرّد الظن وإِن عمل ما لا يرتضيه اللّه تعالى من السوء وهو يظنّ فيه الخير، كما سينبّه عليه.

    وقال عليه السلام : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتّى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو(1).

    أقول : لأن العمل مظهر الخوف والرجاء فإن لم يعمل كان كاذباً في دعوى الخوف والرجاء، وعليه الوجدان، فإن من خاف أحداً على نفسه أو نفيسه اجتهد في الحيطة والحذر، ومن رجا توسّل بالذرائع التي تقرّبه من المرجو.

    وقال عليه السلام : حسن الظنّ باللّه ألا ترجو إِلا اللّه ولا تخاف إِلا ذنبك(2).

    أقول : لأن رجاء غير اللّه لا يكون إِلا عن شكّه في قدرة اللّه ورحمته لعباده أو عن توهّم أن غير اللّه له قدرة مستغنية عنه تعالى وهذا سوء ظنّ بالقادر الرحيم، وكذلك خوف غير الذنب من نحو الخوف من الموت والانسان والمخلوقات الاُخرى فإنه يستلزم الشكّ في قدرة اللّه ورحمته.

    وقيل له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت، فقال عليه السلام : هؤلاء يترجّحون(3) في الأماني، كذبوا ليسوا

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الخوف والرجاء : 2/71/11.

    (2) الكافي، باب حسن الظن باللّه : 2/72/4.

    (3) يتذبذبون.

    { 15 }

    براجين، من رجا شيئاً طلبه ومن خاف من شيء هرب منه(1).

    أقول : فإن المرجو لا ينال بغير السعي والطلب إِلا صدفة، والمخاف لا يسلم منه بغير الهرب إِلا صدفة، وهل يتَّكل العاقل الرشيد في أمريه على الصدف.

    _____________________________

    (1) الكافي، 2/68/5.

    الورع والتقوى

    إِن من آثار معرفته تعالى والخوف منه تقواه والورع عن محارمه، ولذلك حذَّرَ أبو عبد اللّه عليه السّلام من التورّط في المخالفة ورَغّبَ في الإحاطة بالتقوى، والورع في الدين.

    فيقول مرّة : «اتقوا اللّه وصونوا دينكم بالورع» واُخرى بعد أن رَغَّب في الزُّهد : «عليكم بالورع»(2) وثالثة : «من أشدّ ما فرضَ على خلقه ذكر اللّه كثيراً، ولا أعني سبحان اللّه والحمد للّه ولا إِله إِلا اللّه واللّه اكبر، وإِن كان منه، ولكن ذكر اللّه عند ما أحلَّ وحرَّم، فإن كان طاعة عمل بها، وإِن كان معصية تركها»(3).

    أقول : حقّاً أنّ موقف الإنسان لشديد أمام الواجب والمحرّم، بأن يجعل اللّه نصب عينيه عندهما، فيعمل ما يجب، ويرفض ما حرّم، وان الورع ليعلم في هذه المواقف حين لم يكن القاهر غير النفس والدين.

    وسُئل مرَّة عن تعريف الورع من الناس ليعرفوا بذلك حقيقة الورع فقال عليه السّلام : الذي يتورّع عن محارم اللّه عزّ وجل(4).

    ______________________________

    (2) الكافي، باب الورع : 2/76/3.

    (3) الكافي، باب اجتناب المحارم : 2/80/4.

    (4) الكافي، باب الورع : 2/77/8.

    { 16 }

    وسُئلَ عن قوله اللّه عزّ شأنه : «وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً(1)» فقال عليه السلام : أما واللّه إِن كانت أعمالهم أشدّ بياضاً من القباطي(2) ولكن اذا عرض لهم حرام لم يَدعوه(3).

    وقال المفضّل بن عمر(4) يوماً : أنا ما أضعف عملي، فقال عليه السّلام له : مَه إِستغفر اللّه، إِن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى، فقال له : كيف يكون كثيراً بلا تقوى ؟ قال عليه السلام: نعم مثل الرجل يطعم طعامه، ويرفق جيرانه، ويوطئ رحله(5) فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخله(6).

    وهذا نظير قول النبي صلّى اللّه عليه وآله : إِن من قال لا إِله إِلا اللّه غرست له شجرة في الجنّة، فقال له بعض أصحابه : إِذن إن شجرنا في الجنّة لكثير، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ولكن لا ترسلوا عليها ناراً فتحرقوها.

    ______________________________

    (1) الفرقان : 23.

    (2) الثياب المنسوبة الى قبط مصر.

    (3) الكافي، باب اجتناب المحارم : 2/81/5.

    (4) الجعفي الكوفي ممّن أخذ عن الصادق والكاظم عليهما السلام وكان من وكلاء الصادق في الكوفة وسنذكره في ثقات المشاهير من رواته.

    (5) كناية عن استعداده لقبول الأضياف وغشيانهم داره.

    (6) الكافي، باب الطاعة : 2/76/7.

    الزهد

    الزهد : هو الإعراض عن الدنيا بقلبه وجوارحه، رغبته في الآخرة وفي ما عند اللّه تعالى، وهو أحد منازل الدين وأعلى مقامات العارفين.

    وحقّاً أن العارف باللّه لا ينبغي أن يعبأ بالدنيا إِن أقبلت عليه أو أدبرت عنه، لأن الإقبال عليها يشغله عن التماس تلك الرتب، التي لا يحسّ بحلاوتها إِلا

    { 17 }

    من تجرّد عن هذه الشواغل.

    ولذلك يقول صادق أهل البيت عليهم السلام : جعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.

    ويروي هو لنا عن المرشد الاكبر جدّه النبي صلّى اللّه وآله قوله : لا يجد الرجل حلاوة الإيمان حتّى لا يبالي من أكل الدنيا.

    ثمّ يقول الصادق عليه السلام : حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّى تزهد في الدنيا.

    ويقول مرّة ترغيباً في الزهد : ما أعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله شيء من الدنيا إِلا أن يكون فيها جائعاً خائفاً.

    ويقول تارة : اذا أراد اللّه بعبده خيراً زهّده في الدنيا، وفقّهه في الدين وبصّره عيوبها، ومن اُوتيهنّ فقد أوتي خير الدنيا والآخرة.

    أقول : حقّاً أنّ الخير كلّه في هذه الثلاث، لأن فيها الراحة والطمأنينة والبصيرة، وهذا هو الخير في هذه العاجلة، والحظوة بالرتب العليّة في تلك الآجلة كما وعد اللّه.

    ويقول أيضاً : لم يطلب أحد الحقّ بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضدّ لما طلب أعداء الحقّ من الرغبة فيها، ألا مِن صبّار كريم، فإنما هي أيام قلائل.

    أقول : إِن الذي يحول بين المرء وبين الحقّ هو الحبّ للدنيا والرغبة فيها، فإن الرغبة في وفرة المال تمنعه عن أداء حقّه، والحبّ للجاه يحجزه عن القول بالحقّ، والميل الى الراحة يصدّه عن القيام بالفرض، فلا يطيق المرء إِذن أن يقول الحقّ أو يعمله أو يبلغه إِن لم يعرض عن هاتيك الأماني النفسيّة، نعم إِن الإعراض عن هذه الرغائب يحتاج الى صبر وسخاء نفس، ومن ثمّ ندب الصادق الى هذا الصفح أرباب الصبر والكرم ثمّ أشار الى أن الصبر والكرم لا ينبغي أن

    { 18 }

    يكونا عزيزين في الناس اذا انتبهوا الى أن البقاء في الدنيا لا يكون إِلا أياماً قلائل، لأن الانسان اذا عرف أن الشدّة لا تدوم وطّنَ نفسه على السخاء والصبر على تلك المكاره.

    ثمّ أنه عليه السلام رغّب في الزُّهد من طريق نفعه العاجل، وهو أحسن ذريعة للرغبة في الشيء، لأن المرء يريد أبداً أن يكون لعمله نتيجة عاجلة، فقال : ومن زهد في الدنيا أثبت اللّه الحِكمة في قلبه، وانطلق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه اللّه سالماً الى دار السّلام(1).

    نعم يجب أن نعرف الزُّهد وحقيقته، لئلا نخبط في التلبّس به خبط عشواء، فقد سأله بعض العارفين من أصحابه عن حدّ الزهد في الدنيا، فقال عليه السلام : فقد حدّه اللّه في كتابه، فقال عزّ من قائل : «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم»(2) ثمّ قال : إن أعلم الناس أخوفهم للّه، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهدهم فيها(3).

    أقول : إِن تحديده للزهد بما في الآية الكريمة يفهمنا أن الزهد في الدنيا ليس كما يتبادر الى بعض الأفهام من الجشوبة في العيش والخشونة في الملبس، وإِن كانتا من آثاره أحياناً، وإِنّما هو أعلى وأرفع من ذلك.

    إِن المرء اذا كان مُعرِضاً عن الدنيا هانت عليه فلا يحزن بما فات، ولا يفرح بما هو آت، ولو كان مقبلاً عليها لأحزنه الفائت وأسرَّه الآتي، فأحسن كاشف عن حقيقة الزُهد في الدنيا هذا الحزن والفرح.

    ولو كان الزُهد الصفح عن نعيم هذا الوجود وما فيه من ملذّات كما

    ______________________________

    (1) الكافي، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها : 2/128/1.

    (2) الحديد : 23.

    (3) بحار الأنوار : 78/193/7.

    { 19 }

    تصنع المتصوَّفة لما خلق اللّه هذه الطيّبات منَّه على العباد، أفهل يا ترى يمنّ عليهم بشيء وهو الجواد ويكره أن ينالوا منه البلغة، فلمن إِذن خلَق تلك الطيّبات من الرزق «قُل مَن حرَّم زينة اللّه التي أَخرَج لِعبادِه والطيّباتِ مِن الرّزق»(1). ويكشف لنا عن جليّة الحال بقوله عليه السلام : «فأمّا اذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها» وقد قال ذلك عندما رأوه وعليه ثياب بيض وعابوا عليه تلك البزَّة وحسبوها من الرغبة في الدنيا، وكان شعار آبائه الزهد.

    نعم إِنَّما يُراد من العبد ألا يكون شغله الطيّبات وهمّه هذه الحياة، بل أن يكون شغله ما هو أرفع، وهمّه فيما هو أبقى وأنفع.

    إِن اللّه سبحانه قد فرض فرائض، وحدّد حدوداً لم يسأل العباد عمّا وراءها، ولذلك تجد الصادق عليه السلام يرشدنا الى تلك الحقيقة فيقول : أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد الناس من ترَكَ الحرام، وأشدّ الناس اجتهاداً من ترَكَ الذنوب(2).

    الدنيا :

    ليست دُنيا الانسان إِلا نفسه وما فيها من غرائز وشهوات وأفكار واعتقادات، وكلّ شيء ما عدا نفسه فهو خارج عن ذاته أجنبيّ عنه، بل ليس من دُنياه في شيء، ولا يرتبط به إِلا بمقدار ما يرتبط في أفكاره وآرائه وإِشباع شهواته وتحقيق ما تدفع اليه الغرائز.

    فاذا اُشبعت شهواته كلّها فقد حاز على كلّ ما في دنياه بحذافيرها وإِلا فهو

    ______________________________

    (1) الأعراف : 30.

    (2) بحار الأنوار : 78/192/5.

    { 20 }

    محروم منها بمقدار بقاء بعض شهواته جائعة أو مكبوتة.

    غير أن إِشباع جميع الشهوات من المستحيل على الانسان في هذه الحياة الدنيا، ولنضرب مثلاً بشهوة حبّ الاستعلاء والسيطرة التي هي أشدّ الشهوات عرامة وقوّة، فإن الإنسان مهما بلغ من السلطان والاستطالة لا بدّ أن تكون هنا جهات اُخرى لم يشملها سلطانه أو تزاحمه عليه وتضايقه أو متمرّدة عليه، فشهوة السلطان والحال هذه لا تشبع أبداً مهما حاول صاحبها إِشباعها، على أنها كلّما غذيت تقوى وتشتدّ ولا تصل الى حدّ الإشباع، ومثلها أيضاً من هذه الناحية شهوة التملّك والحيازة، فإن كلّ ما تحقق لصاحبها التملّك من الأموال فإن الأموال – بطبيعة الحال – لا يحوزها كلّها بل الأكثر يبقى ممتنعاً عليه، وهو يزيد كلّما زادت أمواله شهوةً وحرصاً على جمعها.

    مضافاً الى أن إِشباع مثل شهوة السيطرة والتملّك لا يتمّ حتّى بعضه إِلا بالتنازل عن كثير من الشهوات مثل شهوة الراحة والاستقرار والأمن لأن الاحتفاظ بالسيطرة والتملّك أو توسعتهما يستدعي كثيراً من مدافعة المزاحمين ومناهضة المتمرّدين، وكلّما زادت سيطرته وتملّكه زادت المزاحمة فتزيد محروميّته من اشباع كثير من الشهوات، وهكذا كلّما زاد الإنسان انغماراً في الشهوات وحرصاً على دُنياه زادت شهواته عرامة وقوّة وبقيت اكثر شهواته بلا إِشباع تلحُّ عليه وتؤلمه وتنغّص عليه عيشه وراحته حتّى يموت في سبيل ذلك.

    وما أعظم تصوير هذه الناحية في الإنسان في كلمات إِمامنا عليه السلام إِذ يقول : «إِنَّ مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتّى يقتله»(1).

    ______________________________

    (1) الكافي، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها : 2/136/24.

    { 21 }

    ويقول عليه السلام : «مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّ كلّما ازدادت من القزّ على نفسها لفّاً كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا»(1).

    ويقول عليه السلام في التحذير من الدنيا : «إِنَّ مثل الدنيا مثل الحيّة مسّها ليّن وفي جوفها السمّ القاتل، يحذرها الرجل العاقل، ويهوى اليها الفتيان بأيديهم»(2).

    أقول : إِن الرجل العاقل هو المجرّب الذي خبر الدنيا فعرف أنها لا تصفو من الكدر وأنها تخبئ كثيراً من الآلام والآفات والنكبات، أما الغرّ غير المجرّب فهو كالطفل يرى حلاوتها ولم يشعر بمرارتها، فيغترّ بها كما يغترّ بلين مسّ الحيّة وإِن كان فيها السمّ القاتل، والامام عليه السلام وجميع المصلحين يحذّرون من الاغترار بنعيم الدنيا، لأنه يسبّب طغيان الانسان وعتوّه ونسيان الآخرة وما يجب من العمل لها في فرصة الحياة الدنيا. وإن شئت أن تبعد غوراً في عرفانها فتبصّر بقوله في صفتها :

    «إِن هذه الدنيا وإِن أمتعت ببهجتها، وغرّت بزبرجها، فإن آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع، الذي يروق بخضرته ثمّ يهيج(2) عند انتهاء مدته، وعلى من نصح لنفسه وعرف ما عليه وله أن ينظر اليها نظر من عقل عن ربّه جلّ وعلا وحذر سوء منقلبه، فإن هذه الدنيا خدعت قوماً فارقوها أسرع ما كانوا اليها، وأكثر ما كانوا اغتباطاً بها، طرقتهم آجالهم بياتاً وهم نائمون، أو ضحَى وهم يلعبون، فكيف اُخرجوا عنها، والى ما صاروا بعدها، أعقبتهم الألم، وأورثتهم

    ______________________________

    (1) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها : 2/316/7.

    (2) كتاب الزهد للثقة الجليل الحسين بن سعيد بن حمّاد بن مهران الأهوازي، باب ما جاء في الدنيا ومن طلبها : 45/121.

    (3) ينبس.

    { 22 }

    الندم، وجرعتهم مُرَ المذاق وغصّصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها أو أقرّ عيناً، أما رأى مصرع آبائه، ومن سلف من أعدائه وأوليائه أطول بها حيرة، وأقبح بها كرّة، وأخسر بها صفقة، واكبر بها ترحة، اذا عاين المغرور بها أجله وقطع بالأماني أمله، وليعمل على أنه اُعطي أطول الأعمار وأمدَّها، وبلغ فيها جميع الآمال، هل قصاراه إِلا الهرم، وغايته إِلا الوهم(1) نسأل اللّه لنا ولك عملاً صالحاً بطاعته، ومآباً الى رحمته، ونزوعاً عن معصيته، وبصيرةً في حقّه، فإنما ذلك له وبه»(2).

    وتأمّل قوله في نعتها ونعت ذويها : «كم من طالب للدنيا لم يدركها، ومدرك لها قد فارقها، فلا يشغلنّك طلبها عن عملك، والتمسها من مُعطيها ومالكها، فكم من حريص على الدنيا قد صرعَته، واشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتّى فُني عمره وأدركه أجله»(3).

    وما أصدق قوله في تحليلها وأطوار الناس فيها : «ما الدنيا وما عسى أن تكون، هل الدنيا إِلا اكل اكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إِن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة، دار الديا دار زوال، ودار الآخرة دار قرار، أهل الدنيا أهل غفلة، إِن أهل التقوى أخفّ أهل الدنيا مؤونة واكثرهم معونة، إِن نسيت ذكّروك، وإِن ذكّروك أعلموك، فانزل الدنيا كمنزلٍ نزلته فارتحلت عنه، أو كمالٍ أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شيء منه، فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، وكم

    ______________________________

    (1) الثقل والرداءة.

    (2) مهج الدعوات، في باب أدعية الصادق، وقد أشرنا اليها في فصل استدعاء المنصور له في أوّل مرّة.

    (3) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق عليه السلام.

    { 23 }

    من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه»(1).

    وانتبه الى قوله عليه السلام : «ما انزلت الدنيا من نفسي إِلا بمنزلة الميتة، اذا اضطررت اليها اكلت منها، إِن اللّه تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون والى ما هم اليه صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرّنك حسن الطلب ممّن لا يخاف الفوت» ثمّ تلا قوله تعالى : «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً»(2) وجعل يبكي ويقول : «ذهبَت واللّه الأماني عند هذه الآية» ثمّ قال عليه السلام : «فاز واللّه الأبرار، الذين لا يؤذون الذر، كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار جهلاً»(3).

    أقول : أراد بقوله «ذهبَت واللّه الأماني» أماني أهل الأعمال السيّئة إِذ يحلم اللّه عنهم فيظنّون أنهم في نجاة من عذاب اللّه في الآخرة، ولكن الآية دالّة على أن الدار الآخرة مقصورة على هؤلاء الذين لا يريدون العلوّ ولا الفساد، إِذن فلا نصيب لغيرهم فيها، وأين تكون أماني أهل الآمال الذين ليسوا من اولئك، وقد قطعت الآية تلك الأماني من نفوسهم.

    وشكا اليه رجل الحاجة، فقال عليه السلام : «اصبر فإن اللّه سيجعل لك فرجاً» ثمّ سكت ساعة، ثمّ أقبل على الرجل فقال : «اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال : أصلحك اللّه، ضيق منتن، وأهله بأسوأ حال، فقال عليه السلام : إِنما أنت في السجن فتريد أن يكون فيه سعة أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن».

    وتأمّل قوله عليه السلام. «من أصبح وأمسى والدنيا اكبر همّه جعل اللّه

    ______________________________

    (1) تحف العقول للحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي الفقيه الجليل : ص 208.

    (2) القصص : 83.

    (3) بحار الأنوار : 78/193/7.

    { 24 }

    الفقر بين عينيه، وشتّت أمره ولم ينل من الدنيا إِلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة اكبر همّه جعل الغنى في قلبه وجمع أمره»(1).

    أقول : لأن من كان همّه الدنيا فإن شهواته تلحُّ عليه وهو لا يستطيع إشباعها أبداً فهو دائماً في حاجة، وما يزال الفقر نصب عينيه، ويكون همّه متشعّباً، لتشعّب شؤون هذه الحياة، فيتشتّت عندئذٍ أمره، ومع ذلك لا ينال من الدنيا الواسعة إِلا ما قسم له، وأمّا من كان همّه الآخرة فيجعل اللّه القناعة في قلبه، ومن قنع استغنى، فلا يكون همّه عندئذٍ متشعّباً بتشعّب جهات الحياة، وبهذا يكون اجتماع أمره وهدوء فكره.

    ويمثل لك حسرة طلاب هذه الفانية أيضاً فيقول عليه السلام : «من كثر اشتباكه في الدنيا كان أشدّ لحسرته عند فراقها»(2).

    وأحسن ما مثل فيه المنهمكين بالدنيا في قوله : «من تعلّق قلبه بالدنيا تعلّق قلبه بثلاث خصال : همّ لا يفنى، وأمل لا يُدرك، ورجاء لا يُنال»(3).

    أقول : هذا نموذج من كلامه عن الدنيا والمغرورين بها، أرسله عليه السلام إِيقاظاً للغافلين، وتحذيراً من زخارفها الخدَّاعة.

    ______________________________

    (1) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها : 2/319/15.

    (2) نفس المصدر السابق : 2/320/16.

    (3) نفس المصدر : 2/320/17.

    الرياء

    الرياء : طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدلّ من الآثار عليها باللباس والهيئة والحركات والسكنات ونحوها.

    وهو من الكبائر الموبقة والمعاصي المهلكة، وقد تعاضدت الآيات والأخبار

    { 25 }

    على ذمّه. وقد ورد عن الصادق عليه السلام الكثير من الأحاديث في ذمّه وتنقص صاحبه، فقال مرّة :

    كلّ رياء شرك(1) إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل للّه كان ثوابه على اللّه(2).

    وقال اُخرى في قوله تعالى : «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً»(3) : الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يريد به وجه اللّه، إِنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن تسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه. ثمّ قال عليه السلام : ما من عبد أسرّ خيراً فذهبت الأيام حتّى يظهر اللّه له خيراً، وما من عبد يسرّ شرّاً فذهبت به الأيام حتّى يظهر اللّه له شرّاً»(4).

    وقال طوراً : «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسرّ سيّئاً، أليس يرجع الى نفسه فيعلم أن ليس كذلك، واللّه عزّ وجلّ يقول : «بل الانسان على نفسه بصيرة»(5) إِن السريرة اذا صحّت قويت العلانية»(6).

    أقول : ما أغلاها كلمة، لأن المرائي يرجع الى نفسه فيعرف أنه يُظهر غير ما يُضمر، فيظهر ذلك على أعماله من حيث يدري ولا يدري، لأنه بالرجوع الى نفسه يشعر بهذا الضعف والخداع ولا بدّ أن يبدو الضعف على عمله فيختلج فيه.

    ______________________________

    (1) إِذ أن من قصد بعبادة اللّه التقرّب الى الناس فلا يقصد ذلك إِلا حيث يظن أن من قصد التقرّب اليه له الحول والقوّة والنفع والضرّ من دون اللّه تعالى، وهذا هو الشرك بعينه.

    (2) الكافي، باب الرياء : 2/293/3.

    (3) الكهف : 110.

    (4) الكافي : 2/295/12.

    (5) القيامة : 14.

    (6) الكافي : 2/295/11.

    { 26 }

    أمّا الذي توافق عنده السرّ والعلن في الصلاح فإنه يكون قويّاً في عمله لأنه مطمئنّ من نفسه شاعر بقوّتها، والشعور بالقوَّة يسيطر على أقوال الإنسان وأفعاله.

    وقال أيضاً عليه السّلام : من أراد اللّه بالقليل من عمله أظهر اللّه له اكثر ممّا أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، وسهر من ليله، أبى اللّه عزّ وجلّ إِلا أن يقلّله في عين مَن سمَعه.

    وقال أيضاً : ما يصنع الانسان أن يعتذر بخلاف ما يعلم اللّه منه، إِن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : من أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداها إِن خيراً فخيراً، وإِن شرّاً فشرّاً.

    وقال عليه السلام : إِيّاك والرّياء، فإنه مَن عمل لغير اللّه وكّله اللّه الى مَن عمل له(1).

    أقول : هذه شذرات من كلامه في الرياء، أبان فيها عن سوء هذه النيّة الفاشلة، وخيبة من يريد منها رضى الناس، فتفضحه الأيام فلا عمله زكّاه ولا حصل على ما راءت لأجله

  8. المختار من كلامه

    إِن كلام أبي عبد اللّه عليه السلام لا تنزفه الدلاء، ولا تلمّ به صحائف، وما اكثر اُصوله، وأوفى فروعه، وإِنما نريد ههنا أن نذكر منه فصولاً أربعة، هي : الخطب، والعِظات، والوصايا، والحِكم، فإن بها نجعة الرائد ورواء الظمآن، وحياة النفس، إِجتهدتُ في جمعها واختيارها من خيرة الكتب وصفوة المؤلّفات.

    1 – خُطبه

    لم يعرف عنه أنه رقى الأعواد للإرشاد ولم تكن ظروفه تواتيه أن يخطب على الجماهير، ومع ذلك فقد عثرت قدر الوسع في التنقيب على خطبتين إِحداهما طويلة، والاُخرى قصيرة.

    أمّا الاُولى فهي على فصلين : (الأوّل) في صفة النبيّ خاصّة وهو قوله(1) : فلم يمنع ربّنا لحلمه وأناته وعطفه ما كان من عظيم جرمهم وقبيح أفعالهم أن انتجب لهم أحبّ أنبيائه اليه واكرمهم عليه، محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وآله، في

    ______________________________

    (1) لا يصلح أن يكون هذا الكلام ابتداء الخطبة، فلا بدّ أن يكون لها ابتداء غير هذا، ولقد تتبّعت أبواب الكافي فلم أجد فيها زيادة على ما أوردناه.

    { 4 }

    حومة العزّ(1) مولده، وفي دومة الكرم محتده(2) غير مشوب حسَبه، ولا ممزوج نسَبه، ولا مجهول عند أهل العلم صفته، بشّرت به الأنبياء في كتبها، ونطقت به العلماء بنعتها، وتأمّلته الحكماء بوصفها، مهذّب لا يدانى، هاشميّ لا يوازى، أبطحيّ لا يسامى، شيمته الحياء وطبيعته السخاء، مجبول على أوقار(3) النبوَّة وأخلاقها، مطبوع على أوصاف الرسالة وأحلامها الى أن انتهت به أسباب مقادير اللّه الى أوقاتها وجرى بأمر اللّه القضاء فيه الى نهاياتها، أدّى محتوم قضاء اللّه الى غاياتها يبشّر به كلّ اُمّة من بعدها، ويدفعه كلّ أب الى أب من ظهر الى ظهر، لم يخلط في عنصره سفاح، ولم ينجسه في ولادته نكاح، من لدن آدم إِلى أبيه عبد اللّه في خير فرقة، واكرم سبط، وأمنع رهط، وأكلأ حمل، وأودع حجر، اصطفاه اللّه وارتضاه واجتباه، وآتاه من العلم مفاتيحه، ومن الحِكم ينابيعه، ابتعثه رحمةً للعباد، وربيعاً للبلاد، وأنزل اللّه اليه الكتاب، فيه البيان والتبيان، قرآناً عربيّاً غير ذي عوج لعلّهم يتّقون، قد بيّنه للناس ونهجه بعلم قد فصّله، ودين قد أوضحه، وفرائض قد أوجبها، وحدود حدّها للناس وبيّنها، واُمور قد كشفها لخلقه وأعلنها، فيها دلالة الى النجاة ومعالم تدعو الى هداة، فبلّغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ما اُرسل به، وصدع بما اُمر به، وأدَّى ممّا حمّل من أثقال النبوّة، وصبر لربّه، وجاهد في سبيله، ونصح لاُمّته، ودعاهم الى النجاة، وحثّهم على الذِّكر، ودلّهم على سبيل الهدى، بمناهج ودواع أسّس للعباد أساسها، ومنازل رفع لهم أعلامها، كي لا يضلّوا من بعده، وكان بهم رؤوفاً

    ______________________________

    (1) أي في أرفع موضع من العز.

    (2) الدومة – بالضم – الشجرة، والمحتد – بفتح الميم وكسر التاء – الأصل.

    (3) أثقال.

    { 5 }

    رحيماً(1).

    (الفصل الثاني) ما كان منها في صفة الأئمة عليهم السلام، ذكره الكليني طاب ثراه في الكافي، كتاب الحجّة، باب نادر جامع في فصل الإمام وصفاته، وذكره المسعودي علي بن الحسين(2) في كتاب الوصيّة ص 139، قال : ولمّا أفضى أمر اللّه عزّ وجل اليه – يعني الصادق عليه السلام – جمع الشيعة وقام فيها خطيباً، فحمد اللّه وأثنى عليه وذكّرهم بأيّام اللّه، ثمّ ذكر الفصل الذي سنذكره، وبين رواية الكليني ورواية المسعودي اختلاف قليل، ونحن نورده على رواية الكليني لأن فيها زيادات.

    قال عليه السلام : إِن اللّه تعالى أوضح بأئمة الهدى من أهل بيت نبّنا عن دينه، وأبلج(3) بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فمن عرف من اُمّة محمد صلّى اللّه عليه وآله واجب حقّ إِمامه وجد طعم حلاوة إِيمانه، وعلم فضل طلاوة(4) إِسلامه، لأن اللّه تعالى نصب الإمام علَماً لخلقه، وجعله حجّة على اهل مواده(5) وعالمه، وألبسه تعالى تاج الوقار، وغشاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب من السماء لا ينقطع عنه مواده(6) ولا ينال ما عند اللّه إِلا بجهة

    ______________________________

    (1) الكافي، باب مولد النبي صلّى اللّه عليه وآله، قال بعد أن ذكر السند عن أبي عبد اللّه عليه السلام: في خطبة له خاصّة يذكر فيها حال النبي صلّى اللّه عليه وآله والأئمة عليهم السلام وصفاتهم، فذكر ههنا ما اختصّ بالنبي صلّى اللّه عليه وآله، وذكر في باب فضل الإمام وصفاته ما اختص بالإمام.

    (2) أبو الحسن الهذلي البغدادي صاحب التآليف القيّمة ومن أشهرها مروج الذهب وهو إِماميّ المذهب ويعتمد عليه الفريقان، ولم تضبط سنة وفاته، وقيل : إِنه كان حيّاً الى عام 345.

    (3) أوضح وأنار.

    (4) الطلاوة – مثلثة الطاء – الحسن والبهجة والقبول.

    (5) جمع مدة – بالضم – البرهة من الدهر، أي أهل زمانه.

    (6) جمع مادة.

    { 6 }

    أسبابه، ولا يقبل اللّه أعمال العباد إِلا بمعرفته(1) فهو عالم بما يرد عليه من ملتبسات الدجى، ومعميات السنن، ومشتبهات الفتن، فلم يزل اللّه تعالى مختارهم لخلقه من ولد الحسين عليه السلام من عقب كلّ إِمام إِماماً، يصطفيهم لذلك ويجتبيهم، ويرضى بهم لخلقه ويرتضيهم، كلّما مضى منهم إِمام نصب لخلقه من عقبه إِماماً، عَلماً بيّناً، وهادياً نيّراً، وإِماماً قيّماً، وحجّة عالماً، أئمة من اللّه يهدون بالحقّ وبه يعدلون، حجج اللّه ودعاته ورعاته على خلقه، يدين بهداهم العباد وتستهلّ بنورهم البلاد، وينمو ببركتهم التلاد(2) جعلهم اللّه حياة للأنام، ومصابيح للظلام، ومفاتيح للكلام، ودعائم للاسلام، جرت بذلك فيهم مقادير اللّه على محتومها، فالامام هو المنتجب المرتضى، والهادي المنتجى(3) والقائم المرتجى(4) اصطفاه اللّه بذلك واصطنعه على عينه في الذرّ حين ذرأه، وفي البريّة حين برأه، ظلاً قبل خلق الخلق نسمة عن يمين عرشه، محبواً بالحكمة في عالم(5) الغيب عنده، اختاره بعلمه، وانتجبه لطهره، بقيّة من آدم عليه السلام، وخيرة من ذرّيّة نوح، ومصطفى من آل إِبراهيم، وسلالة من إِسماعيل، وصفوة من عترة محمّد صلّى اللّه عليه وآله، لم يزل مرعيّاً بعين اللّه يحفظه ويكلأه بستره، مطروداً عنه حبائل إِبليس وجنوده، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق(6) ونفوث كلّ فاسق(7)،

    ______________________________

    (1) كما قال صلّى اللّه عليه وآله : من مات ولم يعرف إِمام زمانه مات ميتة جاهلية، أي كأنه لم يسلم ولم يعمل عملاً في الاسلام عبادة أو غيرها.

    (2) أي النتاج المتأخّر.

    (3) بالبناء للمفعول أي المنتخب أو المخصوص بالسرّ من الانتجاء الاختصاص بالمناجاة.

    (4) المرتضى في نسخة.

    (5) علم «خ».

    (6) الوقوب : الدخول، والغواسق : جمع غاسق الظلام، ويراد منه كلّ ما يطرق بالليل من سوء من الهوام والسباع والفسّاق.

    (7) النفث : السحر.

    { 7 }

    مصروفاً عنه قوارف السوء(1) مبرأً من العاهات، معصوماً من الفواحش كلّها، معروفاً بالحلم والبرّ في يفاعه(2) منسوباً الى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسنداً اليه أمر والده، صامتاً عن المنطق في حياته، فاذا انقضت مدّة والده الى أن انتهت به مقادير اللّه الى مشيّته، وجاءت الإرادة من اللّه فيه الى محبّة(3) وبلغ منتهى مدّة والده صلّى اللّه عليه فمضى وصار أمر اللّه اليه من بعده، وقلّده دينه وجعله الحجّة على عباده، وقيّمه في بلاده وأيّده بروحه وآتاه علمه وأنبأه فصل بيانه، ونصبه عَلماً لخلقه، وجعله حجّةً على أهل عالمه، وضياءً لأهل دينه، والقيّم على عباده، رضي(4) اللّه به إِماماً لهم، استودعه سرّه، واستحفظه علمه، واستخبأه حكمته، واسترعاه لدينه، وانتدبه لعظيم أمره، وأحيى به مناهج سبيله، وفرائضه وحدوده، فقام بالعدل عند تحيّر أهل الجهل، وتحيير أهل الجدل، بالنور الساطع، والشفاء النافع، بالحقّ الأبلج، والبيان اللائح من كل مخرج، على طريق المنهج الذي مضى عليه الصادقون من آبائه عليهم السلام، فليس يجهل حقّ هذا العالم إِلا شقي، ولا يجحده إِلا غوي، ولا يصدّ عنه إِلا جريء على اللّه تعالى.

    أقول : لعلّك تخال بأن هذه النعوت كبيرة على الإنسان بحكم العادة، وأين من يحمل هذه الصفات ولكنّك لو نظرت الى أن الإمامة خلافة الرسول، وأن خليفته يجب أن يقوم بوظائفه، مرشداً لاُمّته، مصلحاً للناس عامّة، لايقنت أن هذه النعوت لا تنفكّ عنه، وأنه لا بدّ أن يكون في الاُمّة من يتحلّى بهذه

    ______________________________

    (1) قوارف السوء : أعماله ومقارباته.

    (2) شبابه.

    (3) حجّته «خ» حجبه «خ».

    (4) جواب «فاذا انقضت».

    { 8 }

    السمات(1).

    (الخطبة الثانية) هي المرويّة في مناقب ابن شهراشوب «1/ 183 – 184» قال : لمّا دخل هشام بن الوليد المدينة أتاه بنو العبّاس وشكوا من الصادق عليه السلام أنه أخذ تركات ماهر الخصي دوننا، فخطب أبو عبد اللّه عليه السلام فكان ممّا قال :

    إِن اللّه لمّا بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان أبونا أبو طالب المواسي له بنفسه والناصر له، وأبوكم العبّاس وأبو لهب يكذبان ويوليان عليه شياطين الكفر وأبوكم يبغي له الغوائل، ويقود اليه القبائل في بدر، وكان في أوّل رعيلها وصاحب خيلها ورجلها، المطعم يومئذٍ، والناصب له الحرب، ثمّ قال :

    فكان أبوكم طليقنا وعتيقنا، وأسلم كارهاً تحت سيوفنا، ولم يهاجر إِلى اللّه ورسوله هجرة قط، فقطع اللّه ولايته منّا بقوله : «الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء»(2) ثمّ قال :

    مولى لنا مات فخرنا تراثه، إِذ كان مولانا ولأنّا ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، واُمّنا فاطمة أحرزت ميراثه.

    أقول : إِن الصادق أرفع من أن يواقف بني العبّاس من جراء المال، ولكن إِخال أنه يريد أن يكشف حالاً للعبّاس كانت مجهولة، لأن المُلك سوف يوافي بنيه فيعلم الناس شأن من يملك منهم الرقاب.

    وهذه الكلمات على وجازتها تفيد التاريخ فوائد جمّة، ولا أحسب أن التاريخ يذكر للعبّاس تلك المواقف.

    ______________________________

    (1) سبق في الطليعة صدر الكتاب برهاننا على الإمامة، واستوفينا ما يجب أن يتصف به الإمام مع البرهان عليه في رسالتنا «الشيعة والإمامة».

    (2) الأنفال : 72.

    { 9 }

    وقد سبق أن قلت : إِني لم أجد حسب الجهد في التتبّع خُطَباً لصادق أهل البيت غير ما ذكرنا، نعم إِلا أن يكون وقوفه في وجه شيبة بن عفال والي المنصور على المدينة يعدّ من الخطب، فتكون ثلاثاً، وقد أوردناها في مواقفه مع المنصور وولاته في الجزء الأول.

    * * *

    2 – عِظاته

    ما زال إِمامنا عليه السلام ينشر مواعظه الخالدة بين الناس لتهذيبهم وإِرشادهم الى طريق اللّه تعالى اللاحب، وحرصاً على سعادتهم في الدارين، والذي وصل الينا منها الشيء الكثير الذي يفوت الحصر وهو مبثوث في غضون الكتب التي بين أيدينا.

    وقد رأينا أن نورد أهمّ ما وصل الينا من هذه المواعظ مرتّباً على الأبواب على نحو ما يأتي :

    المعرفة

    معرفة اللّه تعالى أوّل الواجبات، وأساس الفضائل والأعمال، بل هي غاية الغايات، ومنتهى كمال الانسان، وعلى قدر التفاضل فيها يكون التفاضل بين الناس، ولأجله جعلناها في طليعة مواعظه، وكفى من كلامه فيها أن نورد هذه الشذرات الآتية التي يدعو فيه الى المعرفة، ويحثّ عليها كاشفاً عن جليل آثارها وعظيم لذّتها، فقال عليه السلام :

    «لو يعلم الناس ما في فضل معرفة اللّه عزّ وجل ما مدّوا أعينهم الى ما متّع اللّه به الأعداء من زهرة هذه الحياة الدنيا ونعيمها، وكانت دنياهم أقلّ عندهم ممّا يطؤونه بأرجلهم، ولنعموا بمعرفة اللّه عزّ وجل وتلذّذوا به تلذّذ من لم يزل في

    { 11 }

    روضات الجنّات مع أولياء اللّه، إِن معرفة اللّه عزّ وجل أنس من كلّ وحشة، وصاحب من كلّ وحدة، ونور من كلّ ظلمة، وقوّة من كلّ ضعف، وشفاء من كلّ سقم».

    ثمّ قال عليه السلام : «قد كان قبلكم قوم يقتلون ويحرقون وينشرون بالمناشير، وتضيق عليهم الأرض برحبها فما يردهم عمّا عليه شيء ممّا هم فيه، من غير ترة وتروا من فعل ذلك بهم ولا أذى، بل ما نقموا منهم إِلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد، فاسألوا درجاتهم، واصبروا على نوائب دهركم تدركوا سعيهم»(1).

    إِنّه عليه السلام يصف المعرفة كمن ذاقها، فيحبّذ هذا الطعم الشهي للناس، ونحن لاسترسالنا في الغفلة لا نعرف ذلك المذاق، سوى أننا نفقه أن من اتّجه الى معرفة اللّه تعالى ودنا من حظيرة القدس شبراً بعدُ عن متاع هذا الوجود ميلاً، وكلّما تجرّد عن زخرف هذا الوجود استزهد ما دون معرفة واجب الوجود.

    ______________________________

    (1) الكافي : 8/207/347.

    الخوف والرجاء

    إِنَّ اللّه سبحانه جمع بين العظمة والرأفة، وبين الغضب والرضى، فعلى سعة رحمته عظيم سخطه، وعلى جزيل ثوابه كبير عقابه، ومن كانت رحمته واسعة كان الأمل بشمولها للمجرم قريباً، ومن كان عقابه شديداً كان الخوف من سخطه أكيداً، فلا بدَّ للمؤمن إِذن أن يكون دائماً بين الخوف والرجاء، لأنه لا يدري بأيّة زلّة يُؤخذ فيكتب في ديوان المجرمين، ولا يعلم على أيّة حسنة يُثاب

    { 12 }

    فيُحسب من المحسنين، فيجب عليه أبداً أن يحذر الزلّة فيتّقيها، ويرعى الحسنة فيوافيها، وتعاليم الصادق عليه السلام الواردة عنه هي من أعظم ما ورد في هذا الباب تشرح حقيقة الخوف والرجاء وكيف يجتمعان وضرورة اجتماعهما في المؤمن وأثر انعدامهما على الانسان، وما الى ذلك، فقال في الخوف :

    «خف اللّه كأنك تراه وإِن كنت لا تراه فانّه يراك، وإِن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإِن كنت تعلم أنه يراك ثمّ بدرت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك».(1)

    أقول : أمّا الكفر بإنكار رؤيته للناس فلأن معناه إِنكار علمه بالموجودات وهو يساوق إِنكار خلقه بل إِنكار وجوده.

    وأمّا أنه يكون أهون الناظرين فواضح لأن المرء إِذا أحسّ أن أحداً ذا شأن وبطش وقوّة مشرف على عمله ساخط عليه قادر على الفتك به، فإنه لا محالة يكفّ عن العصيان خجلاً أو حذراً وخوفاً، وإِنما يكون التهاون بالناظر والمطّلع إِذا كان ممّن لا يتّقى أو يخشى أو كان ممّن يستهان برضاه وغضبه وثوابه وعقابه، فالمبادر بالمعصية مع علمه بأنه تعالى لا يراه لا محالة قد جعله أهون الناظرين.

    وقال عليه السلام أيضاً : من عرف اللّه خافه، ومن خاف اللّه سخت نفسه عن الدنيا(2).

    وقال عليه السلام : إِن من العبادة شدة الخوف من اللّه عزّ وجل، يقول اللّه عزّ وجل : «إِنما يخشى اللّهَ من عباده العلماء»(3) وقال جلّ ثناؤه : «فلا تخشَوا الناس واخشَونِ»(4) وقال تبارك وتعالى : «ومن يتّقِ اللّه يجعل له مخرجاً»(5)، إِن

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الخوف والرجاء : 2/67/2.

    (2) نفس المصدر : 2/68/4.

    (3) الملائكة : 28.

    (4) المائدة : 44.

    (5) الطلاق : 2.

    { 13 }

    حُبّ الشرف والذكر لا يكونان في قلب الخائف الراهب(1).

    وقال عليه السلام في قوله عزّ وجل : «ولمن خاف مقام ربّه جنّتان»(2) : من علمَ أن اللّه يراه ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله من خير أو شرّ فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال فذلك الذي خاف مقام ربّه، ونهى النفس عن الهوى.

    وقال عليه السلام : المؤمن بين مخافتين، ذنب قد مضى لا يدري ما صنع اللّه فيه، وعُمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك، فهو لا يصبح إِلا خائفاً ولا يصلحه إِلا الخوف(3).

    أقول : كذلك صلاح المؤمن يكون بالخوف أبداً، لأنه إِذا خاف اتجه بكلّ جارحة وجانحة لدفع ما يخاف منه، فينصرف عن العصيان ويقبل على الطاعة.

    وقال عليه السلام : من خاف اللّه أخاف اللّه منه كلّ شيء ومن لم يخف اللّه أخافه من كلّ شيء(4).

    وقال عليه السلام في الخوف والرجاء معاً : ينبغي للمؤمن أن يخاف اللّه تعالى خوفاً كأنه مُشرِف على النارِ، ويرجو رجاءً كأنه من أهل الجنّة – ثمّ قال – : إِنّ اللّه تعالى عند ظنّ عبده إِن خيراً فخيراً، وإِن شرّاً فشرّاً(5).

    أقول : كذلك ينبغي للمؤمن أن يكون بين الخوف والرجاء كما قال تعالى : «يدعون ربّهم خوفَاً وطمعاً»(6) لأن الخوف وحده قد يبعث على اليأس والقنوط،

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الخوف والرجاء : 2/69/7.

    (2) الرحمن : 46.

    (3) الكافي : 2/71/12.

    (4) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /42، والكافي : 2/68/3.

    (5) الكافي : 2/72/3.

    (6) السجدة : 16.

    { 14 }

    واليأس من رحمة اللّه مذموم يثبّط العبد عن العمل الصالح، والرجاء وحده قد يدفع بالعبد على الأمن من مكر اللّه وهو ضلال وخيبة يقعد بالعبد عن النشاط للعبادة، وأمّا المراد من أن اللّه تعالى عند ظنّ عبده فلا يبعُد أن يكون أنه في رعاية العبد ومكافاته على حسب ما يظن، لا أنه يكون كذلك بمجرّد الظن وإِن عمل ما لا يرتضيه اللّه تعالى من السوء وهو يظنّ فيه الخير، كما سينبّه عليه.

    وقال عليه السلام : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتّى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو(1).

    أقول : لأن العمل مظهر الخوف والرجاء فإن لم يعمل كان كاذباً في دعوى الخوف والرجاء، وعليه الوجدان، فإن من خاف أحداً على نفسه أو نفيسه اجتهد في الحيطة والحذر، ومن رجا توسّل بالذرائع التي تقرّبه من المرجو.

    وقال عليه السلام : حسن الظنّ باللّه ألا ترجو إِلا اللّه ولا تخاف إِلا ذنبك(2).

    أقول : لأن رجاء غير اللّه لا يكون إِلا عن شكّه في قدرة اللّه ورحمته لعباده أو عن توهّم أن غير اللّه له قدرة مستغنية عنه تعالى وهذا سوء ظنّ بالقادر الرحيم، وكذلك خوف غير الذنب من نحو الخوف من الموت والانسان والمخلوقات الاُخرى فإنه يستلزم الشكّ في قدرة اللّه ورحمته.

    وقيل له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتّى يأتيهم الموت، فقال عليه السلام : هؤلاء يترجّحون(3) في الأماني، كذبوا ليسوا

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الخوف والرجاء : 2/71/11.

    (2) الكافي، باب حسن الظن باللّه : 2/72/4.

    (3) يتذبذبون.

    { 15 }

    براجين، من رجا شيئاً طلبه ومن خاف من شيء هرب منه(1).

    أقول : فإن المرجو لا ينال بغير السعي والطلب إِلا صدفة، والمخاف لا يسلم منه بغير الهرب إِلا صدفة، وهل يتَّكل العاقل الرشيد في أمريه على الصدف.

    _____________________________

    (1) الكافي، 2/68/5.

    الورع والتقوى

    إِن من آثار معرفته تعالى والخوف منه تقواه والورع عن محارمه، ولذلك حذَّرَ أبو عبد اللّه عليه السّلام من التورّط في المخالفة ورَغّبَ في الإحاطة بالتقوى، والورع في الدين.

    فيقول مرّة : «اتقوا اللّه وصونوا دينكم بالورع» واُخرى بعد أن رَغَّب في الزُّهد : «عليكم بالورع»(2) وثالثة : «من أشدّ ما فرضَ على خلقه ذكر اللّه كثيراً، ولا أعني سبحان اللّه والحمد للّه ولا إِله إِلا اللّه واللّه اكبر، وإِن كان منه، ولكن ذكر اللّه عند ما أحلَّ وحرَّم، فإن كان طاعة عمل بها، وإِن كان معصية تركها»(3).

    أقول : حقّاً أنّ موقف الإنسان لشديد أمام الواجب والمحرّم، بأن يجعل اللّه نصب عينيه عندهما، فيعمل ما يجب، ويرفض ما حرّم، وان الورع ليعلم في هذه المواقف حين لم يكن القاهر غير النفس والدين.

    وسُئل مرَّة عن تعريف الورع من الناس ليعرفوا بذلك حقيقة الورع فقال عليه السّلام : الذي يتورّع عن محارم اللّه عزّ وجل(4).

    ______________________________

    (2) الكافي، باب الورع : 2/76/3.

    (3) الكافي، باب اجتناب المحارم : 2/80/4.

    (4) الكافي، باب الورع : 2/77/8.

    { 16 }

    وسُئلَ عن قوله اللّه عزّ شأنه : «وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءاً منثوراً(1)» فقال عليه السلام : أما واللّه إِن كانت أعمالهم أشدّ بياضاً من القباطي(2) ولكن اذا عرض لهم حرام لم يَدعوه(3).

    وقال المفضّل بن عمر(4) يوماً : أنا ما أضعف عملي، فقال عليه السّلام له : مَه إِستغفر اللّه، إِن قليل العمل مع التقوى خير من كثير بلا تقوى، فقال له : كيف يكون كثيراً بلا تقوى ؟ قال عليه السلام: نعم مثل الرجل يطعم طعامه، ويرفق جيرانه، ويوطئ رحله(5) فاذا ارتفع له الباب من الحرام دخله(6).

    وهذا نظير قول النبي صلّى اللّه عليه وآله : إِن من قال لا إِله إِلا اللّه غرست له شجرة في الجنّة، فقال له بعض أصحابه : إِذن إن شجرنا في الجنّة لكثير، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : ولكن لا ترسلوا عليها ناراً فتحرقوها.

    ______________________________

    (1) الفرقان : 23.

    (2) الثياب المنسوبة الى قبط مصر.

    (3) الكافي، باب اجتناب المحارم : 2/81/5.

    (4) الجعفي الكوفي ممّن أخذ عن الصادق والكاظم عليهما السلام وكان من وكلاء الصادق في الكوفة وسنذكره في ثقات المشاهير من رواته.

    (5) كناية عن استعداده لقبول الأضياف وغشيانهم داره.

    (6) الكافي، باب الطاعة : 2/76/7.

    الزهد

    الزهد : هو الإعراض عن الدنيا بقلبه وجوارحه، رغبته في الآخرة وفي ما عند اللّه تعالى، وهو أحد منازل الدين وأعلى مقامات العارفين.

    وحقّاً أن العارف باللّه لا ينبغي أن يعبأ بالدنيا إِن أقبلت عليه أو أدبرت عنه، لأن الإقبال عليها يشغله عن التماس تلك الرتب، التي لا يحسّ بحلاوتها إِلا

    { 17 }

    من تجرّد عن هذه الشواغل.

    ولذلك يقول صادق أهل البيت عليهم السلام : جعل الخير كلّه في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.

    ويروي هو لنا عن المرشد الاكبر جدّه النبي صلّى اللّه وآله قوله : لا يجد الرجل حلاوة الإيمان حتّى لا يبالي من أكل الدنيا.

    ثمّ يقول الصادق عليه السلام : حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتّى تزهد في الدنيا.

    ويقول مرّة ترغيباً في الزهد : ما أعجب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله شيء من الدنيا إِلا أن يكون فيها جائعاً خائفاً.

    ويقول تارة : اذا أراد اللّه بعبده خيراً زهّده في الدنيا، وفقّهه في الدين وبصّره عيوبها، ومن اُوتيهنّ فقد أوتي خير الدنيا والآخرة.

    أقول : حقّاً أنّ الخير كلّه في هذه الثلاث، لأن فيها الراحة والطمأنينة والبصيرة، وهذا هو الخير في هذه العاجلة، والحظوة بالرتب العليّة في تلك الآجلة كما وعد اللّه.

    ويقول أيضاً : لم يطلب أحد الحقّ بباب أفضل من الزهد في الدنيا، وهو ضدّ لما طلب أعداء الحقّ من الرغبة فيها، ألا مِن صبّار كريم، فإنما هي أيام قلائل.

    أقول : إِن الذي يحول بين المرء وبين الحقّ هو الحبّ للدنيا والرغبة فيها، فإن الرغبة في وفرة المال تمنعه عن أداء حقّه، والحبّ للجاه يحجزه عن القول بالحقّ، والميل الى الراحة يصدّه عن القيام بالفرض، فلا يطيق المرء إِذن أن يقول الحقّ أو يعمله أو يبلغه إِن لم يعرض عن هاتيك الأماني النفسيّة، نعم إِن الإعراض عن هذه الرغائب يحتاج الى صبر وسخاء نفس، ومن ثمّ ندب الصادق الى هذا الصفح أرباب الصبر والكرم ثمّ أشار الى أن الصبر والكرم لا ينبغي أن

    { 18 }

    يكونا عزيزين في الناس اذا انتبهوا الى أن البقاء في الدنيا لا يكون إِلا أياماً قلائل، لأن الانسان اذا عرف أن الشدّة لا تدوم وطّنَ نفسه على السخاء والصبر على تلك المكاره.

    ثمّ أنه عليه السلام رغّب في الزُّهد من طريق نفعه العاجل، وهو أحسن ذريعة للرغبة في الشيء، لأن المرء يريد أبداً أن يكون لعمله نتيجة عاجلة، فقال : ومن زهد في الدنيا أثبت اللّه الحِكمة في قلبه، وانطلق بها لسانه، وبصّره عيوب الدنيا داءها ودواءها وأخرجه اللّه سالماً الى دار السّلام(1).

    نعم يجب أن نعرف الزُّهد وحقيقته، لئلا نخبط في التلبّس به خبط عشواء، فقد سأله بعض العارفين من أصحابه عن حدّ الزهد في الدنيا، فقال عليه السلام : فقد حدّه اللّه في كتابه، فقال عزّ من قائل : «لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم»(2) ثمّ قال : إن أعلم الناس أخوفهم للّه، وأخوفهم له أعلمهم به، وأعلمهم به أزهدهم فيها(3).

    أقول : إِن تحديده للزهد بما في الآية الكريمة يفهمنا أن الزهد في الدنيا ليس كما يتبادر الى بعض الأفهام من الجشوبة في العيش والخشونة في الملبس، وإِن كانتا من آثاره أحياناً، وإِنّما هو أعلى وأرفع من ذلك.

    إِن المرء اذا كان مُعرِضاً عن الدنيا هانت عليه فلا يحزن بما فات، ولا يفرح بما هو آت، ولو كان مقبلاً عليها لأحزنه الفائت وأسرَّه الآتي، فأحسن كاشف عن حقيقة الزُهد في الدنيا هذا الحزن والفرح.

    ولو كان الزُهد الصفح عن نعيم هذا الوجود وما فيه من ملذّات كما

    ______________________________

    (1) الكافي، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها : 2/128/1.

    (2) الحديد : 23.

    (3) بحار الأنوار : 78/193/7.

    { 19 }

    تصنع المتصوَّفة لما خلق اللّه هذه الطيّبات منَّه على العباد، أفهل يا ترى يمنّ عليهم بشيء وهو الجواد ويكره أن ينالوا منه البلغة، فلمن إِذن خلَق تلك الطيّبات من الرزق «قُل مَن حرَّم زينة اللّه التي أَخرَج لِعبادِه والطيّباتِ مِن الرّزق»(1). ويكشف لنا عن جليّة الحال بقوله عليه السلام : «فأمّا اذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، ومؤمنوها لا منافقوها، ومسلموها لا كفّارها» وقد قال ذلك عندما رأوه وعليه ثياب بيض وعابوا عليه تلك البزَّة وحسبوها من الرغبة في الدنيا، وكان شعار آبائه الزهد.

    نعم إِنَّما يُراد من العبد ألا يكون شغله الطيّبات وهمّه هذه الحياة، بل أن يكون شغله ما هو أرفع، وهمّه فيما هو أبقى وأنفع.

    إِن اللّه سبحانه قد فرض فرائض، وحدّد حدوداً لم يسأل العباد عمّا وراءها، ولذلك تجد الصادق عليه السلام يرشدنا الى تلك الحقيقة فيقول : أورع الناس من وقف عند الشبهة، وأعبد الناس من أقام الفرائض، وأزهد الناس من ترَكَ الحرام، وأشدّ الناس اجتهاداً من ترَكَ الذنوب(2).

    الدنيا :

    ليست دُنيا الانسان إِلا نفسه وما فيها من غرائز وشهوات وأفكار واعتقادات، وكلّ شيء ما عدا نفسه فهو خارج عن ذاته أجنبيّ عنه، بل ليس من دُنياه في شيء، ولا يرتبط به إِلا بمقدار ما يرتبط في أفكاره وآرائه وإِشباع شهواته وتحقيق ما تدفع اليه الغرائز.

    فاذا اُشبعت شهواته كلّها فقد حاز على كلّ ما في دنياه بحذافيرها وإِلا فهو

    ______________________________

    (1) الأعراف : 30.

    (2) بحار الأنوار : 78/192/5.

    { 20 }

    محروم منها بمقدار بقاء بعض شهواته جائعة أو مكبوتة.

    غير أن إِشباع جميع الشهوات من المستحيل على الانسان في هذه الحياة الدنيا، ولنضرب مثلاً بشهوة حبّ الاستعلاء والسيطرة التي هي أشدّ الشهوات عرامة وقوّة، فإن الإنسان مهما بلغ من السلطان والاستطالة لا بدّ أن تكون هنا جهات اُخرى لم يشملها سلطانه أو تزاحمه عليه وتضايقه أو متمرّدة عليه، فشهوة السلطان والحال هذه لا تشبع أبداً مهما حاول صاحبها إِشباعها، على أنها كلّما غذيت تقوى وتشتدّ ولا تصل الى حدّ الإشباع، ومثلها أيضاً من هذه الناحية شهوة التملّك والحيازة، فإن كلّ ما تحقق لصاحبها التملّك من الأموال فإن الأموال – بطبيعة الحال – لا يحوزها كلّها بل الأكثر يبقى ممتنعاً عليه، وهو يزيد كلّما زادت أمواله شهوةً وحرصاً على جمعها.

    مضافاً الى أن إِشباع مثل شهوة السيطرة والتملّك لا يتمّ حتّى بعضه إِلا بالتنازل عن كثير من الشهوات مثل شهوة الراحة والاستقرار والأمن لأن الاحتفاظ بالسيطرة والتملّك أو توسعتهما يستدعي كثيراً من مدافعة المزاحمين ومناهضة المتمرّدين، وكلّما زادت سيطرته وتملّكه زادت المزاحمة فتزيد محروميّته من اشباع كثير من الشهوات، وهكذا كلّما زاد الإنسان انغماراً في الشهوات وحرصاً على دُنياه زادت شهواته عرامة وقوّة وبقيت اكثر شهواته بلا إِشباع تلحُّ عليه وتؤلمه وتنغّص عليه عيشه وراحته حتّى يموت في سبيل ذلك.

    وما أعظم تصوير هذه الناحية في الإنسان في كلمات إِمامنا عليه السلام إِذ يقول : «إِنَّ مثل الدنيا كمثل ماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتّى يقتله»(1).

    ______________________________

    (1) الكافي، باب ذمّ الدنيا والزهد فيها : 2/136/24.

    { 21 }

    ويقول عليه السلام : «مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّ كلّما ازدادت من القزّ على نفسها لفّاً كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا»(1).

    ويقول عليه السلام في التحذير من الدنيا : «إِنَّ مثل الدنيا مثل الحيّة مسّها ليّن وفي جوفها السمّ القاتل، يحذرها الرجل العاقل، ويهوى اليها الفتيان بأيديهم»(2).

    أقول : إِن الرجل العاقل هو المجرّب الذي خبر الدنيا فعرف أنها لا تصفو من الكدر وأنها تخبئ كثيراً من الآلام والآفات والنكبات، أما الغرّ غير المجرّب فهو كالطفل يرى حلاوتها ولم يشعر بمرارتها، فيغترّ بها كما يغترّ بلين مسّ الحيّة وإِن كان فيها السمّ القاتل، والامام عليه السلام وجميع المصلحين يحذّرون من الاغترار بنعيم الدنيا، لأنه يسبّب طغيان الانسان وعتوّه ونسيان الآخرة وما يجب من العمل لها في فرصة الحياة الدنيا. وإن شئت أن تبعد غوراً في عرفانها فتبصّر بقوله في صفتها :

    «إِن هذه الدنيا وإِن أمتعت ببهجتها، وغرّت بزبرجها، فإن آخرها لا يعدو أن يكون كآخر الربيع، الذي يروق بخضرته ثمّ يهيج(2) عند انتهاء مدته، وعلى من نصح لنفسه وعرف ما عليه وله أن ينظر اليها نظر من عقل عن ربّه جلّ وعلا وحذر سوء منقلبه، فإن هذه الدنيا خدعت قوماً فارقوها أسرع ما كانوا اليها، وأكثر ما كانوا اغتباطاً بها، طرقتهم آجالهم بياتاً وهم نائمون، أو ضحَى وهم يلعبون، فكيف اُخرجوا عنها، والى ما صاروا بعدها، أعقبتهم الألم، وأورثتهم

    ______________________________

    (1) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها : 2/316/7.

    (2) كتاب الزهد للثقة الجليل الحسين بن سعيد بن حمّاد بن مهران الأهوازي، باب ما جاء في الدنيا ومن طلبها : 45/121.

    (3) ينبس.

    { 22 }

    الندم، وجرعتهم مُرَ المذاق وغصّصتهم بكأس الفراق، فيا ويح من رضي عنها أو أقرّ عيناً، أما رأى مصرع آبائه، ومن سلف من أعدائه وأوليائه أطول بها حيرة، وأقبح بها كرّة، وأخسر بها صفقة، واكبر بها ترحة، اذا عاين المغرور بها أجله وقطع بالأماني أمله، وليعمل على أنه اُعطي أطول الأعمار وأمدَّها، وبلغ فيها جميع الآمال، هل قصاراه إِلا الهرم، وغايته إِلا الوهم(1) نسأل اللّه لنا ولك عملاً صالحاً بطاعته، ومآباً الى رحمته، ونزوعاً عن معصيته، وبصيرةً في حقّه، فإنما ذلك له وبه»(2).

    وتأمّل قوله في نعتها ونعت ذويها : «كم من طالب للدنيا لم يدركها، ومدرك لها قد فارقها، فلا يشغلنّك طلبها عن عملك، والتمسها من مُعطيها ومالكها، فكم من حريص على الدنيا قد صرعَته، واشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتّى فُني عمره وأدركه أجله»(3).

    وما أصدق قوله في تحليلها وأطوار الناس فيها : «ما الدنيا وما عسى أن تكون، هل الدنيا إِلا اكل اكلته، أو ثوب لبسته، أو مركب ركبته، إِن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة، دار الديا دار زوال، ودار الآخرة دار قرار، أهل الدنيا أهل غفلة، إِن أهل التقوى أخفّ أهل الدنيا مؤونة واكثرهم معونة، إِن نسيت ذكّروك، وإِن ذكّروك أعلموك، فانزل الدنيا كمنزلٍ نزلته فارتحلت عنه، أو كمالٍ أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شيء منه، فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه، وكم

    ______________________________

    (1) الثقل والرداءة.

    (2) مهج الدعوات، في باب أدعية الصادق، وقد أشرنا اليها في فصل استدعاء المنصور له في أوّل مرّة.

    (3) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق عليه السلام.

    { 23 }

    من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه»(1).

    وانتبه الى قوله عليه السلام : «ما انزلت الدنيا من نفسي إِلا بمنزلة الميتة، اذا اضطررت اليها اكلت منها، إِن اللّه تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون والى ما هم اليه صائرون، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة لعلمه السابق فيهم، فلا يغرّنك حسن الطلب ممّن لا يخاف الفوت» ثمّ تلا قوله تعالى : «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً»(2) وجعل يبكي ويقول : «ذهبَت واللّه الأماني عند هذه الآية» ثمّ قال عليه السلام : «فاز واللّه الأبرار، الذين لا يؤذون الذر، كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار جهلاً»(3).

    أقول : أراد بقوله «ذهبَت واللّه الأماني» أماني أهل الأعمال السيّئة إِذ يحلم اللّه عنهم فيظنّون أنهم في نجاة من عذاب اللّه في الآخرة، ولكن الآية دالّة على أن الدار الآخرة مقصورة على هؤلاء الذين لا يريدون العلوّ ولا الفساد، إِذن فلا نصيب لغيرهم فيها، وأين تكون أماني أهل الآمال الذين ليسوا من اولئك، وقد قطعت الآية تلك الأماني من نفوسهم.

    وشكا اليه رجل الحاجة، فقال عليه السلام : «اصبر فإن اللّه سيجعل لك فرجاً» ثمّ سكت ساعة، ثمّ أقبل على الرجل فقال : «اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو ؟ فقال : أصلحك اللّه، ضيق منتن، وأهله بأسوأ حال، فقال عليه السلام : إِنما أنت في السجن فتريد أن يكون فيه سعة أما علمت أن الدنيا سجن المؤمن».

    وتأمّل قوله عليه السلام. «من أصبح وأمسى والدنيا اكبر همّه جعل اللّه

    ______________________________

    (1) تحف العقول للحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي الفقيه الجليل : ص 208.

    (2) القصص : 83.

    (3) بحار الأنوار : 78/193/7.

    { 24 }

    الفقر بين عينيه، وشتّت أمره ولم ينل من الدنيا إِلا ما قسم له، ومن أصبح وأمسى والآخرة اكبر همّه جعل الغنى في قلبه وجمع أمره»(1).

    أقول : لأن من كان همّه الدنيا فإن شهواته تلحُّ عليه وهو لا يستطيع إشباعها أبداً فهو دائماً في حاجة، وما يزال الفقر نصب عينيه، ويكون همّه متشعّباً، لتشعّب شؤون هذه الحياة، فيتشتّت عندئذٍ أمره، ومع ذلك لا ينال من الدنيا الواسعة إِلا ما قسم له، وأمّا من كان همّه الآخرة فيجعل اللّه القناعة في قلبه، ومن قنع استغنى، فلا يكون همّه عندئذٍ متشعّباً بتشعّب جهات الحياة، وبهذا يكون اجتماع أمره وهدوء فكره.

    ويمثل لك حسرة طلاب هذه الفانية أيضاً فيقول عليه السلام : «من كثر اشتباكه في الدنيا كان أشدّ لحسرته عند فراقها»(2).

    وأحسن ما مثل فيه المنهمكين بالدنيا في قوله : «من تعلّق قلبه بالدنيا تعلّق قلبه بثلاث خصال : همّ لا يفنى، وأمل لا يُدرك، ورجاء لا يُنال»(3).

    أقول : هذا نموذج من كلامه عن الدنيا والمغرورين بها، أرسله عليه السلام إِيقاظاً للغافلين، وتحذيراً من زخارفها الخدَّاعة.

    ______________________________

    (1) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها : 2/319/15.

    (2) نفس المصدر السابق : 2/320/16.

    (3) نفس المصدر : 2/320/17.

    الرياء

    الرياء : طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدلّ من الآثار عليها باللباس والهيئة والحركات والسكنات ونحوها.

    وهو من الكبائر الموبقة والمعاصي المهلكة، وقد تعاضدت الآيات والأخبار

    { 25 }

    على ذمّه. وقد ورد عن الصادق عليه السلام الكثير من الأحاديث في ذمّه وتنقص صاحبه، فقال مرّة :

    كلّ رياء شرك(1) إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل للّه كان ثوابه على اللّه(2).

    وقال اُخرى في قوله تعالى : «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربّه أحداً»(3) : الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يريد به وجه اللّه، إِنما يطلب تزكية الناس، يشتهي أن تسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه. ثمّ قال عليه السلام : ما من عبد أسرّ خيراً فذهبت الأيام حتّى يظهر اللّه له خيراً، وما من عبد يسرّ شرّاً فذهبت به الأيام حتّى يظهر اللّه له شرّاً»(4).

    وقال طوراً : «ما يصنع أحدكم أن يظهر حسناً ويسرّ سيّئاً، أليس يرجع الى نفسه فيعلم أن ليس كذلك، واللّه عزّ وجلّ يقول : «بل الانسان على نفسه بصيرة»(5) إِن السريرة اذا صحّت قويت العلانية»(6).

    أقول : ما أغلاها كلمة، لأن المرائي يرجع الى نفسه فيعرف أنه يُظهر غير ما يُضمر، فيظهر ذلك على أعماله من حيث يدري ولا يدري، لأنه بالرجوع الى نفسه يشعر بهذا الضعف والخداع ولا بدّ أن يبدو الضعف على عمله فيختلج فيه.

    ______________________________

    (1) إِذ أن من قصد بعبادة اللّه التقرّب الى الناس فلا يقصد ذلك إِلا حيث يظن أن من قصد التقرّب اليه له الحول والقوّة والنفع والضرّ من دون اللّه تعالى، وهذا هو الشرك بعينه.

    (2) الكافي، باب الرياء : 2/293/3.

    (3) الكهف : 110.

    (4) الكافي : 2/295/12.

    (5) القيامة : 14.

    (6) الكافي : 2/295/11.

    { 26 }

    أمّا الذي توافق عنده السرّ والعلن في الصلاح فإنه يكون قويّاً في عمله لأنه مطمئنّ من نفسه شاعر بقوّتها، والشعور بالقوَّة يسيطر على أقوال الإنسان وأفعاله.

    وقال أيضاً عليه السّلام : من أراد اللّه بالقليل من عمله أظهر اللّه له اكثر ممّا أراد، ومن أراد الناس بالكثير من عمله في تعب من بدنه، وسهر من ليله، أبى اللّه عزّ وجلّ إِلا أن يقلّله في عين مَن سمَعه.

    وقال أيضاً : ما يصنع الانسان أن يعتذر بخلاف ما يعلم اللّه منه، إِن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : من أسرّ سريرة ألبسه اللّه رداها إِن خيراً فخيراً، وإِن شرّاً فشرّاً.

    وقال عليه السلام : إِيّاك والرّياء، فإنه مَن عمل لغير اللّه وكّله اللّه الى مَن عمل له(1).

    أقول : هذه شذرات من كلامه في الرياء، أبان فيها عن سوء هذه النيّة الفاشلة، وخيبة من يريد منها رضى الناس، فتفضحه الأيام فلا عمله زكّاه ولا حصل على ما راءت لأجله.

    _____________________________

  9. الظلم

    قبح الظلم بمعنى الجور والاعتداء على الغير من أشهر ما تطابقت عليه آراء العقلاء وتسالمت عليه العقول، وهو من الواضحات التي لا يشكُّ فيها واحد، ولذا أنّ اللّه تعالى لمّا أراد ذمّ الشرك واستهجانه ذمّه لأنه ظلم فقال : «إن الشرك لظلم عظيم»(2).

    ______________________________

    (2) لقمان : 13.

    { 27 }

    وقد وردت الآيات والآثار الكثيرة في ذمّه وحُرمته ومنها ما سيأتي عن إِمامنا الصادق عليه السلام.

    غير أنه يختلف كثرةً وقلّةً، وشدةً وضعفاً، كما دلّت عليه الآية، ولذلك يقول عليه السلام : ما من مظلمة أشدّ من مظلمة لا يجد صاحبها عليها عوناً إِلا اللّه(1).

    أقول : وآية ذلك أن الضعيف عاجز عن الانتصاف لنفسه، فيكون اللّه تعالى نصيره والآخذ بحقّه، وكيف حال مَن كان اللّه خصمه والمنتصف منه، وهذا مثل ما يروى عن زين العابدين عليه السلام من قوله : إِيّاك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إِلا اللّه(2).

    ولا تحسبنّ أن الظالم هو المباشر فقط، بل كما قال أبو عبد اللّه عليه السلام : العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، كلّهم شركاء ثلاثتهم(3).

    بل زاد على هؤلاء الثلاثة بقوله عليه السلام : من عذر ظالماً بظلمه سلّط اللّه عليه من يظلمه، إِن دعا لم يستجب له، ولم يؤجره اللّه على ظلامته.

    ولشدّة قبح الظلم يكون من لا ينوي الظلم مأجوراً، كما قال عليه السلام : مَن أصبح لا ينوي ظلم أحد غفر اللّه له ما أذنب ذلك اليوم، ما لم يسفك دماً أو يأكل مال يتيم حراماً.

    ودخل عليه رجلان في مداراة(4) بينهما ومعاملة، فلم يسمع لهما كلاماً بل قال عليه السلام : «أما إِنه ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم، أما إِن المظلوم يأخذ من دَين الظالم اكثر ممّا يأخذه الظالم من مال المظلوم» ثمّ قال عليه السلام : «مَن

    ______________________________

    (1) الكافي : 2/331/4.

    (2) الكافي : 2/331/5.

    (3) الكافي، باب الظلم : 2/333/16.

    (4) منازعة.

    { 28 }

    يفعل الشرّ بالناس فلا ينكر الشرّ إِذا فعل به، أما إِنه إِنما يحصد ابن آدم ما يزرع، وليس يحصد أحد من المرّ حلواً، ولا من الحلو مرّاً» فاصطلح الرجلان قبل أن يقوما.

    أقول : ما أبلغها عظة وما أصدق التمثيل، غير أن النفوس طبعت على السوء وحبّ الاعتداء والغلبة فتعمى عن مثل هذه الآثار، وإِلا كيف يأمل أحد أن يحصد الحلو من المرّ والخير من الشرّ، وهو نفسه لا يجازي المسيء بالإحسان والظلم بالصفح، فكيف يرجو أن يُكافأ وحده بغير ما يعمل دون الناس ؟

    ودخل عليه زياد القندي(1) فقال عليه السلام له : يا زياد ولّيت لهؤلاء ؟ قال : نعم يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لي مروّة، وليس وراء ظهري مال، وإِنّما اُواسي اخواني من عمل السلطان، فقال عليه السلام : يا زياد أما اذا كنت فاعلاً ذلك، فاذا دعتك نفسك الى ظلم الناس عند القدرة على ذلك فاذكر قدرة اللّه عزّ وجلّ على عقوبتك، وذهاب ما أتيت اليهم عنهم، وبقاء(2) ما أتيت الى نفسك عليه والسلام(3).

    أقول : إِن الوالي معرّض للظلم، ولكن اللّه تعالى أقدر على عقوبة الظالم والانتصاف منه، ويستطيع أن يذهب عن المظلوم الظلامة وإِرجاعها على الظالم، فلو أن الانسان ساعة يريد الظلم يخطر هذه الحقائق بباله لكفَّ عمّا أراد،

    ______________________________

    (1) ابن مروان القندي الأنباري بقي الى أيام الرضا عليه السلام وذهب الى الوقف، كان وكيلاً للكاظم عليه السلام وتخلّفت عنده أموال كثيرة بسبب حبس الكاظم فطالبه الرضا بالمال بعد أبيه كما طالب علي بن أبي حمزة وعلي بن عيسى فقالوا بالوقف طمعاً بالمال على أن زياداً ممّن روى النصّ على الرضا وهو ثقة في الرواية.

    (2) ذهاب وبقاء معاً معطوفان على عقوبتك، فالتقدير وعلى ذهاب وعلى بقاء.

    (3) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس /11.

    { 29 }

    وهذه أجمل الوسائل للارتداع عن الظلم.

    ولعظم جريمة الظلم عند اللّه سبحانه يستجيب دعوة المظلوم على ظالمه كما قال أبو عبد اللّه عليه السلام : اتقوا الظلم، فإن دعوة المظلوم تصعد الى السماء(1).

    أقول : إِن صعود الدعوة الى السماء كناية عن الإجابة وعدم الردّ.

    ______________________________

    (1) الكافي، باب من تستجاب دعوته : 2/509/4.

    المؤمن

    الإيمان بكلّ شيء هو تمكّن العقيدة من النفس، فيخلص لها ويتفانى في سبيلها، لأن العقيدة اذا تمكّنت من الانسان تكون جزءاً لا يتجزأ من نفسه لا ينفكّ عنها، بل هي نفسه حقيقة، فاذا جاز أن يتخلّى الانسان عن نفسه ولا يخلص لها، جاز أن يتخلّى عن عقيدته ولا يخلص لها.

    والعقيدة الدينيّة خاصّة – بالاستقراء – ولا سيّما الإيمان باللّه أقوى من كلّ عقيدة تمكّناً من النفس، فاذا عرف الانسان ربّه مؤمناً بقدرته وتدبيره وعدله لا بدّ أن يكون مستهيناً بجميع شهوات الدنيا غير حافل بحوادثها، ولا بدّ أن يتّصف بالخصال التي سنقرؤها عن الصادق عليه السلام التي ينبغي أن يتّصف بها المؤمن.

    ومَن رأيته لا يتحلّى بها فاعلم أنه ليس بمؤمن حقاً، أو أنه ضعيف الإيمان لم تتمكّن العقيدة من نفسه.

    قال أبو عبد اللّه عليه السلام في صفة المؤمن : ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال : وقوراً عند الهزاهز، صبوراً عند البلاء، شكوراً عند الرخاء، قانعاً بما رزقه اللّه، لا يظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب،

    { 30 }

    والناس منه في راحة.

    ثمّ قال : إِن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والصبر أمير جنوده، والرفق أخوه، واللين والده(1).

    أقول : إِن الانسان إِلا ما ندر يجد نفسه على جانب كبير من فاضل الصفات من أجل حبّه لذاته ورضاه عن نفسه فيتعامى عن عيوبها.

    وفي الحقيقة إِنَّ هذا أوّل الرذائل، بل مبدأ كلّ رذيلة، ولكنه اذا قرأ أمثال هذه الكلمات عن صادق أهل البيت في صفة المؤمن متدبّراً فيها وفاحصاً بحّريّة وإِخلاص عمّا عليه ذاته من الأخلاق والصفات لا بدَّ أن يتطامن ويسخط على نفسه بعد عرفانها، ثمّ لا بدَّ أن يعرف لماذا قال اللّه تعالى : «وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين»(2).

    وقال عليه السلام أيضاً : المؤمن له قوّة في دين، وحزم في لين، وإِيمان في يقين، وحرص في فِقه، ونشاط في هُدى، وبرّ في استقامة، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتجمُّل في فاقة، وعفو في مقدرة، وطاعة للّه في نصيحة، وانتهاء في شهوة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدَّة، في الهزاهز وقور، وفي الرخاء شكور، لا يغتاب، ولا يتكبّر، ولا يقطع الرحم، وليس بواهن، ولا فظ، ولا غليظ، ولا يسبقه بصره، ولا يفضحه بطنه، ولا يغلبه فرجه، ولا يحسد الناس، ولا يُعيِّر(3) ولا يُعيِّر(4)، ولا يسرق، ينصر المظلومِ، ويرحم المسكين، نفسه منه في عناء، والناس

    ______________________________

    (1) الكافي، باب المؤمن وصفاته، وباب نسبة الاسلام : 2/230/2.

    (2) يوسف : 103.

    (3) بتضعيف الياء وكسرها.

    (4) بتضعيف الياء وفتحها.

    { 31 }

    منه في راحة، لا يرغب في عزّ الدنيا، ولا يجزع من ذلّها، للناس همّ قد أقبلوا عليه، وله همّ قد شغله، لا يُرى(1) في حكمه نقص، ولا في رأيه وهن، ولا في دينه ضياع، يرشد من استشاره، ويساعد من ساعده، ويكيع(2) عن الخناء والجهل(3).

    أقول : أترى أن إِمام المؤمنين الصادق عليه السلام يعني بهذا الوصف الأئمة من أهل البيت، وإِلا فأين يوجد مثل هذا المؤمن الكامل ؟ وهل عُرف مؤمن من المسلمين على مثل هذه الصفة وإِن كان الأحرى بكلّ من يدَّعي الايمان باللّه ورسوله حقّاً أن يكون متحلّياً بهذه الخصال الحميدة، ولكن «وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين»(4).

    وقال عليه السلام أيضاً : لا يكون المؤمن مؤمناً حتّى يكون كامل العقل، ولا يكون كامل العقل حتّى تكون فيه عشر خصال : الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، يستقلّ كثير الخير من نفسه، ويستكثر قليل الخير من غيره، ويستكثر قليل الشرّ من نفسه، ويستقلّ كثير الشرّ من غيره، ولا يتبرّم(5) بطلب الحوائج قِبَله(6)، ولا يسأم من طلب العلم عمره، الذلّ أحبّ اليه من العز(7)، والفقر أحبّ اليه من الغنى، حسبه من الدنيا القوت، والعاشرة وما العاشرة لا يلقى أحداً إِلا

    ______________________________

    (1) بالبناء للمفعول.

    (2) يجبن.

    (3) الكافي، باب المؤمن وصفاته : 2/231/4.

    (4) يوسف : 103.

    (5) يتضجّر.

    (6) بكسر القاف وفتح الباء واللام أي اليه.

    (7) لعلّه يريد أن الذلّ في الطاعة أحبّ اليه من العزّ في المعصية، لأن الكتاب صريح بقوله «العزّة للّه ولرسوله وللمؤمنين» أو يريد من الذلّ عدم نباهة الذكر ومن العزّ الظهور ونباهة الشخصيّة تجوّزاً فيهما.

    { 32 }

    قال هو خير مني وأتقى، إِنما الناس رجلان، رجل خير منه وأتقى، ورجل شرّ منه وأدنى، فإذا لقي الذي هو خير منه تواضع له ليلحق به، وإِذا لقي الذي هو شرّ منه وأدنى قال لعلّ شرّ هذا ظاهر وخيره باطن فاذا فعل ذلك علا وساد أهل زمانه(1).

    _____________________________

    (1) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /5.

    عِظاته في اُمور شتّى

    ومن بليغ عِظاته الجميل وقُعها في النفس قوله عليه السلام وقد سأله رجل أن يعلّمه موعظة :

    «إِن كان اللّه قد تكفّل بالرزق فاهتمامك لماذا، وإِن كان الرزق مقسوماً فالحرص لماذا، وإِن كان الحساب حقاً فالجمع لماذا، وإِن كان التواب عن اللّه حقاً فالكسَل لماذا، وإِن كان الخلف من اللّه عزّ وجلّ حقاً فالبُخل لماذا، وإِن كان العقوبة من اللّه عزّ وجلّ النار فالمعصية لماذا، وإِن كان الموت حقاً فالفرح لماذا، وإِن كان العرض على اللّه حقاً فالمكر لماذا، وإِن كان الشيطان عدوّاً فالغفلة لماذا، وإِن كان الممرّ على الصراط حقاً فالعجب لماذا، وإِن كلّ شيء بقضاء وقدر فالحزن لماذا، وإِن كانت الدنيا فانية فالطمأنينة اليها لماذا».(2)

    أقول : كلّ هذا إِنكار على الانسان في اتصافه بتلك الصفات غير المحمودة من الاهتمام والحرص والجمع والكسل الى آخرها مع علمه ومعرفته بأن اللّه تعالى متكفّل بالرزق وأنه مقسوم وأن الحساب حقّ… إِلى آخر ما ذكره الامام

    ______________________________

    (2) كتاب التوحيد للصدوق طاب ثراه، باب الأرزاق والأسعار والآجال، وكتاب الخصال : 2/61 باب العشرة.

    { 33 }

    عليه السلام.

    ولكن الذي أوقع الناس في تلك السيّئات مع علمهم ومعرفتهم هو حبّهم لنفوسهم وتغلّب شهواتهم على عقولهم.

    ومن بديع مواعظه قوله عليه السلام : إِنكم في آجال مقبوضة وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيراً يحصد غبطة، ومن يزرع شرّاً يحصد ندامة، ولكلّ زارع زرع، لا يسبق البطيء منكم حظّه، ولا يدرك حريص ما لم يقدر له، من اُعطي خيراً فاللّه أعطاه، ومن وقي شراً فاللّه وقاه(1).

    و(منها) قوله عليه السلام : تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على اللّه هلكة، والإصرار على الذنب أمن لمكر اللّه، ولا يأمن مكر اللّه إِلا القوم الخاسرون(2).

    و(منها) قوله عليه السلام : من اتقى اللّه وقاه، ومن شكره زاده، ومن أقرضه جزاه(3).

    و(منها) قوله لأبي بصير : أما تحزن ؟ أما تهتم ؟ أما تتألّم ؟ قال : بلى، قال عليه السلام : اذا كان ذلك منك فاذكر الموت ووحدتك في قبرك، وسيلان عينيك على خدّيك، وتقطّع أوصالك، وأكل الدود من لحمك، وبلاك وانقطاعك عن الدنيا، فإن ذلك يحثّك على العمل ويردعك عن كثير من الحرص على الدنيا(4).

    أقول : إِن هذه الفكرة لو تمثلها الانسان في نفسه لكانت اكبر رادع عن

    ______________________________

    (1) إِرشاد المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق عليه السلام.

    (2) المصدر السابق : 283.

    (3) بحار الأنوار : 78/199/24.

    (4) مجالس الشيخ الطوسي طاب ثراه، المجلس /55.

    { 34 }

    ارتكاب الموبقة، وأعظم دافع على اكتساب الطاعة، وكيف يحرص على الدنيا ويقترف السيّئة ولا يأتي بالحسنة من يتمثل له تلك الحال الفظيعة في قبره التي لو شاهدها المرء لجزع من هذه الحياة، ولمقت حتّى نفسه.

    و(منها) قوله عليه السلام : ليس من أحد وإِن ساعدته الاُمور بمستخلص غضارة عيش(1) إِلا من خلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن من شأن الأيام السلب وسبيل الزمن الفوت(2).

    أقول : إِن هذا الكلم من أبلغ الجمل الحكيمة المعبّرة عن حقائق الكون الواقعيّة، أمّا القسم الأول وهو غضارة العيش فإن كلّ منّا يستطيع أن يُجرّب في نفسه وفي غيره أن الدعة والغضارة لا تتمّ لنا خالصة من النكد والتنغيص مهما بلغت سُلطتنا أو مقدرتنا الماليّة، والسرّ أن الإنسان يعجز أبداً من اشباع كلّ شهواته، وان واتته الحياة الدنيا، وكذلك «الجنّة حُفّت بالمكاره».

    وأمّا فيما يتعلّق بالقسم الثاني وهو «الفرصة» فإنها لا تمرُّ على الإنسان إِلا باجتماع آلاف الأسباب الخارجة عن اختياره فاذا مرّت وانتظر استقصاءها ففاتت عليه أي أنه لم يعمل السبب الأخير وهو اختياره وإرادته الجازمة فإنه على الأغلب لا يواتيه اجتماع الأسباب مرَّة اُخرى في نظام الكون وجمعها ثانياً ليس تحت اختياره، ولأجل هذا سُمّيت فرصة، فعلى الحازم الكيّس أن ينتهزها عند سنوحها.

    و(منها) قوله عليه السلام : إِن المنافق لا يرغب فيما سعد به المؤمنون، فالسعيد

    ______________________________

    (1) غضارة العيش طيبه وخصبه وخيره.

    (2) تحف العقول : 281.

    { 35 }

    يتّعظ بموعظة التقوى، وإِن كان يراد بالموعظة غيره(1).

    هذه عقود من نفائس عِظاته حلينا بها هذا السفر عسى أن يسعدنا الحظّ بالأخذ بها والعمل بنصائحها، ومن هذه العِظات تعرف موقفه عليه السلام من النصح للاُمّة واهتمامه بحملهم على المحجّة البيضاء إِصلاحاً لهم وتزكية لنفوسهم.

    * * *

    ______________________________

    (1) روضة الكافي.

    3 – وصاياه

    إِن قيمة المرء الاجتماعيّة بما يصنعه للمجتمع من خير، كما أن قيمته الذاتيّة بما يحسنه، ولو لم يكن للصادق عليه السلام إِلا ما اخترناه من كلامه لكفى به دلالة على مقامه العلمي الإلهي وعلى اهتمامه بإصلاح الاُمّة، وقد قرأت شطراً من مواعظه، وهنا نقرئك شيئاً من وصاياه، وستجد فيها جهد ما يبلغه رُعاة الاُمم الربّانيّون وهداتها من الإرشاد الى مواطن الخير والرفق في الدعوة والإخلاص في التوجيه.

    وصيّته لابنه الكاظم

    دخل عليه بعض شيعته وموسى ولده بين يديه وهو يوصيه، فكان ممّا أوصاه به أن قال :

    يا بُني إِقبل وصيَّتي، واحفظ مقالتي، فإنّك إِن حفظتها تعِش سعيداً، وتمُت حميداً، يا بُني إِنَّ من قنعَ استغنى، ومن مدَّ عينيه إِلى ما في يد غيره مات فقيراً، ومن لم يرضَ بما قسمَه اللّه لهُ اتَّهم اللّه في قضائه، ومَن استصغر زلّة نفسه استكبر زلّة غيره، يا بُني من كشف حِجاب غيره انكشف عورته، ومن سلَّ سيف البغي قُتل به، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها، ومن داخَل السُفهاء

    { 37 }

    حُقّر، ومن خالط العُلماء وُقّر، ومن دخلَ مداخِل السوء اتُّهم، يا بُني قُل الحقّ لك أو عليك، وإِيّاك والنّميمة فإنَّها تزرع الشحناء في قُلوب الرجال، يا بُني إِذا طلبت الجُود فعليكَ بمعادنه، فإنّ للجود معادِن، وللمعادِن اُصولاً، وللاُصول فروعاً، وللفروع ثمراً، ولا يطيبُ ثمر إِلا بفرع، ولا أصل ثابت إِلا بمعدن طيّب، يا بُني إِذا زرت فزُر الأخيار، ولا تزُر الأشرار، فإنَّهم صخرة صمّاء لا ينفجر ماؤها، وشجرة لا يخضّر ورقها، وأرض لا يظهر عشبها(1).

    أقول : وقد جاء بعض هذه الفقرات في نهج البلاغة، ولا بدع فّإن علمهم بعضه من بعض، ولعلّ الصادق عليه السلام ذكرها استشهاداً أو اقتباساً.

    _____________________________

    (1) نور الأبصار للشبلنجي : 163، وحلية الأولياء للحافظ أبي نعيم : 3/135.

    وصيّته لأصحابه

    بعد البسملة : أمّا بعد فاسألوا اللّه ربّكم العافية، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحياء والتنزّه عمّا تنزّه عنه الصالحون قبلكم، واتقوا اللّه وكفّوا ألسنتكم إلا من خير، وإِيّاكم أن تذلقوا(2) ألسنتكم بقول الزور والبهتان والإثم والعدوان، فإنكم إِن كففتم ألسنتكم عمّا يكرهه اللّه ممّا نهاكم عنه كان خيراً لكم عند ربّكم من أن تذلقوا ألسنتكم به، فإن ذلق اللسان فيما يكرهه اللّه وفيما ينهى عنه مرداة للعبد عند اللّه، ومقت من اللّه، وصمم وبكم وعمي يورثه اللّه إِيّاه يوم القيامة، فتصيروا كما قال اللّه : «صمٌّ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون»(3) يعني لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، وعليكم بالصمت إِلا فيما ينفعكم اللّه به من أمر آخرتكم ويؤجركم عليه، اكثروا من أن تدعوا اللّه فإن

    ______________________________

    (2) تحدّوا وتذربوا.

    (3) البقرة : 171.

    { 38 }

    اللّه يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه، وقد وعدَ عباده المؤمنين الاستجابة، واللّه مصيّر دعاء المؤمنين يوم القيامة عملاً يزيدهم في الجنّة، فاكثروا ذكر اللّه ما استطعتم في كلّ ساعة من ساعات الليل والنّهار، فإن اللّه أمر بكثرة الذكر له، واللّه ذاكر من ذكره من المؤمنين، واعلموا أن اللّه لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إِلا ذكره بخير، فاعطوا اللّه من أنفسكم الاجتهاد في طاعته، فإن اللّه لا يدرَك شيء من الخير عنده إِلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرَّم اللّه في ظاهر القرآن وباطنه، قال في كتابه وقوله الحق : «وذروا ظاهر الإثم وباطنه»(1) واعلموا أن ما أمر اللّه به أن تجتنبوه فقد حرّمه.

    ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلّوا، فإن أضلّ النّاس عند اللّه من اتبع هواه ورأيه بغير هدىً من اللّه، وأحسنوا الى أنفسكم ما استطعتم، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتّى يرضى عن اللّه فيما صنع اللّه اليه وصنع به على ما أحبّ وكره، ولن يصنع اللّه بمن صبر ورضي عن اللّه إِلا ما هو أهله، وهو خيرٌ له ممّا أحبّ وكره.

    وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا للّه قانتين كما أمر اللّه به المؤمن في كتابه من قبلكم.

    وإِيّاكم والعظمة والكِبر، فإن الكِبر رداء اللّه عزّ وجلّ، فمن نازع اللّه رداءه قصمه اللّه وأذلّه يوم القيامة، وإِيّاكم أن يبغي بعضكم على بعض، فإنها ليست من خِصال الصالحين، فإن من بغى صيّر اللّه بغيه على نفسه، وصارت نصرة اللّه لمن بغى عليه، ومن نصَره اللّه غلب، وأصابَ الظفر من اللّه، وإِيّاكم أن يحسد بعضكم بعضاً، فإن الكفر أصله الحسد(2)، وإِيّاكم أن تعينوا على مسلم مظلوم،

    ______________________________

    (1) الأنعام : 12.

    (2) أحسب أنه إِشارة الى ما كان من إِبليس مع آدم عليه السلام.

    { 39 }

    فيدعو اللّه عليكم فيستجاب له فيكم، فإن أبانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : إِن دعوة المسلم المظلوم مُستجابة، ولِيَعِن بعضكم بعضاً، فإن أبانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يقول : إِن معاونة المسلم خيرٌ وأعظم أجراً من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام.

    واعلموا إِنّ الاسلام هو التسليم، والتسليم هو الاسلام، فمن سلَّمَ فقد أسلم، ومَن لم يُسلّم فلا إِسلام له، ومَن سَرَّه أن يبلغ الى نفسه في الإحسان فليطع اللّه، فإن من أطاع اللّه فقد أبلغ إِلى نفسه في الإحسان، وإِيّاكم ومعاصي اللّه أن ترتكبوها، فإنه من انتهك معاصي اللّه فركبها فقد أبلغ في الإساءة إِلى نفسه، وليس بين الإحسان والإساءة منزلة، فلأهل الإحسان عند ربهم الجنّة ولأهل الإساءة عند ربّهم النار، فاعملوا لطاعة اللّه واجتنبوا معاصيه.

    أقول : وهذه الوصيّة طويلة وقد اقتطفنا منها هذه الزهر النفّاحة، وهي مرويّة في بدء روضة الكافي للكليني طاب ثراه، وقال : وقد كتب بها الصادق عليه السلام إِلى أصحابه، وأمرهم بمدارستها والنظر فيها، وتعاهدها والعمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.

    أجل هكذا يجب أن نتعاهد مثل هذه الوصيّة فإن فيها جماع مكارم الأخلاق العالية.

    وصيّته لعبد اللّه بن جندب

    عبد اللّه بن جندب البجلي الكوفي صحب الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام، وتوكّل للكاظم والرضا، وكان عابداً رفيع المنزلة عندهما، روى الكشي في رجاله أنه قال لأبي الحسن عليه السلام : ألست عنّي راضياً ؟ قال : اي واللّه، ورسول اللّه واللّه راض.

    { 40 }

    وقد أوصاه الصادق بوصيّة جمعت نفائس من العِظات والنصائح، التقطنا منها الشذرات الآتية، قال عليه السلام :

    يا ابن جندب، يهلك المتّكل على عمله، ولا ينجو المجتري على الذنوب برحمة اللّه، قال : فمن ينجو ؟ قال : الذين هم بين الخوف والرجاء كأن قلوبهم في مخلب طائر، شوقاً إِلى الثواب وخوفاً من العذاب.

    يا ابن جندب، مَن سرَّه أن يزوّجه اللّه من الحور العين ويتوجّه بالنور فليُدخل على أخيه المؤمن السرور.

    يا ابن جندب، إِن للشيطان مصائد يصطاد بها، فتحاموا شباكه ومصائده، قال : يا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وما هي ؟ قال : أمّا مصائده فصّد عن برّ الاخوان، وأمّا شباكه فنوم عن أداء الصلاة التي فرضها اللّه، أما أنه ما يعبد اللّه بمثل نقل الأقدام الى برّ الاخوان وزيارتهم، ويلٌ للساهين عن الصلاة النائمين في الخلوات المستهزئين باللّه وآياته في القرآن، اولئك الذين لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلّمهم اللّه يوم القيامة ولا يزّكيهم ولهم عذاب أليم.

    يا ابن جندب، الساعي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا والمروة، وقاضي حاجته كالمتشحّط بدمه في سبيل اللّه يوم بدر واُحد، وما عذّب اللّه اُمّة إِلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم.

    يا ابن جندب، إِن أحببت أن تجاور الجليل في داره، وتسكن الفردوس في جواره، فلتهن عليك الدنيا، واجعل الموت نُصب عينيك، ولا تدّخر لغد، واعلم أنَّ لك ما قدَّمت، وعليك ما أخّرت.

    يا ابن جندب، من حرَم نفسه كسبه فإنما يجمع لغيره، ومن أطاع هواه فقد أطاع عدّوه، ومن يتّقِ اللّه يكفِه ما أهمّه من أمر دُنياه وآخرته، ويحفظ له ما غاب عنه، وقد عجز مَن لم يعدّ لكّل بلاءٍ صبراً، ولكلّ نعمةٍ شكراً، ولكلّ عُسرٍ

    { 41 }

    يُسرا، اصبر نفسك عند كلّ بليّة، وفي ولد أو مال أو ذريّة، فإنما يقبض عاريته، ويأخذ هبته، ليبلو فيهما شكرك وصبرك، وارج اللّه رجاءً لا يجرّيك على معصيته، وخِفهُ خوفاً لا ييؤسك من رحمته ولا تغترّ بقول الجاهل ولا بمدحة فتكبر وتجبر وتغترّ بعملك، فإن أفضل العمل العبادة والتواضع، ولا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ما(1) خلفته وراء ظهرك، واقنع بما قسمه اللّه لك، ولا تنظر إِلا ما عندك، ولا تتمنّ ما لست تناله، فإن مَن قنع شبع، ومَن لم يقنع لم يشبع، وخُذ حظّك من آخرتك، ولا تكن بطراً في الغنى، ولا جزِعاً في الفقر، ولا تكن فظَّاً غليظاً يكره الناس قُربك، ولا تكن واهناً يحقرك من عرفك، ولا تشارَّ(2) من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الأمر أهله، ولا تطع السفهاء، وقف عند كلّ أمر حتّى تعرف مدخله ومخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، واجعل نفسك عدّواً تجاهده، وإِن كانت لك يد عند إِنسان فلا تفسدها بكثرة المنّ والذكر لها، ولكن اتبعها بأفضل منها، فإن ذلك أجمل في أخلاقك وأوجب للثواب في آخرتك، وعليك بالصمت نعدّ حليماً، جاهلاً كنت أو عالماً، فإن الصمت زين عند العلماء وسترة لك عند الجهّال.

    ومِن هذه الوصية حكايته لكلام عيسى عليه السلام لأصحابه وهو قوله : وإِيّاكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، ولم يجعل بصره في عينه، لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب وانظروا في عيوبهم كهيئة العبيد، إِنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا المبتلى، واحمدوا اللّه على العافية.

    ______________________________

    (1) ما موصولة عطف بيان لقوله – مال غيرك – أي أن الذي تخلفه وراء ظهرك هو مال غيرك فلا تهتمّ لاصلاحه، وتضييع مالك الذي ينبغي أن تنفقه في وجوه الخير.

    (2) بتضعيف الراء – تخاصم.

    { 42 }

    ثمّ قال عليه السلام : يا ابن جندب، صِل مَن قطعك، واعط مَن حرمَك، وأحسن الى مَن أساء اليك، وسلّم على مَن سبَّك، وانصف من خاصمك، واعف عمَّن ظلمك كما أنك تحبّ أن يعفى عنك، فاعتبر بعفو اللّه عنك، ألا ترى أن شمسه أشرقت على الأبرار والفجّار، وأن قطره ينزل على الصالحين والخاطئين.

    يا ابن جندب، الاسلام عريان فلباسه الحياء، وزينته الوقار، ومروّته العمل الصالح، وعماده الورع، ولكلّ شيء أساس وأساس الاسلام حُبّنا أهل البيت(1).

    أقول : ما أجمع هذه الوصيّة لجلائل الحِكم ونفائس المواعظ، ولا تمرّ عليك وصيّة ولا عِظة إِلا وحسبت عندها منتهى البلاغة وأقصى التذكير والتنبيه، وتقول : هل وراءها من قول، وإِن أمثال هذه الوصايا جديرة بالتعليق والشرح إِلا انّ ذلك أبعد عن الغاية، فنوكل التدبّر بها الى القارئ الكريم.

    _____________________________

    (1) بحار الأنوار : 78/279/1.

    وصيّته لعبد اللّه النجاشي في كتابه

    قال عبد اللّه بن سليمان النوفلي : كنت عند جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، فاذا بمولى لعبد اللّه النجاشي وردَ عليه فسلّم وأوصل اليه كتاباً ففضّه وقرأه، فاذا أوّل سطر فيه:

    بسم اللّه الرحمن الرحيم، أطال اللّه بقاء سيّدي وجعلني من كلّ سوء فِداه، إِني بُليت بولاية الأهواز فإن رأى سيّدي أن يحدّ لي حدّاً أو يمثل لي مثلاً لأستدلّ

    ______________________________

    (*) في نفس الكتاب : 1/260.

    { 43 }

    به على ما يقرّبني الى اللّه جلّ وعزّ والى رسوله، ويلخّص في كتابه ما يرى لي العمل به وفيما يبذله وأبتذله، وأين أضع زكاتي، وفيمن أصرفها، وبمن آنس، والى مَن أستريح، ومَن أثق وآمن وألجأ اليه في سرّي، فعسى أن يخلّصني اللّه بهدايتك ودلالتك، فإنك حُجّة اللّه على خلقه، وأمينه في بلاده لا زالت نعمته عليك.

    قال عبد اللّه بن سليمان : فأجابه أبو عبد اللّه عليه السلام :

    بسم اللّه الرحمن الرحيم، جامَلَكَ اللّه بصنعه، ولطف بك بمنّه، وكلأك برعايته، فإنه وليّ ذلك، أمّا بعد فقد جاء إِليّ رسولك بكتابك فقرأته وفهمت جميع ما ذكرته وسألت عنه وزعمت أنك بُليت بولاية الأهواز فسرَّني ذلك وساءني، فأمّا سروري بولايتك فقلت : عسى أن يغيث اللّه بك ملهوفاً من أولياء آل محمّد صلّى اللّه عليه وآله ويعزّ بك، وساءني من ذلك فإن أدنى ما أخاف عليك أن تعثر بوليّ لنا فلا تشمّ حظيرة القدس.

    فإني ملخّص لك جميع ما سألت عنه إِن أنت عملت به ولم تجاوزه رجوت أن تسلم إِن شاء اللّه تعالى، أخبرني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : من استشاره أخوه المؤمن فلم يمحضه النصيحة سلبه اللّه لُبَّه، واعلم أني سأشير عليك برأي إِن أنت عملت به تخلّصت ممّا أنت متخوّفه، واعلم أن خلاصك ونجاتك من حقن الدماء وكفّ الأذى من أولياء اللّه والرفق بالرعيّة والتأني وحسن المعاشرة، مع لين في غير ضعف، وشدَّة في غير عُنف، ومداراة صاحبك ومن يرد عليك من رُسله، وارتق فتق رعيّتك بأن توافقهم على ما وافق الحقّ والعدل إِن شاء اللّه.

    إِيّاك والسعاة وأهل النمائم فلا يلتزقن منهم بك أحد، ولا يراك اللّه يوماً وليلة وأنت تقبل منهم صرفاً ولا عدلاً فيسخط اللّه عليك ويهتك سترك.

    { 44 }

    فأمّا من تأنس به وتستريح اليه وتلج اُمورك اليه فذلك الرجل الممتحن المستبصر الأمين الموافق لك على دينك، وميَّز عوامك وجرّب الفريقين فإن رأيت هنالك رشداً فشأنك وإِيّاه.

    وإِيّاك أن تعطي درهماً أَو تخلع ثوباً أو تحمل على دابّة في غير ذات اللّه لشاعر أو مضحك أو ممتزح إِلا أعطيت مثله في ذات اللّه.

    ولتكن جوائزك وعطاياك وخلعك للقوّاد والرُسل والأحفاد وأصحاب الرسائل وأصحاب الشرط والأخماس، وما أردت أن تصرفه في وجوه البرّ والنجاح والفتوّة والصدقة والحجّ والمشرب والكسوة التي تصلّي فيها وتصل بها والهديّة التي تهديها الى اللّه عزّ وجلّ والى رسوله صلّى اللّه عليه وآله من أطيب كسبك.

    يا عبد اللّه، اجهد ألا تكنز ذهباً ولا فضّة فتكون من أهل هذه الآية التي قال اللّه عزّ وجلّ : «الذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل اللّه»(1).

    ولا تستصغرن من حلو أو فضل طعام تصرفه في بطون خالية ليسكن بها غضب اللّه تبارك وتعالى، واعلم أني سمعت من أبي يحدَّث عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله يقول يوماً : ما آمن باللّه واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جايع، فقلنا : اُهلكنا يا رسول اللّه، فقال : من فضل طعاكم ومن فضل تمركم ورزقكم وخلقكم وخرقكم تطفون بها غضب الرب.

    فخرج أمير المؤمنين من الدنيا وليس في عنقه تبعة لأحد حتّى لقي اللّه محموداً غير ملوم ولا مذموم، ثمّ اقتدت به الأئمة من بعده بما قد بلغكم، لم يتلطّخوا

    ______________________________

    (1) التوبة : 34.

    { 45 }

    بشيء من بوائقها صلوات اللّه عليهم أجمعين وأحسن مثواهم.

    وقد وجّهت اليك بمكارم الدنيا والآخرة، فإن أنت عملت بما نصحت لك في كتابي هذا ثمّ كانت عليك من الذنوب والخطايا كمثل أوزان الجبال وأمواج البحار رجوت اللّه أن يتحامى عنك جلّ وعزّ بقدرته.

    يا عبد اللّه إِيّاك أن تُخيف مؤمناً فإن أبي محمّد حدّثني عن أبيه عن جدّه علي بن أبي طالب عليهم السلام أنه كان يقول : مَن نظر إلى مؤمن نظرة ليخيفه بها أخافه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وحشره في صورة الذرّ لحمه وجسده وجميع أعضائه حتّى يورده مورده.

    وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : مَن أغاث لهفاناً من المؤمنين أغاثه اللّه يوم لا ظلَّ إِلا ظلّه، وآمنه اللّه يوم الفزع الاكبر، وآمنه عن سوء المنقلب، ومَن قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى اللّه له حوائج كثيرة إِحداها الجنّة، ومَن كسا أخاه المؤمن من عري كساه اللّه من سُندس الجنّة واستبرقها وحريرها، ولم يزل يخوض في رضوان اللّه مادام على المكسو منها سلك، ومَن أطعم أخاه من جوع أطعمه اللّه من طيّبات الجنّة، ومَن سقاه من ظمأ سقاه اللّه من الرحيق المختوم، ومَن أخدم أخاه أخدمه اللّه من الولدان المخلّدين وأسكنه مع أوليائه الطاهرين، ومَن حمل أخاه المؤمن من رحله حمله اللّه على ناقة من نوق الجنّة وباهى به الملائكة المقرّبين يوم القيامة، ومَن زوّج أخاه المؤمن امرأة يأنس بها وتشدّ عضده ويستريح اليها زوّجه اللّه من الحور العين، وآنسه بمن أحبّ من الصدّيقين من أهل بيته واخوانه وآنسهم به، ومَن أعان أخاه المؤمن على سلطان جائر أعانه اللّه على إِجازة الصراط عند زلزلة الأقدام، ومَن زار أخاه المؤمن الى منزله لا لحاجة منه اليه كُتب من زوّار اللّه، وكان حقيقاً على اللّه أن يكرم زائره.

    { 46 }

    يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول لأصحابه يوماً، معاشر الناس إِنه ليس بمؤمن مَن لعن بلسانه ولم يؤمن بقلبه(1) فلا تتبعوا عثرات المؤمنين، فإنه مَن اتبع عثرة مؤمن اتبع اللّه عثراته يوم القيامة وفضحه في جوف بيته.

    وحدّثني أبي عن علي عليه السلام قال : أخذ اللّه في ميثاق المؤمن ألا يُصدَّق(2) في مقالته، ولا يُنتصف من عدوّه، ولا يُشفي غيظه إِلا بفضيحة نفسه، لأن كلّ مؤمن ملجم، وذلك لغاية قصيرة وراحة طويلة.

    أخذ اللّه ميثاق المؤمن على أشياء أيسرها مؤمن مثله يقول بمقالته يتعبه ويحسده، والشيطان يغويه ويعينه، والسلطان يقفو أثره ويتبع عثراته، وكافر بالذي هو مؤمن به يرى سفك دمه دَيناً، وإِباحه حريمه غنماً، فما بقاء المؤمن بعد هذا.

    يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قال : نزل جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمّد إِن اللّه يقرأ عليك السلام ويقول : اشتققت للمؤمن اسماً من أسمائي سمّيته مؤمناً فالمؤمن منّي وأنا منه، من استهان بمؤمن فقد استقبلني بالمحاربة.

    يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال يوماً : يا علي لا تناظر رجلاً حتّى تنظر في سريرته، فإن كانت سريرته حسنة فانَّ اللّه عزّ وجلّ لم يكن ليخذل وليّه، وإِن كانت سريرته رديَّة فقد يكفيه مساويه، فلو جهدت أن تعمل به اكثر ممّا عمله من معاصي اللّه عزّ وجلّ ما قدرت عليه.

    ______________________________

    (1) يريد أنه من يذكر الناس بسوء بغير ما يعتقده فيهم.

    (2) بالبناء للمفعول.

    { 47 }

    يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وآله أنه قال : أدنى الكفر أن يسمع الرجل عن أخيه الكلمة ليحفظها عليه يريد أن يفضحه بها، اولئك لا خلاق لهم.

    يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال : مَن قال في مؤمن ما رأت عيناه وسمعت اُذناه ما يشينه ويهدم مروّته فهو من الذين قال اللّه عزّ وجلّ «إِنَّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذابً أليم».

    يا عبد اللّه وحدّثني أبي عن آبائه عن علي عليه السلام أنه قال : من روى عن أخيه المؤمن رواية يريد بها هدم مُروّته وثلبه أوبَقهُ اللّه بخطيئته حتّى يأتي بمخرج ممّا قال، ولن يأتي بالمخرج منه أبداً، ومن أدخل على أخيه المؤمن سُروراً فقد أدخلَ على أهل البيت عليهم السلام سُروراً، ومن أدخل على أهل البيت سُروراً فقد أدخل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سُروراً، ومن أدخل على رسول اللّه سُروراً فقد سرَّ اللّه، فحقيق عليه أن يُدخِله الجنّة حينئذٍ.

    ثمَّ إِنّي اُوصيك بتقوى اللّه وإِيثار طاعته والاعتصام بحبله، فإنه من اعتصم بحبل اللّه فقد هُدي الى صراطٍ مستقيم، فاتقِ اللّه ولا تؤثر أحداً على رضاه وهواه، فإنّه وصيّة اللّه عزّ وجلّ الى خلقه، لا يقبل منهم غيرها ولا يعظّم سواها، واعلم أن الخلائق لم يوكلوا بشيء أعظم من التقوى فإنّه وصيّتنا أهل البيت، فإن استطعت ألا تنال شيئاً من الدنيا تُسئل عنه غداً فافعل.

    قال عبد اللّه بن سليمان : فلمّا وصل كتاب الصادق عليه السلام الى النجاشي نظر فيه فقال : صدَق واللّه الذي لا إِله إِلا هو مولاي، فما عمل أحد بما في هذا الكتاب إِلا نجا فلم يزل عبد اللّه يعمل به في أيام حياته(1).

    ______________________________

    (1) بحار الأنوار : 78/271/112.

    { 48 }

    فكّر أيها القارئ الكريم في هذه النصائح القدسيّة، وأعد النظر في فقراتها، وانظر ماذا سيبلغه البشر من نهاية السعادة لو وضع الاُمراء وأرباب الدولة هذا الكتاب نُصب أعينهم، ودرج عليه الناس في معاملاتهم بعضهم مع بعض، ولكن البشر لا يزال في سكرته لا يستيقظ لسماع مثل هذه المواعظ.

  10. حُسن الجوار

    مِن أدب المرء ورجحان نهاه حُسن الجوار، وهو خُلق فاضل يدعو اليه

    { 66 }

    العقل، وكانت العرب تتفاخر فيه وتناضل عن الجار ما استطاعت، وقد أقرَّ الاسلام تلك السجيّة النبيلة، وزاد في تقديرها والحثّ عليها، فكانت وصايا النبي صلّى اللّه عليه وآله متوالية فيه، حتّى قال أمير المؤمنين عليه السلام : ما زال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يوصينا بالجار حتّى ظننا أنه سيورّثه.

    وعلى هذا المنوال نسج بنوه فقال صادقهم عليه السلام في وصيّة له : عليكم بتقوى اللّه – إِلى أن قال – وحُسن الخُلق وحُسن الجوار(1).

    وتكرّرت منه هذه الوصيّة في عدَّة مواطن حتّى عَيّر تاركيه، فقال عليه السلام : أما يستحي الرجل منكم أن يعرف جارُه حقّه ولا يعرف حقّ جاره(2).

    بل أخرج عنهم من لم يُحسن مجاورة جاره، فقال عليه السلام من حديث : وليس منّا من لم يُحسن مجاورة من جاوره(3).

    ______________________________

    (1) الوسائل، باب وجوب عشرة الناس : 11/156/8.

    (2) المصدر السابق : 8/399/4.

    (3) الوسائل، باب استحباب حسن المعاشرة : 8/489/5.

    قبول النصح

    إِن رجاحة عقل الفتى تُعرف بالإصغاء للنُّصح، والأخذ بقول الناصح، لأن الجاهل تأخذه الحميّة فلا يستمع للنُّصح، ظنّاً منه أن الناصح يكشف له عن عيوبه، ولا يرضى الجاهل أن يقف على نقص في نفسه، وقد فاته أن انكشاف عيوبه لديه يحثّه على سترها بالإصلاح، ولذا قال الصادق عليه السلام – تعليماً لنا وإِلا فهو المنزَّه عن النقص – :

    أحبّ اخواني إِليّ من أهدى إِليّ عيوبي(4).

    _____________________________

    (4) الوسائل، باب استحباب قبول النصح : 8/413/2.

    { 67 }

    أقول : وكيف لا يكون أحبّهم اليه، وهو يريد به أن يتخلّى عن الرذيلة ويتحلّى بالفضيلة، والحُسن تلك الخِلّة من الأخ جعل ذلك الكشف عن العيوب هديّة، وهذه هي الغاية القصوى بالترغيب في هذه الخلّة للاخوان وتبادلها بينهم.

    وقد جعل قبول النُّصح للمؤمن أمراً لا غنى عنه، فقال عليه السلام : لا يستغني المؤمن عن خِصلة به، والحاجة الى ثلاث خِصال : توفيق من اللّه عزّ وجلّ، وواعظ من نفسه، وقبول من ينصحه(1).

    _____________________________

    (1) الوسائل : 8/413/3.

    المشاورة

    إِن مَن يشاور ذوي البصائر تتجلّى له أوجه المداخل والمخارج، وينكشف له الحجاب عن سُبُل النجاح، وينحاد عن مزالق الأخطار، وقد كشف لنا أبو عبد اللّه عليه السلام عن هذه الحقيقة فقال : «لن يهلك امرؤ عن مشورة»(2) وأرشدنا الى المستشار في الغوامض من العوارض فقال : «ما يمنع أحدكم اذا ورد عليه ما لا قِبل له به أن يستشير رجلاً عاقلاً له دين وورع»(3).

    وزاد في شروط الاستشارة والمستشار فقال عليه السلام : إِن المشورة لا تكون إِلا بحدودها فمن عرفها بحدودها وإِلا كانت مضرَّتها على المستشير اكثر من منفعتها، فأوّلها أن يكون الذي تشاوره عاقلاً، والثانية أن يكون حُرّاً متديّناً، والثالثة أن يكون صديقاً مواخياً، والرابعة أن تطلعه على سرّك فيكون علمه به كعلمك بنفسك، ثمَّ يسرّ لك ويكتمه، فإنه اذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته،

    ______________________________

    (2) الوسائل، باب استحباب مشاورة أهل الرأي 8/424/4.

    (3) نفس المصدر، باب استحباب مشاورة التقيّ العاقل الورع : 8/426/7.

    { 68 }

    واذا كان حُرّاً متديّناً أجهد في النصيحة لك، واذا كان صديقاً مواخياً كتم سرّك اذا اطلعته عليه، واذا اطلعته على سرّك فكان علمه به كعلمك به، تمّت المشورة، وكملت النصيحة(1).

    وحذَّر عليه السلام من مخالفة المستشار اذا كان جامعاً للشروط فقال : استشر العاقل من الرجال الورع، فإنه لا يأمر إِلا بخير، وإِيّاك والخلاف فإن مخالفة الورع العاقل مفسدة في الدين والدنيا(2).

    وألزم المستشار بالنصح وحذَّره المغبّة إِن لم ينصح فقال عليه السلام : من استشار أخاه فلم ينصحه محض الرأي سلبه اللّه عزّ وجلّ رأيه(3).

    وهذه طُرف ممّا اتحف به المستشير والمستشار، اكتفينا بها عن الكثير من كلامه في هذا الباب.

    _____________________________

    (1) الوسائل : 8/426/8.

    (2) الوسائل : 8/426/5.

    (3) الوسائل، باب وجوب نصح المستشير 8/427/2.

    الإكثار من الاخوان

    إِن المرء كثير بأخيه، لأنه عون في النوائب، ومُواسٍ في البأساء وأنيسٌ في الوحشة، وأليفٌ في الغربة، ومُشيرٌ عند الحيرة، ومسدّد عند السقطة، حافظْ عند الغيبة، الى ما يعجز القلم عن العدّ لفوائده، ولهذا أمر الصادق عليه السلام بالإكثار منهم، وأشار الى الجدوى من اتخاذهم، فقال عليه السلام :

    اكثر من الأصدقاء في الدنيا فإنهم ينفعون في الدنيا والآخرة، أمّا الدنيا فحوائج يقومون بها، وأمّا الآخرة فإن أهل جهنم قالوا : فما لنا من شافعين ولا صديق حميم(4).

    ______________________________

    (4) الوسائل، باب استفادة الاخوان والأصدقاء : 8/407/5.

    { 69 }

    ولعلّ قصده عليه السلام من النفع في الآخرة أن الصديق في اللّه صاحب العقل والدين لا يرشد صديقه إِلا إِلى صالح الدارين، فيستنقذه بالهداية والنُّصح من العطب، وأيّ نفع في الآخرة اكبر من هذا.

    أو لأنه يستفيد من دعائه لاُخراه كما قال في حديث آخر : استكثروا من الاخوان فإن لكلّ مؤمن دعوة مستجابة.

    أو لأنه يستشفع به كما قال عليه السلام : استكثروا من الاخوان فإن لكلّ مؤمن شفاعة، وقال عليه السلام : اكثروا من مؤاخاة المؤمنين فإن لهم عند اللّه يداً يكافيهم بها يوم القيامة(1).

    بل إِن الأخ المؤمن جدير بأن يجمع هذه الخلال كلّها في هذه الدانية وتلك الباقية.

    _____________________________

    (1) الوسائل : 8/408/7.

    الإغضاء عن الاخوان

    إِن العصمة لا تكون في البشر كلّهم، فمَن الذي لا يخطأ ولا يسهو ولا يغفل ولا ينسى، فيستحيل أن تظفر بصديقٍ خالٍ من عيب أو رفيقٍ منزَّه عن سقطة، فمَن أراد الاكثار من الأصدقاء لا بدّ له من أن يتغاضى عن عيوبهم ويتغافل عن مساوئهم ومن هنا قال عليه السلام : وأنّى لك بأخيك كلّه أيّ الرجال المهذب(2) وقال : من لم يواخ من لا عيب فيه قلّ صديقه(3).

    واذا أراد المرء بقاء المودّة من أخيه فلا يستقص عليه كما قال عليه السلام :

    ______________________________

    (2) الوسائل، باب استحباب الإغضاء عن الاخوان : 8/458/1.

    (3) بحار الأنوار : 78/278.

    { 70 }

    الاستقصاء فرقة(1) وكما قال : لا تفتّش الناس فتبقى بلا صديق(2).

    بل يجب على ذي الخبرة والتجارب أن يقنع من أخيه بما دون ذلك إِبقاءً للودّ، كما قال عليه السلام : ليس من الإنصاف مطالبة الاخوان بالإنصاف، ومَن لم يرض من صديقه إِلا بإيثاره على نفسه دام سخطه(3).

    نعم إِن العتاب لا يخدش في بقاء الاُلفة والوداد، بل ربّما جلا درَن الصدور، وأزاح الحقد الكامن في القلوب، إِلا أن يكثر فينعكس الحال فلذلك قال عليه السلام : من كثر تعتيبه قلّ صديقه، وقال : ومن عاتب على كلّ ذنب دام تعتيبه(4).

    ______________________________

    (1) بحار الأنوار : 78/253/109.

    (2) الوسائل، باب استحباب الاغضاء عن الإخوان : 8/458/2.

    (3) نفس المصدر : 8/458/3.

    (4) بحار الأنوار : 78/278.

    حقوق الاخوان

    إِن للاخوان حقوقاً جمّة يفوت حصرها، ولا نريد الاستقصاء لما جاء عنها في هذا الصدد، ولكن نذكر حديثاً واحداً فحسب، وبه الكفاية لو عمل به الأخ في شأن أخيه، قال للمعلّى بن خنيس بعد أن ذكر أن له سبع حقوق : أيسر حقّ منها : أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك وتكره له ما تكره لنفسك، والحقّ الثاني : أن تجتنب سخطه، وتتّبع مرضاته، وتطيع أمره، والحقّ الثالث : أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك، والحقّ الرابع، أن تكون عينه ودليله ومرآته، والحقّ الخامس، ألا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى، والحقّ السادس : أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم فواجب أن

    { 71 }

    تبعث خادمك فتغسل ثيابه وتصنع طعامه وتمهد فراشه، والحقّ السابع : أن تبرّ قسَمَه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته، وإِذا علمت أنّ له حاجة تبادر إِلى قضائها، ولا تلجئه الى أن يسألكها، ولكن تبادره مبادرة، فاذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته، وولايته بولايتك(1).

    أقول : وأنّى لنا بالقيام بهذه الحقوق، ولئن كنّا قادرين على أدائها وعلى العمل بها فإن النفوس لأمّارة بالسوء، وحبّ الذات والأنانيّة تحول دون الشعور بمثل هذه الفضائل فضلاً عن فعلها.

    _____________________________

    (1) الوسائل، باب وجوب اداء حقّ المؤمن 8/544/7.

    مواساة الاخوان

    ذكرنا في العنوان السالف حقوق الاخوان ومنها المواساة، غير أنه جاء لها ذكر خاصّ في أحاديثه فقال عليه السلام : انظر ما أصبت فعد به على اخوانك(2) وقال عليه السلام : تقرّبوا الى اللّه بمواساة إخوانكم(3).

    ولمّا كانت المواساة شديدة على النفوس جدّاً قال أبو عبد اللّه عليه السلام : وإِن من أشدّ ما افترض اللّه على خلقه ثلاثاً : إِنصاف المؤمنين من نفسه حتّى لا يرضى لأخيه المؤمن من نفسه إِلا بما يرضى لنفسه، ومواساة الأخ المؤمن في المال، وذكر اللّه على كلّ حال، وليس سبحان اللّه والحمد للّه، ولكن عندما حرّم اللّه عليه فيدعه(4).

    أقول : وحقاً أن تكون هذه الثلاث من أشقّ الأعمال على المرء، لأنها

    ______________________________

    (2) الوسائل، باب استحباب مواساة الاخوان : 8/415/4.

    (3) خصال الصدوق طاب ثراه، باب الواحد.

    (4) الوسائل، باب استحباب مواساة الاخوان 8/415/5.

    { 72 }

    تصادم أشدّ الغرائز والشهوات النفسيّة صرامة وقوّة، من نحو حبّ الذات وحبّ المال والاستعلاء، ولعظم الانصاف والمواساة جعلهما من الفرائض تنزيلاً، وإِن كانا ليسا من الفرض حقيقة.

    البرّ بالإخوان

    إِن البرّ غصن من دوحة المواساة، وقد جاء عن الصادق عليه السلام الحثّ الكثير عليه فقال في وصيّته لجميل بن درّاج : ومن خالص الايمان البرّ بالإخوان، والسعي في حوائجهم، وأن البارّ بالإخوان ليحبّه الرحمن – الى أن يقول – يا جميل اخبر بهذا غرر أصحابك، قال : قلت : جعلت فداك ومَن غرر أصحابي ؟ قال : هم البارّون بالإخوان في العسر واليسر(1).

    ويقول في وصيّة لعبد اللّه بن جندب السالفة : أما أنه ما يعبد اللّه بمثل نقل الأقدام الى برّ الإخوان.

    ولعظم البرّ بالإخوان عند اللّه تعالى يجهد الشيطان في الحيلولة دونه، قال عليه السلام في هذه الوصيّة : يا ابن جندب إِن للشيطان مصائد يصطاد بها فتحاموا شباكه ومصائده، قال : يا ابن رسول اللّه وما هي ؟ قال : أمّا مصائده فصدّ عن برّ الاخوان.

    وما اكثر ما جاء عنه في برّ الإخوان والحثّ عليه وبما ذكرناه كفاية.
    ______________________________

    (1) الوسائل، باب استحباب البرّ بالإخوان.

    صدق الحديث وأداء الأمانة

    كان أبو عبد اللّه عليه السلام يوصي مَن دخل عليه من أصحابه ومن فارقه

    { 73 }

    بصدق الحديث وأداء الأمانة، وقد سبق بعضه.

    وهاتان الخِلّتان وإِن كانتا من أفضل الصفات بذاتيهما إِلا أن لهما أثراً في الدين جليّاً، وهو المحبوبيّة في النفوس وكثرة التعامل وثقة الناس به وفي ذلك الغنى والثروة، ونذكر لذلك حادثة واحدة وكفى.

    قال عليه السلام لعبد الرحمن بن سيابة وقد دخل على الصادق بعد موت أبيه وهو شاب : ألا اوصيك ؟ فقال : بلى جعلت فداك، قال : عليك بصدق الحديث وأداء الأمانة تشرك الناس في أموالهم هكذا – وجمع بين أصابعه – قال : فحفظت الحديث فزكّيت ثلاثمائة الف درهم(1).

    أقول : وهذا آخر ما أردت جمعه من وصايا الصادق ونصائحه في شتّى الشؤون التي أرادها لسعادة الناس في الدارين، وفوزهم في الحياتين.

    * * *

    ______________________________

    (1) بحار الأنوار : 47/384/107.

    4 – حِكَمُه

    إِن له عليه السلام من طرائف الحِكم وشوارد الكلمات ما يسمو بالنفوس الخيّرة الى صفوف الملائكة ويجلب الناس الى الفضيلة والسعادة وذلك لمن عمل بها وتدبّرها، وقد جمعت شطراً منها مجاهداً في الجمع والانتقاء، قال عليه السلام :

    1 : العقل ما عُبد به الرحمن واكتسب به الجنان.

    2 : إِن الثواب على قدر العقل.

    3 : أكمل الناس عقلاً أحسنهم خُلقاً.

    4 : دعامة الإنسان العقل.

    5 : العقل دليل المؤمن(1).

    6 : كمال العقل في ثلاث : التواضع للّه، وحُسن اليقين، والصمت إِلا من خير.

    7 : الجهل في ثلاث : الكبر، وشدَّة المراء(2) والجهل باللّه.

    8 : أفضل طبايع العقل العبادة، وأوثق الحديث له العلم، وأجزل حظوظه

    ______________________________

    (1) الكافي، باب العقل.

    (2) الجدال.

    { 75 }

    الحكمة(1).

    9 : كثرة النظر في العلم يفتح العقل(2).

    10 : العلم جنّة، والصدق عزّ، والجهل ذلّ، والفهم مجد، والجواد نجح، وحُسن الخُلق مجلبة للمودّة، والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس، والحزم مساءة الظن.

    11 : إِن شئت أن تكرَم(3) فلِن، وإِن شئت أن تُهان فاخشن.

    12 : من كرم أصله لان قلبه، ومن خشن عنصره غلظ كبده.

    13 : من فرّط تورّط، ومَن خاف العاقبة تثبّت عن الدخول فيما لا يعلم.

    14 : من هجم على أمر بغير علم جدع أنف نفسه(4).

    15 : العلماء اُمناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة(5).

    16 : إِن هذا العلم عليه قفل ومفتاحه المسألة(6).

    17 : العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا يزيده سرعة السير إِلا بُعداً.

    18 : لا يقبل اللّه عملاً إِلا بمعرفة، ولا معرفة إِلا بعمل، فمن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومن لم يعمل فلا معرفة له، ألا إِن الايمان بعضه من بعض.

    19 : لا يتمّ المعروف إِلا بثلاثة : بتعجيله، وتصغيره، وستره(7).

    ______________________________

    (1) بحار الأنوار : 1/131/24.

    (2) بحار الأنوار : 1/159/32.

    (3) بالبناء للمفعول.

    (4) الكافي، باب العقل.

    (5) الكافي، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء.

    (6) الكافي، باب سؤال العلم وتذاكره.

    (7) حلية الأولياء، عن سفيان الثوري : 3/198.

    { 76 }

    20 : ما كلّ من رأى شيئاً قدر عليه، ولا كلّ من قدر على شيء وفّق له، ولا كلّ من وفّق له أصاب موضعاً، فإذا اجتمعت النيّة والمقدرة والتوفيق والإصابة فهناك السعادة.

    21 : أربعة أشياء القليل منها كثير : النار، والعداوة، والفقر، والمرض.

    22 : صحبة عشرين يوماً قرابة.

    23 : من لم يستحِ عند الغيب، ويرعوِ عند الشيب، ويخش اللّه بظهر الغيب فلا خير فيه.

    24 : من اكرمك فاكرمه، ومن استخفّ بك فأكرم نفسك عنه.

    25 : منع الجود سوء ظنّ بالمعبود.

    26 : إِن عيال المرء اُسراؤه، فمن اُنعم عليه فليوسّع على اُسرائه، فإن لم يفعل يوشك أن تزول تلك النعمة عنه.

    27 : ثلاثة لا يزيد اللّه بها الرجل المسلم إِلا عزّاً : الصفح عمّن ظلمه، والإعطاء لمن حرمه، والصلة لمن قطعه.

    28 : المؤمن إِذا غضب لم يخرجه غضبه عن حقّ، وإِذا رضي لم يدخله رضاه في باطل.

    29 : للصداقة خمسة شروط، فمن كانت فيه فانسبوه اليها، ومن لمن تكن فيه فلا تنسبوه الى شيء منها، وهي أن يكون زين صديقه زينه، وسريرته له كعلانيّته، وألا يغيره عليه مال، وأن يراه أهلاً لجميع مودّته، ولا يسلمه عند النكبات(1).

    30 : أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منها : قيامه من مجلسه لأبيه،

    ______________________________

    (1) نور الأبصار، للشبلنجي : 141.

    { 77 }

    وخدمته لضيفه، وقيامه لدابّته ولو أن له مائة عبد، وخدمته لمن يتعلّم منه.

    31 : العلماء اُمناء الرُسل ما لم يأتوا أبواب السلاطين(1).

    32 : وكان يتردّد عليه رجل من أهل السواد فانقطع عنه، فسأل عنه، فقال بعض القوم : إِنّه نبطي، يريد أن يضع منه، فقال عليه السلام : أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون(2).

    33 : المكارم عشر، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده، وتكون في الولد ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحر قيل : وما هي ؟ قال عليه السلام : صِدق الناس، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصِلة الرحم، وإقراء الضيف، وإِطعام السائل، والمكافاة على الصنائع، والتذمّم للجار، والتذمّم للصاحب، ورأسهنّ الحياء(3).

    34 : من صحّة يقين المرء المسلم ألا يُرضي الناس بسخط اللّه، ولا يلومهم على ما لم يؤته اللّه، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يردّه كراهة كاره، ولو أن أحدكم فرّ من رزقه كما يفرُّ من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت.

    35 : إِن اللّه بعدله وقسطه جعل الروح والراحة في اليقين والرضا، وجعل الهمّ والحزن في الشكّ والسخط(4).

    36 : رأس طاعة اللّه الصبر والرضا عن اللّه فيما أحبّ اللّه للعبد أو كره، ولا يرضى عبد عن اللّه فيما أحبّ أو كره، إِلا كان له خيراً فيما أحبّ أو كره.

    ______________________________

    (1) لواقح الأنوار، للشعراني : 1/28.

    (2) تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي : 343.

    (3) الكافي، باب المكارم.

    (4) الكافي، باب فضل اليقين.

    { 78 }

    37 : إِن أعلم الناس باللّه أرضاهم لقضاء اللّه(1).

    38 : لا تغتبّ فتُغتب(2)، ولا تحفر لأخيك حُفرة فتقع فيها، فإنك كما تَدين تُدان(3).

    39 : إِيّاكم والمزاح فإنه يذهب بماء الوجه ومهابة الرجال.

    40 : لا تمار فيذهب بهاؤك، ولا تمزح فيُجترأ عليك(4).

    41 : إِيّاكم والمشارَّة(5) فإنها تورث المعرَّة(6) وتظهر العورة(7).

    42 : من لم يستحِ من طلب الحلال خفّت مؤونته، ونعِم أهله(8).

    43 : عجبت لمن يبخل بالدنيا وهي مقبلة عليه، أو يبخل عليها وهي مُدبرة عنه، فلا الإنفاق مع الاقبال يضرّه، ولا الإمساك مع الإدبار ينفعه(9).

    44 : المسجون من سجنته دنياه عن آخرته(10).

    45 : لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات، فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت(11).

    46 : استنزلوا الرزق بالصدقة، وحصّنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الرضا بالقضاء.

    (2) الفعل الأول بالبناء للفاعل، والثاني للمفعول.

    (3) مجالس الصدوق، المجلس /65.

    (4) الكافي، باب الدعابة والضحك.

    (5) المخاصمة.

    (6) الأمر القبيح المكروه.

    (7) الكافي، باب المماراة والخصومة والمعاداة.

    (8) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /42.

    (9) مجالس الصدوق، المجلس /32.

    (10) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه، في أحواله عليه السلام.

    (11) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها.

    { 79 }

    اقتصد، والتدبير نصف المعيشة، والتودّد نصف العقل، وقلّة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والديه فقد عقّهما، والصنيعة لا تكون صنيعة إِلا عند ذي حسب ودين، واللّه تعالى منزل الصبر على قدر المصيبة، ومنزل الرزق على قدر المؤونة، ومن قدر معيشته رزقه اللّه تعالى، ومن بذر معيشته حرمه اللّه تعالى(1).

    أقول : وبعض هذه الفقرات منسوبة الى أمير المؤمنين في نهج البلاغة ولعلّ الصادق عليه السلام ذكرها استشهاداً.

    47 : أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيراً(2).

    48 : لا شيء أحسن من الصمت، ولا عدوّ أضرّ من الجهل، ولا داء أدوى من الكذب(3).

    49 : ثلاثة لا يضرّ معهنّ شيء : الدعاء عند الكرب، والاستغفار عند الذنب، والشكر عند النعمة(4).

    50 : المؤمن مألوف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف(5).

    51 : قيل : ما حدّ حُسن الخُلق ؟ فقال عليه السلام : تلين جناحك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر.

    52 : مَن صدق لسانه زكا عمله، ومَن حسنت نيّته زِيدَ في رزقه، ومَن حَسن برّه بأهل بيته مُدَّ له في عمره(6).

    ______________________________

    (1) حلية الأولياء : 3/194.

    (2) الكافي، باب حبّ الدنيا والحرص عليها.

    (3) حلية الأولياء : 3/169.

    (4) الكافي، باب الشكر.

    (5) الكافي، باب حسن الخلق.

    (6) الكافي، باب الصدق وأداء الامانة.

    { 80 }

    53 : الحياء من الايمان.

    54 : من رقّ وجهه رقّ علمه.

    55 : لا إِيمان لمن لا حياء له(1).

    56 : ثلاث من مكارم الدنيا والآخرة : تعفو عمّن ظلمك، وتصل من قطعك، وتحلم اذا جهل عليك(2).

    57 : أيّما أهل بيت اعطوا حظّهم من الرفق فقد وسّع اللّه عليهم في الرزق، والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال، والرفق لا يعجز عنه شيء، والتبذير لا يبقى معه شيء، إِن اللّه عزّ وجلّ رفيق يحبّ الرفق.

    58 : من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس(3).

    59 : من قنع بما رزقه اللّه فهو أغنى الناس.

    60 : وشكا اليه رجل أنه يطلب فيصيب ولا يقنع، وتنازعه نفسه الى ما هو اكثر منه، وقال : علّمني شيئاً أنتفع به، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : إِن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك، وإِن كان ما يكفيك لا يغنيك فكلّ ما فيها لا يغنيك(4).

    61 : العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن.

    62 : ما أوسع العدل وإِن قلّ.

    63 : من أنصف الناس من نفسه رضي به حكماً لغيره(5).

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الحياء.

    (2) الكافي، باب العفو.

    (3) الكافي، باب الرفق.

    (4) الكافي، باب القناعة.

    (5) الكافي، باب الانصاف والعدل.

    { 81 }

    64 : شرف المؤمن قيام الليل، وعزّه استغناؤه عن الناس.

    65 : طلب الحوائج الى الناس استلاب للعزّ ومذهبة للحياء، واليأس ممّا في أيدي الناس عزّ للمؤمن في دينه، والطمع هو الفقر الحاضر(1).

    66 : صِلة الأرحام تحسن الخُلق، وتطيب النفس، وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل(2).

    67 : كفى بالحلم ناصراً.

    68 : إِذا لم تكن حليماً فتحلَّم(3).

    69 : من كفّ يده عن الناس فإنما يكفّ يداً واحدة ويكفُّون أيدي كثيرة(4).

    70 : كفى بالمرء اعتماداً على أخيه أن ينزل به حاجته(5).

    71 : صدقة يحبّها اللّه : إِصلاح بين الناس اذا تفاسدوا، وتقارب بينهم اذا تباعدوا(6).

    72 : من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممّن حرمت غيبته، وكملت مروّته، وظهر عدله، ووجبت اخوّته(7).

    ______________________________

    (1) الكافي، باب الاستغناء عن الناس.

    (2) الكافي، باب صلة الرحم.

    (3) الكافي، باب الحلم، وهذه الكلمة موجودة في النهج هكذا : إن لم تكن حليماً فتحلّم فانه قلّ من تشبه بقوم إِلا أوشك أن يكون منهم.

    (4) الكافي، باب المداراة.

    (5) الكافي، باب السعي في حاجة المؤمن.

    (6) الكافي، باب طلب الاصلاح بين الناس.

    (7) الكافي، باب المؤمن وعلاماته وصفاته.

    { 82 }

    73 : من طلب الرياسة هلك(1).

    74 : من زرع العداوة حصد ما بذر(2).

    75 : الغضب مفتاح كلّ شر.

    76 : الغضب ممحقة(3) الحكيم.

    77 : من لم يملك غضبه لم يملك عقله(4).

    78 : إِن الحسد يأكل الايمان كما تأكل النار الحطب.

    79 : آفة الدين الحسد، والعجب، والفخر(5).

    80 : ما من أحد يتيه إِلا من ذلّة يجدها في نفسه(6).

    81 : ما أقبح بالمؤمن تكون له رغبة تذلّه(7).

    82 : إِن السفه خُلق لئيم، يستطيل على من دونه، ويخضع لمن فوقه(8).

    83 : إِن ممّا أعان اللّه على الكذّابين النسيان(9).

    84 : إِيّاك وسقطة الاسترسال فإنها لا تقال.

    ______________________________

    (1) الكافي، باب طلب الرياسة.

    (2) الكافي، باب المماراة والخصومة والمعاداة.

    (3) مهلكة.

    (4) الكافي، باب الغضب.

    (5) الكافي، باب الحسد.

    (6) الكافي، باب الكبر، وما أعظمها من كلمة فيها سبر لغور النفوس، فإن من يشعر في دخيلة نفسه بالذلّ والنقص يريد أن يستر هذا النقص بالتيه والكبر، على عكس من يشعر بكمالها وكرامتها فإنه غنيّ بنفسه عن الكبرياء والتعاظم، فكلّ من رأيته يتيه تجبّراً فاعلم أن في نفسه مركّب النقص يدفعه الى ذلك.

    (7) الكافي، باب الطمع.

    (8) الكافي، باب السفه.

    (9) الكافي، باب الكذب.

    { 83 }

    85 : إِن خير العباد من يجتمع فيه خمس خصال : أذا أحسن استبشر، واذا أساء استغفر، واذا اُعطي شكر، واذا ابتلي صبر، واذا ظُلم غفر.

    86 : وقال له أبو حنيفة : يا أبا عبد اللّه ما أصبرك على الصلاة، فقال عليه السلام : ويحَك يا نعمان أما علمت أن الصلاة قربان كلّ تقي، وأن الحجّ جهاد كلّ ضعيف، ولكلّ شيء زكاة وزكاة البدن الصيام، وأفضل الأعمال انتظار الفرج من اللّه، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، فاحفظ هذه الكلمات يا نعمان.

    87 : ثلاثة اُقسم باللّه إِنها لحق، ما نقص مال من صدقة ولا زكاة، ولا ظُلم أحد بظلامة بقدر أن يكافئ بها فكظمها إِلا أبدله اللّه مكانها عزّاً، ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إِلا فتح اللّه عليه باب فقر.

    88 : مروّة المرء في نفسه نسب لعقبه وقبيلته(1).

    89 : سبعة يفسدون أعمالهم : الرجل الحليم ذو العلم الكثير لا يُعرف بذلك ولا يُذكر به، والحكيم الذي يدير(2) ماله كلّ كاذب منكر لما يؤتى اليه، والرجل الذي يأمن ذا المكر والخيانة، والسيّد الفظّ الذي لا رحمة له، والاُمّ التي لا تكتم عن الولد السرّ وتفشي عليه، والسريع الى لائمة إخوانه، والذي لا يزال يجادل أخاه مخاصماً له(3).

    90 : لا يطمع ذو الكبر في الثناء الحسن، ولا الخبّ(4) في كثرة الصديق، ولا السّيئ الأدب في الشرف، ولا البخيل في صِلة الرحم، ولا المستهزئ بالناس في

    ______________________________

    (1) كشف الغمّة في أحواله عليه السلام عن ابن الجوزي.

    (2) ولعلّها – يدبر -.

    (3) خصال الصدوق، باب السبعة.

    (4) بفتح وتشديد – الخداع.

    { 84 }

    صدق المودّة، ولا القليل الفقه في القضاء، ولا المغتاب في السلامة، ولا الحسود في راحة القلب، ولا المعاقب على الذنب الصغير في السؤدد، ولا القليل التجربة المعجب برأيه في رياسة(1).

    91 : مَن كان الحزم حارسه، والصدق جليسه، عظمت بهجته، وتمّت مروّته.

    92 : جاهل سخيّ أفضل من ناسك بخيل.

    93 : مَن سأل فوق حقّه استحقّ الحرمان.

    94 : أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلاً من ظلم من دونه، ولم يصفح عمّن اعتذر اليه.

    95 : لا تكوننّ أول مشير، وإِيّاك والرأي الفطير(2).

    96 : الاستقصاء فرقة.

    97 : الانتقاد عداوة.

    98 : قلّة الصبر فضيحة.

    99 : إِفشاء السرّ سقوط.

    100 : السخاء فطنة.

    101 : اللؤم تغافل.

    102 : ثلاثة مَن فرَّط فيهنّ كان محروماً : استماحة جواد، ومصاحبة عالم، واستمالة سلطان.

    103 : ثلاثة تورث المحبّة : الدين والتواضع والبذل.

    ______________________________

    (1) الخصال، باب العشرة.

    (2) بحار الأنوار : 78/228/105.

    { 85 }

    104 : مَن برئ من ثلاثة نال ثلاثة : مَن برئ من الشرّ نال العزّ، ومَن برئ من الكبر نال الكرامة، ومَن برئ من البخل نال الشرف.

    105 : ثلاثة مكسبة للبغضاء : النفاق، والعجب، والظلم.

    106 : مَن لم يكن فيه خصلة من ثلاث لم يُعد نبيلاً، من لم يكن له عقل يزينه، أو جدّة تعينه، أو عشيرة تعضده.

    107 : ثلاثة تزري بالمرء : الحسد، والنميمة، والطيش.

    108 : ثلاثة لا تُعرف إِلا في ثلاثة مواطن : لا يُعرف الحليم إِلا عند الغضب، ولا الشجاع إِلا عند الحرب، ولا أخ إلا عند الحاجة.

    109 : ثلاثة من كنّ فيه فهو منافق وإِن صام وصلّى : مَن إِذا حدَّث كذب، وإِذا وعد أخلف، وإِذا اؤتمن خان.

    110 : إِحذر من الناس ثلاثة : الخائن، والظلوم، والنمّام، لأن من خان لك خانك، ومن ظلم لك سيظلمك، ومن نمَّ اليك سينمُّ عليك.

    111 : لا يكون الأمين أميناً حتّى يؤتمن على ثلاثة فيؤدّيها : على الأموال، والأولاد، والفروج، وإِن حفظ اثنين وضيّع واحدة فليس بأمين.

    112 : لا تشاور أحمق، ولا تستعن بكذّاب، ولا تثق بمودَّة مَلول، فإن الكذّاب يقرّب لك البعيد ويبعّد لك القريب، والأحمق يجهد نفسه ولا يبلغ ما يريد، والملول أوثق ما كنت به خذلك، وأوصل ما كنت له قطعك.

    113 : أربعة لا تشبع من أربعة : أرض من مطر، وعين من نظر، واُنثى من ذكر، وعالم من علم.

    114 : أربعة تهرم قبل أوان الهرم : أكل القديد(1)، والقعود على النداوة،

    ______________________________

    (1) اللحم اليابس المجفَّف.

    { 86 }

    والصعود في الدرج، ومجامعة العجوز.

    115 : النساء ثلاث : واحدة لك، وواحدة لك وعليك، وواحدة عليك لا لك، فأمّا التي لك فالمرأة العذراء، وأمّا التي لك وعليك فالثيب، وأمّا التي عليك فهي المتبع(1) التي لها ولد من غيرك.

    116 : ثلاثة من كنّ فيه كان سيّداً : كظم الغيظ، والصفح عن المسيء، والصلة بالنفس والمال.

    117 : ثلاثة فيهنّ البلاغة : التقرُّب من معنى البُغية، والتبعُّد من حشو الكلام، والدلالة بالقليل على الكثير.

    118 : الجهد في ثلاثة : في تبدّل الإخوان، والمنابذة بغير بيان، والتجسّس عمّا لا يعني.

    119 : ثلاثة يحجزن عن طلب المعالي : قصر الهمّة، وقلّة الحياء، وضعف الراي.

    120 : الحزم في ثلاثة : الاستخدام للسلطان، والطاعة للوالد، والخضوع للمولى.

    121 : الاُنس في ثلاثة : في الزوجة الموافقة، والولد البارّ، والصديق المصافي.

    122 : من رُزق ثلاثاً نال الغنى الأكبر : القناعة بما اُعطي، واليأس ممّا في أيدي الناس، وترك الفضول.

    123 : ثلاثة لا يعذر المرء فيها : مشاورة ناصح، ومداراة حاسد، والتحبّب إِلى الناس.

    ______________________________

    (1) بضم الميم وكسر الباء.

    { 87 }

    124 : من لم يرغب في ثلاث ابتلي بثلاث : من لم يرغب السلامة ابتلي بالخذلان، ومن لم يرغب في المعروف ابتلي بالندامة، ومن لم يرغب في الاستكثار من الاخوان ابتلي بالخسران.

    125 : ثلاث يجب على كلّ إِنسان تجنّبها : مقارنة الأشرار، ومحادثة النساء، ومجالسة أهل البدع.

    126 : ثلاثة تدلًّ على كرم المرء : حُسن الخلق، وكظم الغيظ، وغضّ الطرف.

    127 : من وثق بثلاثة كان مغروراً : من صدَّق بما لا يكون، وركن الى من لا يثق به، وطمع فيما لا يملك.

    128 : ثلاثة من استعملها أفسد دينه ودُنياه : من ساء ظنّه، وأمكن من سمعه، واعطى قياده حليلته(1).

    129 : أفضل الملوك من اُعطي ثلاث خصال : الرأفة، والجود، والعدل.

    130 : وليس يجب للملوك أن يفرّطوا في ثلاثة : في حفظ الثغور، وتفقّد المظالم، واختيار الصالحين لأعمالهم.

    131 : العاقل لا يستخفّ بأحد، وأحقّ من لا يُستخفّ به ثلاثة : العلماء، والسلطان، والاخوان، لأنه من استخفّ بالعلماء أفسد دينه، ومن استخفّ بالسلطان أفسد دنياه، ومن استخفّ بالاخوان أفسد مروّته.

    132 : ثلاثة أشياء يحتاج اليها الناس طرّاً، الأمن، والعدل، والخصب.

    133 : ثلاثة تكدر العيش : السلطان الجائر، والجار السوء، والمرأة البذيّة.

    134 : لا تطيب السكنى إِلا بثلاثة : الهواء الطيّب، والماء الغزير،

    ______________________________

    (1) زوجته.

    { 88 }

    والأرض الخوّارة(1).

    135 : ثلاث خِصال من رزقها كان كاملاً : العقل، والجمال والفصاحة.

    136 : ثلاثة تورث الحرمان : الإلحاح في المسألة، والغيبة، والهزء.

    137 : من طلب ثلاثة بغير حقّ حُرم من ثلاثة بحقّ : من طلب الدنيا بغير حقّ حُرم الآخرة بحقّ، ومَن طلب الرياسة بغير حقّ حُرم الطاعة له بحقّ، ومن طلب المال بغير حقّ حُرم بقاءه له بحقّ.

    138 : ثلاثة لا ينبغي للمرء الحازم أن يقدم عليها : شرب السمّ للتجربة وإِن نجا منه، وإِفشاء السرّ للقرابة الحاسد وإِن نجا منه، وركوب البحر وإِن كان الغنى فيه.

    139 : لا يستغني أهل كلّ بلد عن ثلاثة يفزع اليهم في أمر دنياهم وآخرتهم، فإن عدموا ذلك كانوا همجاً : فقيهٌ عالم وَرِع، وأمير خيّر مُطاع، وطبيب بصير ثقة.

    140 : إِن يسلم الناس من ثلاثة أشياء كانت سلامة شاملة : لسان السوء، ويد السوء، وفعل السوء.

    141 : إِذا لم يكن في المملوك خِصلة من ثلاث فليس لمولاه في إِمساكه راحة : دين يرشده، أو أدب يسوسه، أو خوف يردعه.

    142 : إِن المرء يحتاج في منزله وعياله الى ثلاث خِلال يتكلّفها وإِن لم يكن في طبعه ذلك : معاشرة جميلة، وسعة بتقدير، وغيرة بتحصّن.

    143 : ثلاثة من ابتلي بواحدة منهنّ كان طائح العقل : نعمة مولّية،

    ______________________________

    (1) السهلة اللّيّنة.

    { 89 }

    وزوجة فاسدة، وفجيعة بحيبب.

    144 : جُعلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكلّ واحدة منهنّ فضيلة ليست للاُخرى : السخاء بالنفس، والأنفة من الذلّ، وطلب الذكر، فإن تكاملت في الشجاع كان البطل الذي لا يقام في سبيله، والموسوم بالاقدام في عصره، وإِن تفاضلت بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت في اكثر.

    145 : يجب للوالدين على الولد ثلاثة أشياء : شكرهما على كلّ حال، وطاعتهما فيما يأمرانه به وينهيانه عنه في غير معصية اللّه، ونصيحتهما في السرّ والعلانية.

    146 : ويجب للولد على والده ثلاث خِصال : اختيار والدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه.

    147 : السرور في ثلاث خِلال : في الوفاء، ورعاية الحقوق، والنهوض في النوائب.

    148 : ثلاثة يستدلّ بها على إِصابة الرأي : حُسن اللقاء، وحُسن الاستماع، وحُسن الجواب.

    149 : الرجال ثلاثة : عاقل، وأحمق، وفاجر، فالعاقل إِن كُلّم أجاب، وإِن نطق أصاب، وإِن سمع وعى، والأحمق إِن تكلّم عجل، وإِن حُدِّث ذهل، وإِن حُمل على القبيح فعل، والفاجر إِن ائتمنته خانك، وإِن حدَّثته شانك.

    150 : ثلاثة ليس معهنّ غربة : حُسن الأدب، وكفّ الأذى، ومجانبة الريب.

    151 : الأيّام ثلاثة : فيوم مضى لا يُدرك، ويوم الناس فيه فينبغي أن يغتنموه، وغداً إِنما في أيديهم أمله.

    { 90 }

    152 : من لم يكن فيه ثلاث خِصال لم ينفعه الايمان : حلم يردّ جهل الجاهل، وورع يحجزه عن طلب المحارم، وخُلق يداري به الناس.

    153 : الاخوان ثلاثة : مواس بنفسه، وآخر بماله، وهما الصادقان في الإخاء، والآخر يأخذ منك البلغة، ويريدك لبغض اللذَّة، فلا تعدّه من أهل الثقة.

    154 : لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتّى تكون فيه خِصال ثلاث : الفقه في الدين، وحُسن التقدير في المعيشة، والصبر على الرزايا(1).

    155 : اشكر من أنعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا إِزالة للنعم اذا شكرت، ولا إِقالة(2) لها اذا كفرت.

    156 : وقيل له : ما المروَّة ؟ فقال عليه السلام : ألا يراك اللّه حيث ينهاك، ولا يفقدك حيث أمرك.

    157 : فوت الحاجة خير من طلبها من غير أهلها، وأشدّ من المصيبة سوء الخلف منها.

    158 : قد عجز من لم يعدّ لكلّ بلاءٍ صبراً، ولكل نعمةٍ شكراً، وكلّ عُسرٍ يُسراً.

    159 : لم يستزد بمحبوب بمثل الشُّكر، ولم يستنقص من مكروه بمثل الصبر.

    160 : أنفع الأشياء للمرء سبقه الناس الى عيب نفسه، وأشدَّها مؤونة إِخفاء الفاقة، وأشدّ الأشياء عناءً النصيحة لمن لا يقبلها، ومجاورة الحريص، وأروح الروح اليأس من الناس.

    ______________________________

    (1) كلّ ذلك ابتداءً من الكلمة رقم «96» أخذناه من كتاب «تحف العقول» عند ذكره لما ورد عن إِمامته عليه السلام، وقال في طليعة ما أوردناه عنه «ومن كلامه الذي سمّاه بعض الشيعة نثر الدرر».

    (2) ولا اقامة في نسخة.

    { 91 }

    161 : مَن وقف نفسه موقف التهمة فلا يلومنّ من أساء الظنّ به.

    162 : مَن كتم سرّه كانت الخيرة في يده، وكلّ حديث جاوز اثنين فاشٍ.

    163 : ضع أمر أخيك على أحسنه، ولا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً.

    164 : عليك بإخوان الصدق، فإنهم عدّة عند الرخاء، وجنّة عند البلاء.

    165 : من زين الايمان الفقه، ومن زين الفقه الحلم، ومن زين الحلم الرفق، ومن زين الرفق اللين، ومن زين اللين السهولة.

    166 : الصفح الجميل ألا تعاتب على الذنب، والصبر الجميل الذي ليس فيه شكوى.

    167 : وسأله المفضّل بن عمر عن الحسَب، فقال عليه السلام : المال، قال : فالكرم، قال عليه السلام : التقوى، قال : فالسؤدد، قال عليه السلام : السخاء، ويحَك أما رأيت حاتم طيّ كيف ساد قومه وما كان بأجودهم موضعاً.

    168 : المعروف زكاة النعم، والشفاعة زكاة الجاه، والعلل زكاة الأبدان والعفو زكاة الظفر، وما اُدّي زكاته فهو مأمون السلب.

    169 : من أخلاق الجاهل الإجابة قبل أن يسمع، والمعارضة قبل أن يفهم، والحُكم بما لا يعلم.

    170 : سرّك من دمك فلا تجره في غير أوداجك.

    171 : صدرك أوسع لسرّك.

    172 : مَن لم يواخِ مَن لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومَن لم يرض من صديقه إِلا بايثاره على نفسه دام سخطه، ومَن عاتب على كلّ ذنب دام تعتيبه.

    173 : لو علم السَيّئ الخُلق أنه يعذّب نفسه لتسمَّح في خلقه.

    { 92 }

    174 : ما أرتجّ على امرئ، واُحجم عليه الرأي، واُعيت به الحيل إِلا كان الرفق مفتاحه.

    175 : ثلاثة لا يصيبون إِلا خيراً : اُولو الصمت، وتاركو الشرّ، والمكثرون ذكر اللّه عزّ وجلّ، ورأس الحزم التواضع.

    176 : امتحن أخاك عند نعمة تجدّد لك، أو نائبة تنوبك.

    177 : مَن ظهر غضبه ظهر كيده، ومن قوي هواه ضعف حزمه.

    178 : مَن لم يقدّم الامتحان قبل الثقة، والثقة قبل الانس، أثمرت مودَّته ندماً.

    179 : لحظ الانسان طرف من خبره.

    180 : المستبدّ برأيه موقوف على مداحض(1) الزلل(2).

    181 : مَن لم يسأل اللّه من فضله افتقر(3).

    182 : إِن الدعاء أنفذ من السنان(4).

    183 : وكان عنده قوم يحدّثهم، إِذ ذكر رجل منهم رجلاً فوقع فيه وشكا منه، فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام : وأنّى لك بأخيك كلّه، أيّ الرجال المهذب(5).

    184 : التواصل بين الاخوان في الحضر التزاور، وفي السفر التكاتب(6).

    185 : جبلت القلوب على حبّ من ينفعها، وبُغض من أضرّها(7).

    ______________________________

    (1) مزالق.

    (2) البحار، ج 17 ابتداءً من رقم 155.

    (3) الكافي، باب فضل الدعاء والحث عليه.

    (4) الكافي، باب ان الدعاء سلاح المؤمن.

    (5) الكافي، باب الاغضاء.

    (6) الكافي، باب التكاتب.

    (7) روضة الكافي.

    { 93 }

    186 : الدَّين غمُّ بالليل وذلًّ بالنهار.

    187 : برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم، وعفّوا عن نساء الناس تعفّ نساؤكم.

    188 : المرء كثير بأخيه، ولا خير في صحبة مَن لم ير لك مثل الذي ترى لنفسه.

    189 : وتخاصم رجلان بحضرته، فقال عليه السلام لهما : أما إِنه لم يظفر بخير من ظفر بالظلم، ومن يفعل السوء بالناس فلا ينكر السوء إِذا فعل به.

    190 : لا عيش أهنأ من حُسن الخُلق، ولا مال أنفع من القناعة باليسير المجزي، ولا جهل أضرّ من العجب.

    191 : تصافحوا فإنها تذهب السخيمة(1).

    192 : اتّقِ اللّه بعض التُقى وإِن قَل، ودع بينك وبين اللّه ستراً وإِن رق.

    193 : كثرة النظر بالحكمة تلقح العقل.

    194 : وسئل عن صفة العدل من الرجل، فقال عليه السلام : إِذا غضَّ طرفه عن المحارم، ولسانه عن المآثم، وكفّه عن المظالم.

    195 : مَن لا يعرف لأحد الفضل فهو المعجب برأيه.

    196 : خِصلتان لا يجتمعان في منافق : سمت حسن، وفقه في سنّة.

    197 : ليس من أحد وإِن ساعدته الاُمور بمستخلص غضارة عيش(2) إِلا من خِلال مكروه، ومن انتظر بمعاجلة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء سلبته الأيام فرصته، لأن من شأن الأيام السلب، وسبيل الزمن الفوت(3).

    ______________________________

    (1) الحقد.

    (2) غضارة العيش : طيبه وسعته وخصبه.

    (3) تحف العقول، وهذا غير ما سمّاه بنثر الدرر : 281.

    { 94 }

    198 : كم من مغرور بما قد أنعم اللّه عليه وكم من مستدرج بستر اللّه عليه، وكم من مفتون بثناء الناس عليه(1).

    199 : العافية نعمة خفيّة : اذا وجدت نسيت، واذا فقدت ذكرت.

    200 : العافية نعمة يعجز الشكر عنها(2).

    201 : الشؤم في ثلاثة : في المرأة، والدابّة، والدار، فأمّا الشؤم في المرأة فكثرة صداقها وعقوق زوجها، وأمّا الدابّة فسوء خلقها ومنعها ظهرها، وأمّا الدار فضيق ساحتها وشرّ جيرانها وكثرة عيوبها(3).

    202 : وقيل له : أيّ الخِصال بالمرء أجمل ؟ فقال عليه السلام : وقار بلا مهابة، وسماح بلا طلب مكافاة، وتشاغل بغير متاع الدنيا.

    203 : خمس مَن لم تكن فيه لم يكن فيه كثير مستمتع، قيل : وما هي يا ابن رسول صلّى اللّه عليه وآله ؟ فقال عليه السلام : الدين، والعقل، والحياء، وحُسن الخُلق، وحُسن الأدب. وخمس من لم تكن فيه لم يَهنَ بالعيش : الصحّة، والأمن، والغنى، والقناعة، والأنيس الموافق(4).

    204 : كم من صبر ساعة قد أورثت فرحاً طويلاً، وكم من لذّة قد أورثت خزناً طويلاً(5).

    205 : ليس من الإنصاف مطالبة الاخوان بالإنصاف(6).

    ______________________________

    (1) روضة الكافي.

    (2) مجالس الصدوق، المجلس / 40.

    (3) مجالس الصدوق، المجلس / 42.

    (4) مجالس الصدوق، المجلس / 48.

    (5) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس / 6.

    (6) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس / 10، والوسائل : 8/458/3.

    { 95 }

    206 : ليس لحاقن رأي، ولا لملول صديق، ولا لحسود غنى، وليس بحازم من لم ينظر في العواقب، والنظر في العواقب تلقيح القلوب.

    207 : عليك بالسخاء وحُسن الخُلق، فإنهما يزينان الرجل كما تزين الواسطة القلادة.

    208 : ثلاثة من السعادة : الزوجة المواتية، والولد البارّ، والرجل يرزق معيشته يغدو على اصلاحها ويروّح الى عياله(1).

    209 : النوم راحة للجسد، والنُطق راحة للروح، والسكوت راحة للعقل(2).

    210 : لا تُسمّ الرجل صديقاً سمة معرفة حتّى تختبره بثلاثة : تغضبه فتنظر غضبه يخرجه من الحقّ الى الباطل، وعند الدينار والدرهم، وحتّى تسافر معه(3).

    211 : كم من نعمة اللّه عزّ وجلّ على عبده في غير عمله، وكم من مؤمّل أملاً والخيار في غيره، وكم من ساع الى حتفه وهو مبطئ عن حظه(4).

    212 : من الجَور قول الراكب للراجل : الطريق.

    213 : من حبّ الرجل دينه حبّه إِخوانه.

    214 : شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزّه كفّ الأذى عن الناس(5).

    215 : تقرّبوا الى اللّه بمواساة إِخوانكم.

    216 : ضمنتُ لمن اقتصد ألا يفتقر.

    217 : اصبر على أعداء النعم، فإنك لن تكافئ من عصى اللّه فيك

    ______________________________

    (1) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /11.

    (2) مجالس الصدوق، المجلس /68.

    (3) مجالس الشيخ الطوسي، المجلس /32.

    (4) بحار الأنوار : 78/191/4.

    (5) مرّت هذه الكلمة مع بعض التغيير.

    { 96 }

    بأفضل من أن تطيع اللّه فيه.

    218 : من رضي القضاء أتى عليه القضاء وهو مأجور، ومن سخط القضاء أتى عليه القضاء وأحبط اللّه عمله.

    219 : تهادوا تحابّوا، فإن الهديّة تذهب بالضغائن(1).

    220 : ما عُبد اللّه بأفضل من الصمت والمشي الى بيته.

    221 : أنهاك عن خِصلتين فيهما هلك الرجال : أن تدين اللّه بالباطل، أو تُفتي الناس بما لا تعلم.

    222 : من حقيقة الايمان أن تؤثر الحقّ وإِن ضرَّك، على الباطل وإِن نفعك، وألا يجوز منطقك عملك.

    223 : حرم الحريص خِصلتين ولزمته خِصلتان : حرم القناعة فافتقد الراحة، وحرم الرضا فافتقد اليقين(2).

    224 : مع التثبّت تكون السلامة، ومع العجل تكون الندامة.

    225 : من ابتدأ بعمل في غير وقته كان بلوغه في غير حينه.

    226 : الرجال ثلاثة : رجل بماله، ورجل بجاهه، ورجل بلسانه، وهو أفضل الثلاثة.

    227 : لا تصلح المسألة إِلا في ثلاث : في دم مقطع(3) أو غرم مثقل (4) أو حاجة مدقعة(5).

    ______________________________

    () الخصال للصدوق، باب الواحد.

    (2) الخصال للصدوق، باب الاثنين.

    (3) الظاهر أنه اسم مفعول أي أنه بازائه مال يودي به.

    (4) الغرم : الدين، مثقل اسم فاعل.

    (5) مفقرة شديد فقرها.

    { 97 }

    228 : إِن أحقّ الناس أن يتمنّى للناس الغنى البخلاء، لأن الناس إِذا استغنوا كفّوا عن أموالهم، وأحقّ الناس أن يتمنّى للناس الصلاح أهل العيوب، لأن الناس اذا صلحوا كفّوا عن تتبّع عيوب الناس، وأحقّ الناس أن يتمنّى للناس الحلم أهل السفه، الذين يحتاجون الى أن يعفى عن سفههم، فأصبح أهل البخل يتمنّون فقر الناس، وأصبح أهل العيوب يتمنّون معايب الناس، وأصبح أهل السفه يتمنّون سفه الناس، وفي الفقر الحاجة الى البخيل، وفي الفساد طلب عورة أهل العيوب، وفي السفه المكافاة بالذنوب.

    229 : ثلاثة من عاداهم ذلّ : الوالد، والسلطان، والغريم(1).

    230 : مطلوب الناس في الدنيا الفانية أربعة : الغنى، والدَعَة، وقلّة الاهتمام، والعزّ، فأمّا الغنى فهو موجود في القناعة، فمن طلبه في كثرة المال لم يجدها، وأمّا قلّة الاهتمام فموجودة في قلّة الشغل، فمن طلبها مع كثرته لم يجدها، وأمّا العزّ فموجود في خدمة الخالق، فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده.

    231 : وجدت علم الناس كلّهم في أربعة : أوّلها أن تعرف ربّك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك من دينك.

    232 : اذا فشت أربعة ظهرت أربعة : اذا فشا الزنا ظهرت الزلازل، وإِذا اُمسكت الزكاة هلكت الماشية، وإِذا جار الحاكم في القضاء اُمسك القطر من السماء، وإِذا خفرت الذمّة نصر المشركون على المسلمين.

    233 : إِن الصبر والبرّ والحلم وحُسن الخُلق من أخلاق الأنبياء.

    234 : أربعة تذهب ضياعاً : الأكل بعد الشبع، والسراج في القمر،

    ______________________________

    (1) الخصال، للصدوق، باب الثلاثة.

    { 98 }

    والزرع في السبخة، والصنيعة عند غير أهلها.

    235 : أربعة تذهب ضياعاً : مودَّة تمنحها من لا وفاء له، ومعروف عند من لا شكر له، وعلم عند من لا استماع له، وسرّ تودعه من لا حصانة له(1).

    236 : خمس من خمسة محال : النصيحة من الحاسد محال، والشفقة من العدوّ محال، والحرمة من الفاسق محال، والوفاء من المرأة محال، والهيبة من الفقر محال.

    237 : خمس هنَّ كما أقول : ليست لبخيل راحة، ولا لحسود لذَّة، ولا لملول وفاء، ولا لكذَّاب مروَّة، ولا يسود سفيه.

    238 : خمسة لا ينامون : الهام بدم يسفكه، وذو المال الكثير لا أمين له، والقائل في الناس الزور والبهتان عن عرض من الدنيا يناله، والمأخوذ بالمال الكثير ولا مال له، والمحبّ حبيباً يتوقّع فراقه(2).

    239 : مَن لم يكن له واعظ من قبله، وزاجر من نفسه، ولم يكن له قرين مرشداً، استمكن عدوّه من عنقه(3).

    240 : لن يهلك امرؤ عن مشورة(4)

    241 : مجاملة الناس ثلث العقل(5).

    242 : من التواضع أن تُسلّم على من لقيت(6).

    ______________________________

    (1) الخصال للصدوق، باب الأربعة ابتداء من الكلمة رقم 230.

    (2) الخصال للصدوق، باب الخمسة ابتداء من رقم 236.

    (3) وسائل الشيعة، باب استحباب مشاورة التقي العاقل : 8/425/1.

    (4) وسائل الشيعة، باب استحباب مشاورة أصحاب الرأي : 8/424/4.

    (5) وسائل الشيعة، باب استحباب مجاملة الناس : 8/434/1.

    (6) وسائل الشيعة، باب استحباب افشاء السلام : 8/438/1.

    { 99 }

    243 : المنّ يهدم الصنيعة(1).

    244 : المعروف ابتداء، فأمّا ما أعطيته بعد المسألة فإنما كافيته بما بذل لك من وجهه(2).

    245 : أفضل الصدقة ابراد كبد حرّاء(3).

    246 : من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه الذي هو فيه خيراً من أمسه الذي ارتحل عنه فهو مغبوط(4).

    247 : المؤمن يداري ولا يماري(5).

    248 : من لم يتفقَد النقص في نفسه دام نقصه، ومن دام نقصه فالموت خير له.

    249 : من أذنب من غير عمد كان للعفو أهلاً(6).

    250 : الخشية ميراث العلم، والعلم شعاع المعرفة وقلب الايمان، ومَن حرم الخشية لا يكون عالماً وإِن شقّ الشعر في متشابهات العلم(7).

    251 : إِن مَن أجاب عن كلّ ما يسأل لمجنون(8).

    252 : من لاحى الرجال ذهبت مروّته(9).

    ______________________________

    (1) من لا يحضره الفقيه : 2/41/33.

    (2) بحار الأنوار : 47/61/118.

    (3) وسائل الشيعة، 3/58

  11. بعد الموت

    ولمّا قُبض عليه السلام كفّنه ولده الكاظم عليه السلام في ثوبين شطويين(6)

    ______________________________

    (6) شطا : اسم قرية في مصر تنسب اليها الثياب الشطويّة.

    { 104 }

    كان يحرم فيهما، وفي قميص من قمصه، وفي عمامة كانت لعلي بن الحسين عليه السلام، وفي بُرد اشتراه بأربعين ديناراً(1).

    وأمر بالسراج في البيت الذي كان يسكنه أبو عبد اللّه عليه السلام الى أن اُخرج الى العراق كما فعل أبو عبد اللّه عليه السلام من قبل في البيت الذي كان يسكنه أبوه الباقر عليه السلام(2).

    وقال أبو هريرة(3) لمّا حُمل الصادق عليه السلام على سريره واُخرج الى البقيع ليُدفن :

    أقول وقد راحوا به يحملونه***على كاهل من حامليه وعاتق

    أتدرون ماذا تحملون الى الثرى***ثبير ثوى(4) من رأس علياء شاهق

    غداة حثا الحاثون فوق ضريحه***تراباً وأولى كان فوق المفارق

    أيا صادق ابن الصادقين إِليه***بآبائك الأطهار حلفة صادق

    لحّقاً بكم ذو العرش أقسم في الورى***فقال تعالى اللّه رب المشارق

    نجوم هي اثنا عشرة كن سبقا***الى اللّه في علم من اللّه سابق

    ودُفن عليه السلام في البقيع مع جدّه لاُمّه الحسن وجده لأبيه زين العابدين، وأبيه الباقر عليهم جميعاً صلوات اللّه، وهو آخر من دُفن من الأئمة في البقيع، فإن

    ______________________________

    (1) الكافي، باب مولد الصادق عليه السلام : 1/475/8.

    (2) نفس المصدر.

    (3) الظاهر أنه العجلي وقد عدّه ابن شهراشوب في شعراء أهل البيت المجاهدين، وروي أن الصادق عليه السلام ترحّم عليه، وهذا يقتضي أن يكون موته قبل الصادق، إِلا أن يكون الترحّم عليه وهو حي، أو أن الكاظم هو المترحّم ونسب الى الصادق خطأً.

    (4) الأنسب أن يكون – هوى – ولعلّ الخطأ من النسّاخ.

    { 105 }

    أولاده دُفنوا بالعراق إِلا الرضا في خراسان.

    كناه وألقابه

    كان يُكنَّى بأبي عبد اللّه، وأبي إِسماعيل، وأبي موسى، وأوّلها أشهرها، ويُلقَّب بالصادق، والفاضل، والقائم، والكافل، والمنجي، وغيرها وأوّلها أيضاً أشهرها.

    لقَّبه بالصادق أبوه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، كما في الخرائج والجرائح، وكما في البحار ج 11 في أحواله عليه السلام عن علل الشرائع، وكما في كفاية الأثر لعلي بن محمّد بن علي الخزاز عند ترجمة الصادق عليه السلام مسنداً عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وآله في حديث طويل، ومنه أنه قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ويخرج اللّه من صُلبه – أي صُلب محمّد الباقر – كلمة الحق، ولسان الصدق، فقال له ابن مسعود : فما اسمه يا نبيّ اللّه ؟ قال : يقال له جعفر، صادق في قوله وفعله، الطاعن عليه كالطاعن عليّ، والرادّ عليه كالرادّ عليَّ، الحديث.

    وبلغ من شهرته بهذا اللقب أنه صار كالاسم له، حتّى أنه ليُستغنى به عن ذكر اسمه، ويُعرف به اذا اُطلق، ومن ثمّ جعلناه عنوان كتابنا.

    وكذلك كنيته بأبي عبد اللّه صارت كالاسم له يُستغنى بها عن اسمه ولقبه لا سيّما في الأحاديث.

    صفته

    قال ابن شهراشوب في المناقب في أحواله : وكان عليه السلام ربع القامة

    { 106 }

    أزهر الوجه، حالك الشعر جعده(1) أشمّ الأنف(2) أنزع(3) رقيق البشرة(4) على خدّه خالٌ اسود على جسده خيلان حمرة(5).

    _____________________________

    (1) الجعد في الشعر خلاف البسط.

    (2) الشمم : ارتفاع قصبة الأنف وحسنها وارتفاع في أعلاها وانتصاب الأرنبة – طرف الأنف، ويكنّى به عن الإباء.

    (3) النزع : انحسار الشعر عن جانبي الجبهة.

    (4) وفي نسخة : دقيق المسربة، والمسربة : الشعر وسط الصدر الى البطن.

    (5) أي يخال أن على جسده حمرة، هذا اذا قرئ بفتح الخاء المعجمة، وأما اذا قرئ بالكسر فهي جمع خال، ومعناه أن الخال الذي على جسده هو من الحمرة، وفي نسخة حبلان حمرة، بحاء مهملة وباء موحّدة.

    زيارته

    إِن لزيارة المؤمن في اللّه حيّا وميّتاً من الفضل ما لا يبلغ مداه، كما يشهد به النقل، فكيف بإمام المؤمنين، على أن في زيارة مراقد الأنبياء والأوصياء إِحياء لذكرهم واشادة بفضلهم، وجمعاً للقلوب عليهم، وترغيباً للناس على الاقتداء بأعمالهم، وذلك ما تحبّذه جميع عقلاء الاُمم لإحياء مآثر العظماء وتجديد ذكرى فضلهم والتشجيع على الاحتذاء بهديهم، مضافاً الى أن في زيارة مراقد النبيّ والأئمة تعظيماً لشعائر اللّه تعالى وهو من تقوى القلوب.

    والنقل في فضل زيارته عليه السلام من وجهين، الأوّل : ممّا جاء في فضل زيارة قبورهم عامّة، الثاني : ممّا جاء في فضل زيارة قبره خاصّة.

    أمّا الأوّل فكثير جداً، ومنه قول الرضا عليه السلام : إِن لكلّ إِمام عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإِن من تمام الوفاء بالعهد زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبةً في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة(6).

    ______________________________

    (6) وسائل الشيعة : 5/253/5.

    { 107 }

    وقول أمير المؤمنين عليه السلام : أتمّوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله اذا خرجتم الى بيت اللّه الحرام، فإن تركه جفاء، وبذلك اُمرتم، واُتمّوا بالقبور التي ألزمكم اللّه حقّها وزيارتها واطلبوا الرزق عندها(1).

    وقول الصادق عليه السلام : من زار إِماماً مُفترض الطاعة وصلّى عنده أربع ركعات كتب اللّه له حجّة وعمرة(2) الى ما لا يحصى من أمثال هذه الأحاديث، وقد ذكرت كثيراً منها كتب المزارات.

    وأمّا الثاني فمثل قول الصادق عليه السلام : من زارني غُفرت له ذنوبه ولم يمت فقيراً(3).

    وقول العسكري عليه السلام : من زار جعفراً أو أباه لم تشتك عينه، ولم يصبه سقم، ولم يمت مبتلى(4)، الى كثير سواها.

    * * *

    ______________________________

    (1) وسائل الشيعة : 5/255/10.

    (2) وسائل الشيعة، كتاب المزار من كتاب الحج : 5/260/25.

    (3) المُقنعة للشيخ المفيد : ص 73.

    (4) وسائل الشيعة 5/426/2.

    أولاده

    إِختلفوا في عدد أولاده والمشهور فيهم ما ذكره الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد، قال : وكان أولاد أبي عبد اللّه عليه السلام عشرة : إِسماعيل وعبد اللّه وامّ فروة امّهم فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي عليهما السلام وموسى عليه السلام وإِسحاق ومحمّد لاُمّ ولد(1) والعبّاس وعليّ وأسماء وفاطمة لاُمّهات شتّى.

    _____________________________

    (1) وتكنى اُمّ حميدة.

    إِسماعيل

    كان إِسماعيل اكبر أولاد الصادق عليه السلام، وكان شديد المحبّة له والبرّ به والاشفاق عليه(2).

    حتّى أنه عليه السلام قال للمفضّل بن عمر وهو من وكلائه وخواصّ أصحابه الثقات وأبو الحسن موسى عليه السلام غلام : هذا المولود – يعني موسى الكاظم – الذي لم يولد فينا مولود أعظم بركة على شيعتنا منه، ثمّ قال : لا تجفُ

    ______________________________

    (2) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : 284.

    { 109 }

    إِسماعيل(1).

    إِن هذا الكلام يدلّ على صرف الإمامة عن إِسماعيل الى موسى، ولكن لمّا خشي أن يكون ذلك أيضاً صارفاً عن اكرامه قال : لا تجفُ إِسماعيل.

    وقال عليه السلام : كان القتل قد كتب على إِسماعيل مرّتين فسألت اللّه تعالى في رفعه عنه فرفعه(2)، وأقواله وأعماله التي كانت تنبئ عن ذلك الحبّ والعطف كثيرة، وحتّى ظنّ قوم من الشيعة أنه القائم بعد أبيه بالإمامة لذلك البرّ وتلك الرعاية ولأنه اكبر اخوته سنّاً، واكبر الاخوة سنّاً أحد علائم الإمامة، ولكن موته أيام أبيه أزال ذلك الظن.

    وأظهر الصادق عليه السلام بموت إِسماعيل عجباً، فإنه بعد أن مات وغطّي أمر بأن يكشف عن وجهه وهو مسجّى، ثمّ قبَّل جبهته وذقنه ونحره، ثمّ أمر به فكشف وفعل به مثل الأوّل، ولمّا غُسّل واُدرج في اكفانه أمر به فكشف عن وجهه ثمّ قبّله في تلك المواضع ثالثاً، ثمّ عوَّذه بالقرآن، ثمّ أمر بإدراجه.

    وفي رواية اُخرى أنه اُمر المفضّل بن عمر فجمع له جماعة من أصحابه حتّى صاروا ثلاثين، وفيهم أبو بصير وحمران بن أعين وداود الرقي، فقال لداود : اكشف عن وجهه، فكشف داود عن وجه إِسماعيل، فقال : تأمّله يا داود فانظره أحيّ هو أم ميّت ؟ فقال : بل هو ميّت، فجعل يعرض على رجل رجل حتّى أتى على آخرهم، فقال : اللّهمّ اشهد، ثمّ أمر بغسله وتجهيزه، ثمّ قال : يا مفضّل احسر عن وجهه، فحسر عن وجهه، فقال : حيّ هو أم ميّت ؟ انظروه

    ______________________________

    (1) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على الكاظم عليه السلام : 1/309/8.

    (2) رجال الشيخ أبي علي.

    { 110 }

    جميعكم، فقالوا : بل هو يا سيّدنا ميّت، فقال : شهدتم بذلك وتحققتموه ؟ قالوا : نعم، وقد تعجّبوا من فعله، فقال : اللّهمّ اشهد عليهم، ثمّ حُمل الى قبره فلمّا وُضع في لحده قال : يا مفضّل اكشف عن وجهه، فكشف فقال للجماعة : انظروا أحيّ هو أم ميّت ؟ فقالوا : بل ميّت يا وليّ اللّه، فقال : اللّهمّ اشهد، ثمّ أعاد عليهم القول في ذلك بعد دفنه، فقال لهم : الميّت المكفّن المحنّط المدفون في هذا اللحد من هو ؟ فقالوا : إِسماعيل ولدك، فقال اللّهمّ اشهد(1).

    قد يعجب المرء من إِصرار الإمام على أن يعرف الناس موت إِسماعيل حتّى لا تبقى شبهة ولا ريب بموته، ولكن لا عجب من أمر الإمام العالم بما سيحدث في هذا الشأن، إِنه يعلم أن قوماً سيقولون بإمامته لأنه الأكبر زعماً منهم أنه لم يمت، فما فعل ذلك إِلا ليقيم الحجّة عليهم، وقد كشف بنفسه عليه السلام عن هذا السّر، فإنه قال بعد أن وُضع إِسماعيل في لحده وأشهد القوم على موته : فإنه سيرتاب المبطلون، يريدون إِطفاء نور اللّه، ثمّ أومى الى موسى عليه السلام، ولمّا أن دُفن إِسماعيل وأشهدهم أخذ بيد موسى فقال : هو حقّ والحقّ معه الى أن يرث اللّه الأرض ومن عليها(2).

    وظهر على الصادق الحُزن الشديد حين حضر إِسماعيل الموت وسجد سجدة طويلة، ثمّ رفع رأسه فنظر الى إِسماعيل قليلاً ونظر الى وجهه، ثمّ سجد اُخرى أطول من الاُولى، ثمّ رفع رأسه فغمضه وربط لحييه وغطّى عليه ملحفته، ثمّ قام ووجهه قد دخله شيء عظيم حتّى أحسّ ذلك منه من رآه، وعلى أثر ذلك دخل المنزل فمكث ساعة، ثمّ خرج على القوم مدهناً مكتحلاً وعليه ثياب

    ______________________________

    (1) بحار الأنوار : 47/254.

    (2) بحار الأنوار : 1/188.

    { 111 }

    غير التي كانت عليه، ووجهه قد تسرّى عنه ذلك الأثر من الحزن فأمر ونهى، حتّى اذا فرغ من غسله دعا بكفنه فكتب في حاشيته : إِسماعيل يشهد أن لا إِله إِلا اللّه(1).

    فتعجّب الناس من انقلاب حاله وذهاب ذلك الحُزن الشديد فبدر اليه بعض أصحابه قائلاً : جعلت فداك لقد ظننا أننا لا ننتفع بك زماناً لما رأيناه من جزعك، فقال عليه السلام : إِنّا أهل بيت نجزع ما لم تنزل المصيبة فاذا نزلت صبرنا.

    وقدّم لأصحابه المائدة وعليها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان ودعاهم الى الأكل وحثّهم عليه، ولا يرون للحزن أثراً على وجهه، فقيل له في ذلك، فقال : وما لي لا اكون كما ترون وقد جاء في خبر أصدق الصادقين : إِنّي ميّتٌ وإِيّاكم.

    ولكنه لمّا حُمل ليدفن تقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وهذا أعظم شعار للحزن، وكان يأمر بوضع السرير على الأرض يكشف عن وجهه يريد بذلك تحقيق موته لدى الناس، فعل ذلك مراراً الى أن انتهوا به الى قبره(2).

    ولمّا فرغ من دفنه جلس والناس حوله وهو مُطرق، ثمّ رفع رأسه فقال : أيها الناس إِن هذه الدنيا دار فراق، ودار التواء، لا دار استواء على أن لفراق المألوف حرقة لا تُدفع، ولوعة لا تُرد، وإِنما يتفاضل الناس بحسن العزاء وصحّة الفكرة، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، ومن لم يقدم ولداً كان هو المقدم دون الولد، ثمّ تمَثل بقول أبي خراش الهذلي :

    ولا تحسبن أني تناسيت عهده***ولكن صبري يا اميم جميل(3)

    ______________________________

    (1) وما زال الناس يكتبون الشهادة على اكفان الموتى من ذلك اليوم، اقتداءً بعمل الإمام، وقد بلغني عن بعض أهل الجمود أنهم يكتبون لكل ميّت منهم : إِسماعيل يشهد…

    (2) ارشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : 285.

    (3) اكمال الدين : 1/163، والأمالي للشيخ الصدوق : 237.

    { 112 }

    ولمّا مات إِسماعيل استدعى الصادق عليه السلام بعض شيعته وأعطاه دراهم وأمره أن يحجّ بها عن ابنه إِسماعيل، وقال له : إِنك اذا حججت عنه لك تسعة أسهم من الثواب ولإسماعيل سهم واحد(1).

    ومات إِسماعيل بالعريض(2) وحُمِل على الرقاب الى المدينة(3) وقبره فيها معروف، وهدمه ابن السعود كما هدم قبور آبائه الأئمة في البقيع والى اليوم لم يسمح بإعادة البناء عليها.

    فتلك الأعمال من الصادق عليه السلام مع ابنه إِسماعيل تدلّنا على كبير ما يحمل له من الحبّ والبرّ والعطف، وعلى ما كان عليه إِسماعيل من التقوى والفضل، ولكن هناك أحاديث قدحت في مقامه ووصمت قدسيّ ذاته، وإِني لا أراها تعادل تلك الأحاديث السالفة، بل إِن بعض الأخبار كشفت لنا النقاب عن كذب هذه الأخبار القادحة، أو انها صدرت لغايات مجهولة لنا، فمن تلك الأحاديث الكاشفة، ما رواه في الخرائج والجرائح عن الوليد بن صبيح(4) قال : جاءني رجل فقال لي : تعال حتّى اُريك ابن إِلهك(5) فذهبت معه فجاء بي الى قوم يشربون، فيهم إِسماعيل بن جعفر، فخرجت مغموماً فجئت الى الحجر فاذا إِسماعيل بن جعفر متعلّق بالبيت يبكي قد بَلَّ أستار الكعبة

    ______________________________

    (1) بحار الأنوار : 47/255.

    (2) بضمّ أوله وفتح ثانيه، من أعمال المدينة.

    (3) إرشاد الشيخ المفيد : 285.

    (4) أبي العباس الكوفي، كان من رواة الصادق عليه السلام وثقاتهم وله كتاب رواه الحسن بن محبوب عن ابنه العباس عنه.

    (5) يعني بالاله الصادق عليه السلام زعماً من هؤلاء أن الشيعة ترى الوهيّة الأئمة، ما اكبرها فريّة عليهم، وقد سبق منا «1/54» ما كتبناه عن معتقد الاماميّة في الامام، وهذا سوى رسالتنا «الشيعة والامامة» نعم توجد بعض الفِرق الغالية ولكن الاماميّة بل والفِرق الاُخرى الشيعية تبرأ منهم.

    { 113 }

    بدموعه، فرجعت أشتد فاذا إِسماعيل جالس مع القوم، فرجعت فاذا هو آخذ بأستار الكعبة قد بَلَّها بدموعه، قال : فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه عليه السلام، فقال : لقد ابتلي ابني بشيطان يتمثّل على صورته.

    فهل يا ترى زكاة لإسماعيل أفضل من هذا الحديث، فلا بدّ إِذن من طرح الأحاديث القادحة أو حملها على غايات غير ما دلّت عليه بظاهرها، ولو كان إِسماعيل كما قدحت فيه تلك الأحاديث لما لازمه الصادق عليه السلام في الحضر والسفر، ولنحّاه كما نحّى ابنه عبد اللّه.

    ولمّا مات إِسماعيل انصرف عن القول بإمامته من كان يظنّ أن الإمامة فيه بعد أبيه وحدث القول بإمامته بعد أبيه الصادق، والقائلون بإمامته يسمّون بالاسماعيليّة، وقد أشرنا الى هذه الفرقة في 1 : 52.

    وذكر هنا الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد أن الذين أقاموا على حياته شرذمة لم تكن من خاصّة أبيه ولا من الرواة عنه وكانوا من الأباعد والأطراف، ولمّا مات الصادق عليه السلام انتقل فريق منهم الى القول بإمامة موسى عليه السلام بعد أبيه، وافترق الباقون فريقين، ففريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل، وقالوا بإمامة ابنه محمّد بن إِسماعيل، لظنّهم أن الامامة كانت في أبيه، وأن الإبن أحقّ بمقام الأب من الأخ، وفريق ثبتوا على حياة إِسماعيل، وهم اليوم شذّاذ لا يعرف منهم أحد يومى اليه، وهذان الفريقان يسمّيان بالاسماعيليّة، والمعروف منهم الآن من يزعم أن الامامة بعد إِسماعيل في ولده وولد ولده الى آخر الزمان.

    عبد اللّه الأفطح

    كان عبد اللّه اكبر ولد الصادق عليه السلام بعد إِسماعيل، ومن ثمّ اشتبه

    { 114 }

    الأمر على فئة فقالوا بإمامته، لأن الإمامة في الأكبر وجهلوا أنها في الأكبر ما لم يكن ذا عاهة، وعبد اللّه كان أفطح الرجلين، ولذا سُمي الأفطح، والقائلون بإمامته – الفطحيّة -.

    وكان متّهماً في الخلاف على أبيه في الاعتقاد، ويقال أنه يخالط الحشويّة ويميل الى مذهب المرجئة، ولذلك لم تكن منزلته عند أبيه كمنزلة غيره من ولده في الإكرام(1).

    ولربّما عاتبه أبوه ولامَه ووعظه، ولكن ما كان ليجدي معه ذلك الوعظ والعتب، وقد قال له يوماً: ما منعك أن تكون مثل أخيك فواللّه إِني لأعرف النور في وجهه، فقال عبد اللّه : لِمَ أليس أبي وأبوه واحداً ؟ واُمّي واُمّه واحدة، فقال له الصادق عليه السلام : إِنه من نفسي وأنت ابني(2).

    أحسب أنه أراد الصادق عليه السلام من قوله – أخيك – إِسماعيل خاصّة ولذا أجابه عبد اللّه بقوله: أليس أبي أبوه واحداً ؟ واُميّ واُمّة واحدة ؟ لأن أخاه من الأبوين هو إِسماعيل لا موسى.

    وكفى بهذا الحديث دلالة على فضل إسماعيل وعلوّ مقامه عند اللّه وعند أبيه، وعلى جهل عبد اللّه وانحطاط منزلته عند اللّه وعند أبيه.

    وادّعى عبد اللّه الإمامة بعد أبيه محتجّاً بأنه اكبر اخوته، ولقد أنبأ الصادق ولده الكاظم عليهما السلام بأن عبد اللّه سوف يدَّعي الإمامة بعده ويجلس مجلسه، وأمره ألا ينازعَهُ ولا يكلّمه لأنه أول أهله لحوقاً به، فكان الأمر كما أنبأ عليه السلام(3).

    ______________________________

    (1) إرشاد الشيخ المفيد : 285.

    (2) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على الامام الكاظم عليه السلام : 1/310/10.

    (3) بحار الأنوار : 47/261/29، والكشي : 165.

    { 115 }

    ولما ادّعى الإمامة تبعه جماعة من أصحاب الصادق عليه السلام رجع اكثرهم بعد ذلك الى القول بإمامة موسى الكاظم عليه السلام، لمّا تبيّنوا ضعف دعواه، وقوَّة الحجّة من أبي الحسن عليه السلام ودلالة إِمامته(1).

    وممّن دخل عليه مستعلماً صحّة دعواه هشام بن سالم ومؤمن الطاق، والناس مجتمعون حوله محدقون به، فسألاه عن الزكاة في كم تجب ؟ فقال : في مائتين خمسة، قالا : ففي مائة ؟ قال : درهمان ونصف، فقالا له : فواللّه ما تقول المرجئة هذا، فرفع يده الى السماء فقال : لا واللّه ما أدري ما تقول المرجئة، فعلما أنه ليس عنده شيء، فخرجا من عنده ضلالاً لا يدريان أين يتوجّهان فقعدا في بعض أزقّة المدينة باكيين حيرانين وهما يقولان : لا ندري الى من نقصد الى من نتوجّه الى المرجئة، الى القدريّة، الى الزيديّة، الى المعتزلة، الى الخوراج، فبينا هما كذلك إِذ رأى هشام شيخاً لا يعرفه يؤمي اليه بيده، فخاف أن يكون من عيون المنصور، لأنه كان له جواسيس وعيون بالمدينة ينظرون على من اتّفق شيعة جعفر عليه السلام فيضربون عنقه، فقال لمؤمن الطاق : تنحَّ عني فإني أخاف على نفسي وعليك، وإِنما يريدني ليس يريدك، فتنحَّ عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحّى أبو جعفر غير بعيد، وتبع هشام الشيخ، فما زال يتبعه حتّى أورده باب أبي الحسن موسى عليه السلام، ثمّ خلاه ومضى، فاذا خادم بالباب، فقال له : ادخل رحمك اللّه، فلمّا دخل قال له أبو الحسن عليه السلام ابتداءً : إِليّ إِليّ إِليّ، لا إِلى المرجئة، ولا الى القدريّة، ولا الى الزيديّة، ولا الى المعتزلة، ولا الى الخوارج.

    ثمّ خرج هشام من عند الكاظم عليه السلام ولقي أبا جعفر مؤمن الطاق

    ______________________________

    (1) إرشاد الشيخ المفيد : 285، والكشي : 165.

    { 116 }

    فقال له : ما وراك ؟ قال : الهدى، فحدّثه بالقصّة، ثمّ لقي المفضّل بن عمر وأبا بصير فدخلوا عليه وسلّموا وسمعوا كلامه وسألوه ثمّ قطعوا عليه، ثمّ لقي هشام الناس أفواجاً فكان كلّ من دخل عليه قطع عليه إِلا طائفة مثل عمّار الساباطي وأصحابه، فبقي عبد اللّه لا يدخل عليه إِلا قليل من الناس، فلمّا علم عبد اللّه أن هشاماً هو السبب في صدّ الناس عنه أقعد له بالمدينة غير واحد ليضربوه(1).

    وبقي عبد اللّه مصرّاً على دعوى الإمامة الى أن مات، وما كانت أيامه بعد أبيه إِلا سبعين يوماً، فلمّا مات رجع الباقون الى القول بإمامة أبي الحسن عليه السلام إِلا شاذاً منهم(2) وهم الذين لزمهم لقب الفطحيّة، وإنما لزمهم هذا اللقب لقولهم بإمامة عبد اللّه وهو أفطح الرجلين(3) أو أفطح الرأس، وانقطع أثر هذه الطائفة بعد ذلك العهد بقليل، وكان آخرهم بنو فضال.

    _____________________________

    (1) رجال الكشي : 165.

    (2) رجال الكشي : 165.

    (3) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : 286.

    إسحاق

    كان من أهل الفضل والصلاح، والورع والاجتهاد، وروى عنه الناس الحديث والآثار، وكان ابن كاسب(4) اذا حدّث عنه يقول :

    حدَّثني الثقة الرضي إِسحاق بن جعفر، وكان يقول بإمامة أخيه موسى

    ______________________________

    (4) لم أجد قدر الوسع في التتبّع ذكراً لابن كاسب في كتب الرجال وجعل الطريحي والكاظمي تمييز إِسحاق برواية ابن كاسب عنه ولم يذكرا اسمه ولا شيئاً من حاله، وهذه الكلمة في حقّ إِسحاق تنسب الى سفيان بن عيينة أيضاً وليس هو ابن كاسب.

    { 117 }

    عليه السلام، وروى عن أبيه النصّ على أخيه موسى عليه السلام، كما روى النصّ بها عليه من اخوته علي بن جعفر أيضاً، وكانا من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه إِثنان(1).

    وكان إِسحاق من شهود الوصيّة التي أوصى بها الكاظم عليه السلام الى ابنه الرضا عليه السلام، وممّا يشهد لفضله وورعه مدافعته عن الرضا عليه السلام، فإنه لمّا مضى الكاظم عليه السلام قدَّم أبناء الكاظم أخاهم الرضا الى القاضي فقال العبّاس بن موسى عليه السلام : أصلحك اللّه وأمتع بك إِن في أسفل الكتاب كنزاً وجوهراً، ويريد أن يحتجبه، ويأخذه هو دوننا، ولم يدع أبونا رحمه اللّه شيئاً إِلا ألجأه اليه وتركنا عالة، ولولا أني اكفّ نفسي لأخبرتك بشيء على رؤوس الملأ، فوثب اليه إِبراهيم بن محمّد(2) فقال : إِذن واللّه تخبر بما لا نقبله منك، ولا نصدقك عليه، ثمّ تكون عندنا ملوماً مدحوراً، نعرفك بالكذب صغيراً وكبيراً، وكان أبوك أعرف بك لو كان فيك خير، وإِن كان أبوك لعارفاً بك في الظاهر والباطن، وما كان ليأمنك على تمرتين، ثمّ وثب اليه عمّه إِسحاق بن جعفر هذا فأخذ بتلبيبه فقال له : إِنك لسفيه ضعيف أحمق، أجمع هذا مع ما كان بالأمس منك، وأعانه القوم أجمعون(3).

    وممّن روى عنه غير ابن كاسب وابن عيينة جماعة : منهم بكر بن محمّد الأزدي، ويعقوب بن جعفر الجعفري، وعبد اللّه بن إِبراهيم الجعفري، والوشا(4).

    ______________________________

    (1) إرشاد الشيخ المفيد في أحوال الصادق والكاظم عليهما السلام : 289.

    (2) الظاهر أنه ابن اسماعيل بن الصادق عليه السلام.

    (3) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على الرضا عليه السلام : 1/318.

    (4) أما بكر فهو ممّن روى عن الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام وكان من ثقات الرواة وروى عن الثقات، وأمّا يعقوب فهو يروي عن إسحاق وروى عنه الكليني في باب مولد أبي الحسن الكاظم عليه السلام وفي باب السحاق من أبواب النكاح، وهذا مما يشهد لوثاقته، ولكن أرباب الرجال لم يذكروا له ترجمة مستقلّة، وما اكثر من أهملوه، وهو ابن جعفر بن إبراهيم بن محمّد بن علي بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب، وأما عبد اللّه فهو عمّ يعقوب المتقدم، وهو أبو محمّد الثقة الصدوق وأمّا الوشا فهو الحسن بن علي بن زياد من أصحاب الرضا عليه السلام ورواته الثقات.

    محمّد

    كان محمّد سخيّاً شجاعاً، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وقالت زوجته خديجة بنت عبد اللّه بن الحسين(1) : ما خرج من عندنا محمّد يوماً قط في ثوب فرجع حتّى يكسوه، وكان يذبح كلّ يوم كبشاً لأضيافه(2) وكان يسمّى الديباجة لحسن وجهه وجماله(3).

    وكان يرى رأي الزيديّة في الخروج بالسيف، وخرج على المأموان في سنة 199 بمكّة واتبعته الزيديّة الجاروديّة(4).

    ولمّا بويع له بالخلافة ودعا لنفسه، ودُعي بأمير المؤمنين، دخل عليه الرضا عليه السلام فقال له : يا عم لا تُكذّب أباك وأخاك، فإن هذا الأمر لا يتمّ، ثمّ لم يلبث قليلاً حتّى خرج لقتاله عيسى الجلودي فلقيه فهزمه، ثمّ استأمن اليه، فلبس السواد(5) وصعد المنبر فخلع نفسه وقال : إِن هذا الأمر للمأمون وليس لي فيه حق(6).

    ______________________________

    (1) ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام.

    (2) إرشاد الشيخ المفيد في أحواله : 286.

    (3) كتب الرجال في ترجمته.

    (4) الارشاد : 286.

    (5) وهو شعار العبّاسيّين، فكأنه أراد أن يجعل شعاره كشعارهم، أمّا العلويّون فكان شعارهم الخضرة.

    (6) بحار الأنوار : 47/246/5.

    { 119 }

    ولمّا أراد الموافقة مع جيش الجلودي أرسل الرضا اليه مولاه مسافراً وقال له : قل له لا تخرج غداً فإنك إِن خرجت غداً هُزمت وقُتل أصحابك، وإِن قال لك من أين علمت غداً فقل رأيت في النوم، فلمّا أتاه ونهاه عن الخروج وسأله عن سبب علمه بذاك وقال له رأيت في النوم، قال محمّد : نام العبد فلم يغسل استه، فكان الأمر كما أعلمه به مسافر عن الامام(1).

    ولمّا خلع نفسه وتخلّى عن الأمر أنفذه الجلودي الى المأمون ولمّا وصل اليه اكرمه المأمون وأدنى مجلسه منه، ووصله وأحسن جائزته، فكان مقيماً معه بخراسان يركب اليه في موكب من بني عمّه، وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمله السلطان من رعيّته.

    وأنكر المأمون يوماً ركوبه اليه في جماعة من الطالبيّين، الذين خرجوا على المأمون في سنة 200 فأمنهم، فخرج التوقيع اليهم : لا تركبوا مع محمّد بن جعفر واركبوا مع عبد اللّه بن الحسين، فأبوا أن يركبوا ولزموا منازلهم، فخرج التوقيع : اركبوا مع من أحببتم، فكانوا يركبون مع محمّد بن جعفر عليه السلام اذا ركب الى المأمون وينصرفون بانصرافه(2).

    ولمّا خرج على المأمون جفاه الرضا عليه السلام وقال : إِني جعلت على نفسي ألا يظلّني وإِيّاه سقف بيت، ويقول عمر بن يزيد وكان حاضراً عند أبي الحسن عليه السلام : فقلت في نفسي هذا يأمر بالبّر والصِلة، ويقول هذا لعمّه، فنظر إِليَّ فقال : هذا من البِرّ والصِلة، إنه متى يأتيني ويدخل عليَّ فيقول فيَّ فيصدقه الناس، واذا لم يدخل عليَّ ولم أدخل عليه لم يُقبل قوله اذا قال(3).

    ______________________________

    (1) الارشاد : 314.

    (2) الارشاد : 286.

    (3) بحار الأنوار : 47/246/4.

    { 120 }

    ومن معاجز أبي الحسن الرضا عليه السلام في شأن محمّد أن محمّداً مرض فأخبروا الرضا عليه السلام أنه قد ربط ذقنه، فمضى اليه ومعه بعض أصحابه، واذا لحياه قد ربطا واذا إِسحاق أخو محمّد وولده وجماعة آل أبي طالب يبكون، فجلس أبو الحسن عند رأسه ونظر في وجهه فتبسّم، فنقم من كان في المجلس على أبي الحسن، فقال بعضهم : إِنما تبسّم شامتاً بعمّه، ولمّا خرج ليصلّي في المسجد قال له أصحابه : جعلنا فداك قد سمعنا فيك من هؤلاء ما نكرهه حين تبسّمت، قال أبو الحسن عليه السلام : إِنما تعجّبت من بكاء إِسحاق وهو واللّه يموت قبله ويبكيه محمّد، فبرئ محمّد ومات إِسحاق(1).

    ولمّا كانت خراسان دار مقرّه لم تخضع نفسه لوجود ذي الشوكة والتاج فيها – أعني المأمون – فكان إِباؤه يأبى له من الرضوخ وإِن كان سجين البلد ومغلوباً على أمره، فإنه أخبر يوماً بأن غلمان ذي الرياستين(2) قد ضربوا غلمانه على حطب اشتروه، فخرج مُتَّزراً ببُردين ومعه هراوة(3) يرتجز ويقول : – الموت خير لك من عيش بِذُلّ – وتبعه الناس حتّى ضرب غلمان ذي الرياستين وأخذ الحطب منهم، فرفعوا الخبر الى المأمون، فبعث الى ذي الرياستين فقال : ائتِ محمّد بن جعفر فاعتذر اليه وحكِّمه في غلمانك، فخرج ذو الرياستين الى محمّد، فقيل لمحمّد : هذا ذو الرياستين قد أتى، فقال : لا يجلس إِلا على الأرض، وتناول بساطاً كان في البيت فرمى به هو ومن معه ناحية، ولم يبق في البيت إِلا وسادة جلس عليها محمّد، فلمّا دخل عليه ذو الرياستين وسّع له محمّد على الوسادة فأبى أن يجلس عليها وجلس على الأرض فاعتذر اليه وحكَّمه في غلمانه.

    ______________________________

    (1) عيون أخبار الرضا عليه السلام : 2/206/7.

    (2) هو الفضل بن سهل وزير المأمون، وسمّي ذا الرياستين لجمعه بين رياستي السيف والقلم.

    (3) عصا.

    { 121 }

    وتوفي محمّد بن جعفر في خراسان فركب المأمون ليشهده فلقيهم وقد خرجوا به، فلمّا نظر الى السرير نزل فترجّل ومشى حتّى دخل بين العمودين فلم يزل بينهما حتّى وضع، فتقدّم وصلّى عليه، ثمّ حمله حتّى بلغ به القبر، ثمّ دخل قبره فلم يزل فيه حتّى بُني عليه، ثمّ خرج فقام على القبر حتّى دُفن، فقال له عبد اللّه بن الحسين ودعا له : يا أمير المؤمنين إِنك قد تعبت اليوم فلو ركبت، فقال المأمون : إِن هذه رحم قُطعت من مائتي سنة.

    وكان عليه دَين كثير فأراد إِسماعيل بن محمّد اغتنام هذه الفرصة من المأمون ليسأله قضاء دَينه، فقال لأخيه وهو الى جنبه والمأمون قائم على القبر : لو كلّمناه في دَين الشيخ، فلا نجده أقرب منه في وقته هذا، فابتدأهم المأمون فقال : كم ترك أبو جعفر من الدَين ؟ فقال له إِسماعيل : خمسة وعشرين ألف دينار، فقال له : قد قضى اللّه عنه دَينه، الى مَن أوصى ؟ فقالوا له : الى ابن له يقال له يحيى بالمدينة، فقال : ليس هو بالمدينة هو بمصر، وقد علمنا بكونه فيها ولكن كرهنا أن نعلمه بخروجه من المدينة لئلا يسوءه ذلك، لعلمه بكراهتنا لخروجه عنها(1).

    ______________________________

    (1) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه : 287.

    علي

    بلغ علي بن جعفر من الجلالة شأواً لا يلحق، ومن الفضل محلاً لا يسبق، وأمّا حديثه وثقته فيه، فهو ممّا لا يختلف فيه اثنان، ومن سبَر كتب الحديث عرف ما له من أخبار جمّة يرويها عن أخيه الكاظم عليه السلام تكشف عن علم ومعرفة.

    { 122 }

    وقال فيه الشيخ المفيد طاب ثراه في إِرشاده : وكان علي بن جعفر راوية للحديث، سديد الطريق، شديد الورع، كثير الفضل، ولزم أخاه موسى عليه السلام، وروى عنه شيئاً كثيراً من الأخبار، وقال في النصّ عليه، وكان شديد التمسّك به، والانقطاع اليه، والتوفّر على أخذ معالم الدين منه، وله مسائل مشهورة عنه، وجوابات سماعاً عنه، والنصّ على أخيه الكاظم عليه السلام روى من أخويه إِسحاق وعلي ابني جعفر، وكانا من الفضل والورع على ما لا يختلف فيه إِثنان.

    ومن شدّة ورعه اعترافه بالأئمة بعد أخيه الكاظم عليه السلام مع كبر سنّه وجلالة قدره، وكبير فضله، ولم تثنه هذه الشؤون عن الاعتراف بالحقّ والعمل به، بل زادته بصيرة وهدى.

    كان رجل يظنّ فيه علي بن جعفر أنه من الواقفة سأله عن أخيه الكاظم فقال له علي : إِنه قد مات، فقال له السائل : وما يدريك بذلك ؟ قال له : اقتسمت أمواله، ونكحت نساؤه، ونطق الناطق بعده، قال : ومن الناطق بعده ؟ قال علي : ابنه، قال : فما فعل ؟ قال له : مات، قال : وما يدريك أنه مات ؟ قال علي : قسّمت أمواله، ونكحت نساؤه، ونطق الناطق من بعده، قال : ومن الناطق من بعده ؟ قال علي : ابنه أبو جعفر، فقال له الرجل : أنت في سنّك وقدرك وأبوك جعفر بن محمّد عليهما السلام، تقول هذا القول في هذا الغلام، فقال له علي : ما أراك إِلا شيطاناً، ثمّ أخذ علي بلحيته فرفعها الى السماء ثمّ قال : فما حيلتي إِن كان اللّه رآه أهلاً لهذا ولم يرَ هذه الشيبة لهذا أهلاً(1).

    ______________________________

    (1) الكشي : ص 429/803.

    { 123 }

    هذا لعمر الحقّ هو الورع، ورضوخ النفس للحق، وعدم الاغترار بشؤون التقدم من الفضل والسنّ والجلالة، التي قد تغترّ النفس الأمّارة بما دونها من الخصال العالية.

    وكان يعمل أبداً مع أبي جعفر عمل المأموم العارف بمنزلة الإمام، دون أن يحجزه عن هذا أنه عمّ أبيه، بل ربّما تمنّى أن يفديه بنفسه، أراد أبو جعفر عليه السلام ليفتصد ودنا الطبيب ليقطع له العرق، فقام علي بن جعفر فقال : يا سيّدي يبدأني لتكون حدَّة الحديد فيَّ قبلك، ثمّ أراد أبو جعفر عليه السلام النهوض فقام علي بن جعفر فسوّى له نعليه حتّى يلبسهما(1).

    ودخل أبو جعفر عليه السلام يوماً مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وآله فلمّا بصر به علي بن جعفر وثب بلا حذاء ولا رداء فقبَّل يده وعظَّمه فقال له أبو جعفر : يا عمّ اجلس رحمك اللّه، فقال : يا سيّدي كيف أجلس وأنت قائم، فلمّا رجع أبو جعفر الى مجلسه جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون : أنت عمّ أبيه، وأنت تفعل به هذا الفعل، فقال : اسكتوا اذا كان اللّه عزّ وجل – وقبض على لحيته – لم يؤهّل هذه الشيبة وأهل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أنكر فضله، نعوذ باللّه ممّا تقولون، بل أنا له عبد(2).

    هذه هي النفس القدسيّة التي عرفت الحقّ فاتّبعته، وما اقتفت أثر الحميّة والعصبيّة، واغترّت بالنفس، بل كان من حُبّ النفس أن يطيع المرء خالقه جلّ شأنه في أوليائه واُولي الأمر من عباده.

    هذه بعض حال علي بن جعفر التي تكشف عمّا انطوى عليه ضميره من

    ______________________________

    (1) الكشي : 429/804.

    (2) الكافي، كتاب الحجّة، باب النصّ على أبي جعفر الثاني عليه السلام، ولا يراد من العبوديّة في مثل المقام الرقية والملكيّة، بل الطاعة والإمتثال : 1/322/12.

    { 124 }

    القدس والنسك والطاعة والعلم باللّه وبالحجج من خلقه.

    وكان رضوان اللّه عليه يسمّى بالعريضي، نسبة الى العريض – بضم وفتح – محلّ قرب المدينة كان يسكنه، وبه مات إِسماعيل، ولعلي أولاد ينسبون اليه بعنوان العريضي.

    العبّاس

    قال الشيخ المفيد رحمه اللّه في إرشاده : وكان العبّاس بن جعفر رحمه اللّه فاضلاً نبيلاً(1).

    قلت : ولم أظفر بشيء من أحواله غير هذه النبذة التي أوردها الشيخ المفيد طاب رمسه.

    ______________________________

    (1) إرشاد الشيخ المفيد : 287.

    موسى الكاظم عليه السلام

    وهو الامام بعد أبيه الصادق عليه السلام على رأي الاماميّة وعسى أن نتوفّق يوماً لتأليف كتاب في حياته، ومنه تعالى نستمدّ المعونة والتوفيق.

    * * *

    رواته

    كان رواة أبي عبد اللّه عليه السلام أربعة آلاف أو يزيدون كما أشرنا اليه غير مرّة، قال الشيخ المفيد طاب ثراه في الإرشاد : فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء والمقامات، فكانوا أربعة آلاف رجل(1)، وذكر ابن شهراشوب أن الجامع لهم ابن عقدة وزاد غيره أن ابن عقدة ذكر لكلّ واحد منهم رواية، وأشار الى عددهم الطبرسي في أعلام الورى، والمحقق الحلّي في المعتبر، وذكر أسماءهم الشيخ الطوسي طاب رمسه في كتاب الرجال.

    ولا يزيده كثرة الرواة عنه رفعة وجلالة قدر، وإِنما يزداد الرواة فضلاً وعلوّ شأن بالرواية عنه، نعم إِنما يكشف هذا عن علوّ شأنه في العلم وانعقاد الخناصر على فضله من طلاب العلم والفضيلة على اختلافهم في المقالات والنِحل.

    ______________________________

    (1) الارشاد للمفيد : 271.

    أعلام السنّة

    أخذ عنه عدَّة من أعلام السنّة وأئمتهم، وما كان أخذهم عنه كما يأخذ التلميذ عن الاُستاذ، بل لم يأخذوا عنه إِلا وهم متّفقون على إِمامته وجلالته

    { 126 }

    وسيادته، كما يقول الشيخ سليمان في الينابيع، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، بل عدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها، وفضيلة اكتسبوها كما يقول الشافعي في مطالب السؤل، ونحن اولاء نورد لك شطراً من اولئك الأعلام.

    أبو حنيفة :

    منهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي من الموالي وأصله من كابل ولد بالكوفة، وبها نشأ ودرس، وكانت له فيها حوزة وانتقل الى بغداد وبها مات عام 150، وقبره بها معروف، وهو أحد المذاهب الأربعة عند أهل السنّة، وحاله أشهر من أن يُذكر.

    وأخذه عن الصادق عليه السلام معروف، وممّن ذكر ذلك الشبلنجي في نور الأبصار، وابن حجر في الصواعق، والشيخ سليمان في الينابيع، وابن الصبّاغ في الفصول، الى غير هؤلاء، وقال الآلوسي في مختصر التحفة الاثني عشريّة ص 8 : وهذا أبو حنيفة وهو هو بين أهل السنّة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان : «لولا السنتان لهلك النعمان» يريد السنتين اللتين صحب فيها – لأخذ العلم – الامام جعفر الصادق عليه السلام.

    مالك بن أنس :

    ومنهم مالك بن أنس المدني أحد المذاهب الأربعة أيضاً، قال ابن النديم في الفهرست : هو ابن أبي عامر من حمير وعداده في بني تيم بن مرَّة من قريش، وحمل به ثلاث سنين، وقال : وسعي به الى جعفر بن سليمان العبّاسي وكان والي المدينة فقيل له : إِنه لا يرى ايمان بيعتكم. فدعى به وجرَّده وضربه أسواطاً ومدّده فانخلع كتفه وتوفي عام 179 عن 84 سنة، وذكر مثله ابن خلكان.

    { 127 }

    وأخذه عن أبي عبد اللّه عليه السلام معلوم مشهور، وممّن أشار الى ذلك النووي في التهذيب، والشبلنجي في نور الأبصار، والسبط في التذكرة، والشافعي في المطالب، وابن حجر في الصواعق، والشيخ سليمان في الينابيع، وأبو نعيم في الحلية، وابن الصبّاغ في الفصول، الى ما سوى هؤلاء.

    سفيان الثوري :

    ومنهم سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ورد بغداد عدّة مرّات، وروى عن الصادق عليه السلام جملة أشياء، وأوصاه الصادق باُمور ثمينة مرَّت في الوصايا، وناظر الصادق في الزُهد كما سلف، وارتحل الى البصرة وبها مات عام 161، وولادته في نيف وتسعين، قيل شهد وقعة زيد الشهيد وكان في شرطة هشام بن عبد الملك.

    جاء أخذه عن الصادق عليه السلام في التهذيب، ونور الأبصار، والتذكرة، والمطالب، والصواعق، والينابيع، والحلية، والفصول المهمة، وغيرها، وذكره الرجاليّون من الشيعة في رجاله عليه السلام.

    سفيان بن عيينة :

    ومنهم سفيان بن عيينة بن أبي عمران الكوفي المكّي ولد بالكوفة عام 107 ومات بمكّة عام 198، ودخل الكوفة وهو شاب على عهد أبي حنيفة.

    ذكر أخذه عن الصادق عليه السلام في التهذيب، ونور الأبصار، والمطالب، والصواعق، والينابيع، والحلية، والفصول، وما سواها، وذكر ذلك الرجاليّون من الشيعة أيضاً.

    { 128 }

    يحيى بن سعيد الأنصاري :

    ومنهم يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري من بني النجّار تابعي، كان قاضياً للمنصور في المدينة، ثمّ قاضي القضاة، مات بالهاشميّة عام 143.

    انظر المصادر المتقدّمة في روايته عن الصادق عليه السلام وما عداها كما ذكر ذلك الرجاليّون من الشيعة.

    ابن جريح :

    ومنهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح المكّي، سمع جمعاً كثيراً من العلماء، وكان من علماء العامّة، الذين يرون حلّيّة المتعة كما رأى حلّيتها آخرون منهم، وجاء في طريق الصدوق في باب ما يُقبل من الدعاوى بغير بيّنة، وجاء في الكافي في باب ما أحلَّ اللّه من المتعة سؤال أحدهم من الصادق عليه السلام عن المتعة فقال : الق عبد الملك بن جريح فاسأله عنها فإن عنده منها علماً، فأتاه فأملى عليه شيئاً كثيراً عن المتعة وحلّيّتها.

    وقال ابن خلكان : عبد الملك أحد العلماء المشهورين، وكانت ولادته سنة 80 للهجرة وقدم بغداد على أبي جعفر المنصور، وتوفى سنة 149 وقيل 150، وقيل 151.

    وذكرت المصادر السابقة أخذه عن الصادق عليه السلام، كما ذكرته رجال الشيعة.

    القطّان :

    ومنهم أبو سعيد يحيى بن سعيد القطّان البصري، كان من أئمة الحديث بل

    { 129 }

    عُدَّ محدّث زمانه، واحتجّ به أصحاب الصحاح الستة وغيرهم، توفي عام 198، وحكي عن ابن قتيبة عداده في رجال الشيعة، ولكن الشيعة لا تعرفه من رجالها.

    ذكره في رجال الصادق عليه السلام التهذيب، والينابيع، وغيرهما من السنّة، والشيخ، وابن داود، والنجاشي، وغيرهم من الشيعة.

    محمّد بن إسحاق :

    ومنهم محمّد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي والسير، مدنيّ سكن مكّة، أثنى عليه ابن خلكان كثيراً، وكان بينه وبين مالك عداء، فكان كلّ منهما يطعن في الآخر، قدم الحيرة على المنصور فكتب له المغازي.

    وقدم بغداد وبها مات عام 151 على المشهور، ذكر أخذه عن الصادق في التهذيب، والينابيع، وغيرهما من السنّة، والشيخ في رجاله، والعلامة في الخلاصة، والكشي في رجاله، وغيرهم من الشيعة.

    شعبة بن الحجّاج :

    ومنهم شعبة بن الحجّاج الأزدي كان من أئمة السنّة وأعلامهم وكان يفتي بالخروج مع إِبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن، وقيل كان ممّن خرج من أصحاب الحديث مع إبراهيم بن عبد اللّه.

    وعَدَّه في أصحاب الصادق عليه السلام جماعة من السنّة منهم صاحب التهذيب، والصواعق، والحلية، والينابيع، والفصول، والتذكرة وغيرها، وذكرته كتب الشيعة في رجاله أيضاً.

    { 130 }

    أيوب السجستاني :

    ومنهم أيوب بن أبي تميمة السجستاني البصري، وقيل السختياني، والأول أشهر، مولى عمّار بن ياسر وعدُّوه في كبار الفقهاء التابعين، مات عام 131 بالطاعون بالبصرة عن 65 سنة.

    عدَّه في رجال الصادق عليه السلام في نور الأبصار، والتذكرة، والمطالب، والصواعق، والحلية، والفصول، وغيرها، وذكرته كتب رجال الشيعة في أصحابه أيضاً.

    وهؤلاء بعض من نسبوه الى تلمذة الصادق عليه السلام من أعلام السنّة وفقهائهم البارزين، وقد عدّواً غير هؤلاء فيهم أيضاً، انظر في ذلك حلية الأولياء، على أن غير أبي نعيم أشار الى غير هؤلاء بقوله وغيرهم، أو ما سوى ذلك ممّا يؤدّي هذا المفاد.

    * * *

    مشاهير الثقات من رواته من الشيعة

    اذا كان الرواة الثقات الذين أحصتهم كتب الرجال أربعة آلاف أو يزيدون فليس من الصواب أن نذكرهم جميعاً ههنا، على أن كتب الرجال قد استقصت اكثرهم ذكراً وترجمة، كما أنه ليس من الصحيح إِهمالهم فإن استطراد ذكرهم دخيل في القصد، فرأينا أن نذكر المشاهير عن ثقاتهم خاصّة فإن به إِيراداً لناحية من نواحي حياته عليه السلام، وبُعداً عن السعة المملّة.

    أبان بن تغلب :

    أبو سعد أبان بن تَغِلب الكبري الجريري، روى عن السجّاد والباقر والصادق عليهم السلام ومات أيام الصادق عليه السلام 141، وقيل عام 140، ولمّا بلغ نعيه أبا عبد اللّه عليه السلام قال : «أما واللّه لقد أوجع قلبي موت أبان» وهذا ينبيك عن كبير مقامه لديه، وعظيم منزلته عنده، يا ترى ما شأن من يوجع موته قلب الصادق عليه السلام ؟

    وكان غزير العلم قويّ الحجّة، ويشهد لذلك قول الباقر عليه السلام له : اجلس في مسجد المدينة وافتِ الناس فإني احبّ أن يُرى في شيعتي مثلك. وقول الصادق عليه السلام له : ناظر أهل المدينة فإني احبّ أن يكون مثلك من

    { 132 }

    رجالي.

    فلو لم يكن بتلك الغزارة من الفضل، والقوّة في الحجّة، لما عرَّضاه لتلك المآزق والمخاطر، فإن فشله فشل لهما.

    وقد روى عن الصادق فحسب ثلاثين ألف حديث، كما أخبر عن ذلك الصادق نفسه، وأمر أبان بن عثمان أن يرويها عنه.

    وما كان متخصّصاً بالحديث والكلام فحسب بل كان متضلّعاً في عدّة علوم جليلة، كالتفسير والأدب واللغة والنحو والقراءة، وسمع من العرب وحكى عنهم وصنَّف كتاب الغريب في القرآن، وذكر شواهده من الشعر.

    ومن سموّ مقامه اتّفاق الفريقين على وثاقته، فقد وثّقه جهابذة القوم في الحديث مع اعترافهم بتشيّعه، منهم أحمد ويحيى وأبو حاتم والنسائي وابن عدي وابن عجلان والحاكم والعقيلي وابن سعد وابن حجر وابن حيّان وابن ميمونة والذهبي في ميزان الاعتدال، وعدُّوه في التابعين، وكفى بهذا دلالة على بلوغه من الوثاقة والفضل حدّاً لا يسع أحداً إِنكاره.

    أبان بن عثمان :

    أبان بن عثمان الأحمر البجلي الكوفي، كان يسكن الكوفة مرّة، والبصرة اُخرى، وقد أخذ عنه أهل البصرة أمثال أبي عبيدة معمّر بن المثنى، وأبي عبد اللّه محمّد بن سلام، واكثروا الحكاية عنه في أخبار الشعراء والنسب والأيام.

    روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام، وله كتاب كبير حسن يجمع المبتدأ والمغازي والوفاة والردّة، هكذا قال النجاشي.

    وهو من الستة أصحاب أبي عبد اللّه عليه السلام، الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم والإقرار لهم بالفقه، وهم جميل بن درّاج، وعبد اللّه

    { 133 }

    بن مسكان، وعبد اللّه بن بكير، وحمّاد بن عيسى، وحمّاد بن عثمان، وأبان بن عثمان هذا.

    إِسحاق الصيرفي :

    إِسحاق بن عمّار بن حيّان الصيرفي الكوفي، كان من الثقات الذين رووا الحديث عن الصادق وابنه الكاظم عليهما السلام، واخوته يونس ويوسف وإِسماعيل، وهو بيت كبير من الشيعة، وابنا أخيه علي وبشير ابنا إِسماعيل كانا من وجوه من روى الحديث، وكان الصادق اذا رآه ورأى أخاه إِسماعيل قال : «وقد يجمعهما لأقوام» يعني الدنيا والآخرة، لأنهما كانا من ذوي الثروة والمال الوافر ويصلان به أصحابهما وينيلان منه، ورويت فيه مدائح اُخرى.

    السكوني :

    إِسماعيل بن أبي زياد السكوني، والسكون حيّ من عرب اليمن، قيل إِنه كان قاضياً في الموصل، وكان ثقة في الرواية وقد أجمع أصحابنا على العمل بروايته وذكر بعض الرجاليّين أنه عامّي ولم يثبت، وله حديث كثير في الفقه، وكلّه معمول به اذا صحّت الرواية اليه.

    إِسماعيل الصيرفي :

    إِسماعيل بن عمّار بن حيّان الصيرفي الكوفي، أخو إِسحاق المتقدّم الذكر، وقد سبق في إِسحاق قول الصادق عليه السلام اذا رآهما : «وقد يجمعهما لأقوام» والذي يزيد في علوّ شأنه ما رواه في الكافي في باب البرّ بالوالدين في الصحيح عن عمّار بن حيّان أبي إِسماعيل هذا، قال : أخبرت أبا عبد اللّه عليه السلام ببرّ

    { 134 }

    إِسماعيل ابني فقال عليه السلام : «لقد كنت أحبّه ولقد ازددت له حبّاً» وكفاه هذا فضلاً وعلوّاً.

    بريد العجلي :

    بريد بن معاوية العجلي، كان ممّن روى عن الباقر والصادق عليهما السلام معاً، ومات في أيام الصادق عليه السلام، وقد بلغ من الجلالة وعظم الشأن عند أهل البيت حدّاً فوق الوثاقة، وارتقى مقاماً لديهم يعجز القلم عن وصفه، وكيف ترى منزلة من يقول الصادق عليه السلام في حقّه : «أوتاد الأرض وأعلام الدين أربعة : محمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية، وليث بن البختري المرادي، وزرارة بن أعين»، ويقول في حديث : «إِن أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً وأمواتاً، أعني زرارة بن أعين، ومحمّد بن مسلم، ومنهم ليث المرادي، وبريد العجلي، هؤلاء القوَّامون بالقسط، هؤلاء القوَّامون بالصدق، هؤلاء السابقون السابقون اولئك المقرّبون» وقال فيهم في حديث آخر : «أربعة نجباء اُمناء اللّه على حلاله وحرامه» ويقول في آخر : «هؤلاء حفّاظ الدين واُمناء أبي على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون الينا في الدنيا والسابقون الينا في الآخرة» الى كثير أمثال هذا من التقريظ والمدح، وهو من أصحاب

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. The Adventure Journal Theme.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 38 other followers

%d bloggers like this: